Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قتل النساء.. أزمنة الوأد
قتل النساء.. أزمنة الوأد

محمد المحمود

عاش العالمُ العربي الشهرَ الماضي مشاهدَ قتل مُرْعِبة، طالت النساء خصوصا. ولعل أشهرها وأبشعها جريمة قتل طالبة جامعية في مدينة المنصورة المصرية. طبعا، الجرائم التي أعقبتها، أو التي تلك التي اكْتُشِفَت بعدها، كانت بمثابة التأكيد على السياق الذي لا يكتفي بمجرد القتل، بل يقوم ـ وعن وعي بذلك ـ بتحويل جريمة القتل إلى ما هو أشد بشاعة وألما؛ حينما يصبح القتل مَشْهدِيّاً/ مَسْرَحِيّاً، يَتَفنّن فيه الخيال المُتَوحِّش في ابتداع اللاَّمُتَوقّع، واللاّمُتَخَيّل أيضا. 

واضح جدا أن ليس القتل مُجَرَّدا (= إنهاء الحياة) هو المقصود في جريمة المنصورة، أو ليس هو المقصود بشكل أولي، بل المقصود هو إرسال رسالة خطيرة تحمل أعلى درجات الإرهاب ضد النساء. لا أعني أن القاتل كان يقصد جملة الإشارات في هذه الرسالة، وإنما أعني تحديدا أنه كان يُعَبِّر عن إرادة ثقافية كامِنة لممارسة أقصى درجات العنف مع النساء، مع النساء اللائي لا يَرضَين بالاستسلام لـ"ثقافة الوأد"، تلك الثقافة التي تعني إخضاع النساء لرغبات الرجال، سواء بإلغاء وجودهن من الفضاء العام، أو وضعهن ـ بصورة دائمة ـ تحت وصاية/ هيمنة الرجال. 

بشاعة الجريمة هنا تَتَمَسْرح بدرجتين/ بمستويين: الأول، مشهد العنف المرعب الذي تفنن القاتل في أدائه على مرأى من الجميع. والثاني، أنه عنف تجاه المرأة تحديدا، المرأة المستهدفة بالعنف في أكثر المجتمعات الإنسانية. وهو العنف الذي يجري بدرجات متفاوتة، إذ يبدأ من التمييز ضدها منذ لحظات الطفولة الأولى، وقد يصل أحيانا لمشاهد القتل المرعبة، مرورا بتعنيفها اللفظي والجسدي، فضلا عن حرمانها من الحقوق والحريات المضمونة للرجال في حدود السياق الثقافي للمجتمع.  

المستوى الأول، المتمثل في مَسْرَحَة القتل ليكون أكثر إرعابا وإرهابا، هو جزء من مَسْلكٍ راسخ في تاريخ العرب منذ جاهليتهم الأولى، عندما كان النعمان بن المنذر يتفنّن ـ لاهِياً ـ بجرائم القتل في يوم بؤسه الذي يقتل فيه أول من يُصَادفه في طريقه، مرورا بما فعلته هندُ بنت عتبة ـ في لحظات الانتقام الثأري ـ عندما كانت تَبقر بطونَ القتلى وتأكل أكبادهم، إلى ما فعله بُسْرُ بن أرطاة (أحد قواد معاوية) من قَتْل الأطفال ووضعهم في حجور أمهاتهم، إلى ما كان يفعله زياد بن أبية (والي معاوية على العراق) من قتل نساء الخوارج وصَلبهن عرايا (والمرأة الخارجية لا يُرعبها القتل؛ بقدر ما يُرْعِبها أن يكون جسدها العاري فرجة للناس بعد قتلها)، إلى تفنن الحجاج بن يوسف في التعذيب بأنواع، إلى دفن هشام بن عبد الملك غيلانَ الدمشقي حيا؛ بعدما قطع يديه ورجليه، وهي الفعلة ذاتها التي فعلها أبو جعفر المنصور مع ابن المقفع، إلى التَّنّور المُسَعَّر المُبَطّن بالمسامير، الذي اتخذه محمد بن عبدالملك الزّيات (وزير المعتصم والواثق) لتعذيب الناس، إلى ما فعله المعتضد العباسي بإشارة وزيره عُبَيد الله بن سليمان، عندما قبض على مجموعة من الناس توقّع أنها ضدّه، فأمر بصلب بعضهم، وتحريق بعضهم، وإغراق بعضهم الآخر؛ لأن العقوبة ـ كما يقول مُبَرّرا ـ تكون أكثر إرعابا وإرهابا عندما تتنوّع، إلى مشهد مقتل الحلاج وصلبه، ومقتل السهروردي...إلخ. 

وهنا، قد يَرُدّ أحدُهم بأن هذه المشاهد وأمثالها وما هو قريب منها،  لا يخلو منها تاريخ أمة من الأمم؛ حتى وإن اختلفت نِسبة ذلك بين أمةٍ وأخرى، وزمنٍ وآخر. وهذا صحيح، ولكن صحيح أيضا ـ وهو الأهم هنا ـ أن مواقف الأمم من مثل هذه الأفعال الواردة في تاريخها؛ مما فعله أسلافها، يختلف كثيرا.  

ليس وجود مثل هذه الأفعال ونسبتها في التاريخ هو المهم، بل المهم هو الموقف الثقافي العام (موقف الوعي الكلي) منها. فبينما تَرِد مثل هذه الأفعال في تواريخ الأمم المُتَحَضِّرَة مُدَانة ومُجَرَّمة، وممارسوها تتبع أسماءَهم نعوتُ الازدراء والاحتقار، نجد ـ وللأسف ـ الوعيَ العربيَ متصالحا مع هذه الأفعال ومع ممارسيها، بحيث جرى تطبيعها، وترميز فاعليها، وإدماجهم في نسق الأمجاد: كأبطال حرب، وكصانعي حضارة، وكمؤسسي أمبراطوريات، أو حتى السكوت عنهم في أحسن أحوال الخجل من عار التاريخ. 

أما في المستوى الثاني، أي كون المُسْتَهدَف بالعنف: امرأة، فهنا التسامح مع العنف من حيث المبدأ، يُضاف إليه تسامح آخر، مرتبط بكون الضحية: امرأة. والمرأة مستهدفة بالعنف أصالة في المجتمعات التقليدية. التسامح مع العنف جزء من التركيبة الثقافية الراسخة بعمق التاريخ/ تاريخ الأنا، والتسامح مع العنف عندما يكون عنفا ضد المرأة أشد رسوخا، فثمة مقصد خفي ـ واع وغير واعٍ ـ في إرهاب النساء؛ كجزء من آليات التَّحيّز لاستدامة الهيمنة الذكورية التي تحتفظ للذكور بكثير من صور الامتياز المادي والمعنوي.  

لا يعني هذا أن المجتمعات المتحضرة خالية من هذا العنف المُوَجَّه ضد النساء، وإنما المقصود أنه في المجتمعات التقليدية البدائية (بدائية على مستوى الوعي الكلي) راسخ، قد جرى تطبيعه وتأكيده، بينما في المجتمعات المتحضرة مُطارَد، قد جرى تجريمه وتأثيمه. والفارق بين النساء في المجتمع التقليدي والمجتمع المتحضر هو ذاته الفارق بين التطبيع والتجريم.   

هناك مشهد كاشف، رغم كونه مشهدا عابرا من جملة المشاهد التي حفّت بالمشهد الرئيس في جريمة قتل فتاة المنصورة، وهو ـ عندي ـ أشد إيلاما، وإرعابا، وأبعد خطرا من مشهد الجريمة ذاته. هذا المشهد الفرعي الهامشي كما يبدو، هو حجر الزاوية، لا في هذه الجريمة وحدها، بل في كل الجرائم المشابهة، بل وفي كل صور العنف ضد النساء. أقصد هنا: ذاك المشهد الذي يَبدأ بأن يَسأل أحدُ الإعلاميين جيرانَ القاتل عنه/ عن سلوكه، فيجب أحدهم ـ بكل هدوء، وبِنبراتٍ مُطْمَئنّة بدرجة الاعتياد الروتيني ـ أن القاتل لم يكن يُتَوقَّع منه أن يقوم بهذا؛ لأنه ـ وفق منطق المتحدّث ـ كان طيّبا وهادئا، وكان لا يُسْمع صوته إلا عندما يقوم بضرب أمّه وأخواته البنات، فتصرخ أمُّه مُسْتنجِدة. ثم يُكرّر أنه لا يسمع صوته إلا عندما يضرب أمّه وأخواته. وفي اللحظة نفسها، في وسط كلامه، يُعَلِّق الجارُ الآخر على هذا الكلام ـ وأيضا، بكل هدوء ـ بقوله: هي (أي ضربه لأمه وأخواته) مُجرّد حاجات بينهم، يعني خلافات عائلية داخلية. وبهذا السلوك العنفي الذي لا يخرج عن حدود جدران البيت، يصبح القاتل طيبا هادئا لا يُتوقّع منه العدوان !   

لاحظ، ثمة عنف أُسَري مَشهود، يصل الأمر بالشاب إلى ضرب أمه وأخواته حتى يتعالى صُرَاخُهن ويَسمع ذلك الجيران، ولكن، يبدو كل هذا ـ في الوسط الثقافي الحاضن للقاتل ـ شيئا طبيعيا؛ إلى درجة أنه لا ينفي صفة : "الطيبة"، ولا صفة "الهدوء" عنه، وبالتالي، لا يُتوقّع منه ارتكاب جريمة؛ لأن ما يفعله مع أمه وأخواته ليس جريمة، ولا ممهدا لجريمة، بل ولا هو سلوك يَشين فاعله، بل مجرد خلافات عائلية بين ذكور العائلة وإناثها، ومن الطبيعي جدا أن يضرب الذكور الإناث؛ حتى ولو كانت الأنثى هنا أمّاً ! 

لماذا أقول: إن هذا التسامح مع العنف عموما، ومع العنف ضد المرأة خصوصا، هو أشد من واقعة الجريمة ذاتها ؟ أقول ذلك لأن الجريمة على بشاعتها الفائقة تبقى مسلكا فرديا في النهاية، كما هي واقعة خاطفة، وقعت في لحظة لا يمكن استدراكها، ثم هي جريمة مُدَانة من الجميع بأقصى درجات الإدانة والاستبشاع. بينما التسامح مع العنف ضد المرأة يشي بالتطبيع الاجتماعي، ما يعني أنه عنف يُمَارس على ملايين النساء، ليس في حدث عابر نادر، بل في مسلك يومي أو شبه يومي، لا يقوم به مُجْرِمون مُدَانون يُسَاقون إلى أقصى صور العقاب المنصوص عليها قانونيا (كما في حادثة القتل)، بل يقوم به ـ أي العنف ضد النساء بما لا يصل درجة القتل ـ أناسٌ أسوياءُ في العرف الاجتماعي، أناسٌ ربما يَحظون بكثير من التقدير، بل ربما تمكّنوا من أدوات التأثير الاجتماعي المادية أو المعنوية؛ حتى ولو عَرفهم المجتمع بمثل هذا السلوك التعنيفي المشين، فهو قد يتسامح معهم؛ كما تسامح جيرانُ القاتل مع سلوكياته التي تتصل بالتعنيف الأسري. 

لكن، وفي معظم الأحوال، يبقى العنف المادي تجاه المرأة (في كل صوره، من الضرب والتعذيب، إلى القتل ومَسْرَحَة القتل) مُدَانا ومرفوضا على المستوى الاجتماعي. لا يجرؤ أحد على تبريره في صورة علنية صريحة؛ إلا فيما ندر. لهذا، فالأخطر من كل ما سبق، أي من "القتل" ومن "التعنيف المادي بالضرب والتعذيب" هي تلك الانتهاكات الشائعة لحقوق النساء، أقصد: الانتهاكات التي قد تصل القوانينُ لتجريمها، وقد لا تصل؛ لتعذّر إمكانية توصيفها ورصدها قانونيا. أي هي تلك الانتهاكات التي تفرضها المواضعات الاجتماعية؛ فتستسلم المرأة لها تحت وطأة الإكراه المعنوي ذي الطابع الشمولي. 

بمثل هذا الإكراه المعنوي الناعم (الذي قد يشوبه بعض الإكراه الخشن) هناك ـ في العالم العربي ـ ملايين النساء الممنوعات من التصرف بأموالهن وبخياراتهن العملية والمهنية، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على الزواج بِمَن لا يُرِدْن، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على صور من صور اللباس، هناك ملايين النساء المحرومات من ميراثهن، هناك ملايين النساء المَشلولات بالمراقبة الاجتماعية الصارمة التي تحسب عليهن أنفاسهن، هناك الملايين من النساء المُجْبَرَات على الحياة كخدم مُهَان لأزواجهن وأسرهن...إلخ ما أسميّه: "الوأد المُمَنهج" أو "القتل البطيء" أو "الإبادة الصامتة" للوجود الأنثوي في مستوى الكرامة المستحقة التي تتجاوز حدود ما تكفله الأنظمة والقوانين، إلى تخوم ما تشتغل عليه الثقافة بمفهومها العام/ الشامل.  

نعم، قد تستطيع المرأة التي سُلِبَ منها ميراثها ـ مثلا ـ أن تشكو السالبَ (وغالبا ما يكون أخا أو قريبا)، فتأخذ حقّها بالقانون، ولكن الثقافة المجتمعية ستجبرها على دفع الثمن أضعافا من وجودها الكلي. ما يعني أن الاشتغال على المُتَغيّرات الثقافية هو الفاصل في إجراء مُتَغيّرات نوعية بين واقع النساء المُمْتد بِعُمْق أزمنةِ الوأد في التاريخ العربي، وما يتطلعن إليه من واقع المساواة الكاملة بالرجال في زمن حديث، ولكن يتيم. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).