Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الجفاف أثر على محاصيل الحبوب في عدة بلدان- تعبيرية
الجفاف أثر على محاصيل الحبوب في عدة بلدان- تعبيرية

نضال منصور

"عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه"، قول ثوري نُسب قبل مئات السنين لأبي ذر الغفاري، وما زال حتى اللحظة برنامجا يُجسد صراع الفقراء من أجل حياة كريمة.

حضرت هذه العبارة في ذهني، وشغلت تفكيري حين تزايد الحديث عن أزمة غذاء عالمية تتنامى منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، وبعد معلومات متواترة عن قيود وضعتها العديد من الدول على تصدير المواد الغذائية، وخاصة الحبوب.

حالة من القلق تتسرب رويدا رويدا في الأردن، وجريدة الغد اليومية استشعرت الهواجس، وأفردت ملفا خاصا في نسختها الورقية عن الأمن الغذائي، ونبهت إلى تحديات شُح المياه والتصحر وضعف التزويد.

العالم في حالة استنفار، وحتى لو انتهت الحرب الروسية على أوكرانيا الآن ووضعت أوزارها، فإن التداعيات الكارثية قد وقعت، وآثارها خلفت دمارا في الدول الأكثر هشاشة.

تُدرك دول العالم وأجهزتها الاستخبارية أن أزمة الغذاء وارتفاع أسعاره الحاد، هذا إن توفر، بالتزامن مع تصاعد أسعار المشتقات البترولية قد يكون مقدمة لاضطرابات سياسية، واندلاع موجات غضب وقودها الفقراء الذين بات وصولهم إلى الطعام أمرا متعذرا وصعبا.

المعهد الدولي لبحوث السياسات الزراعية يُقر أن أوكرانيا وروسيا تُنتجان ثلث القمح المتداول في الأسواق العالمية وربع الشعير، ومديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، سامانثا باور، تعترف أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت 34 في المئة على المستوى العالمي، وحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" فإن فاتورة الواردات الغذائية عالميا ستصل إلى 1.8 تريليون دولار عام 2022 بزيادة قدرها 51 مليار دولار عن العام الماضي 2021.

بعد أن اندلعت الحرب في أوكرانيا صار الخبراء يُذكّرون بأهميتها كمورّد رئيسي للغذاء، وأطلقوا عليها وصف "سلة خبز العالم".

مجلة الإيكونوميست تُحذر من الاضطرابات بسبب ارتفاع أسعار النفط والغذاء، ورغم هذا الطنين المتزايد فإن هدير المعارك مستمر، ويظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، متماسكا سياسيا، ولا مباليا تجاه أزمات العالم التي فجرها بعد أن حرك دباباته نحو أوكرانيا.

الأسئلة المُحيرة الآن، ألم يكن بوتين يعرف أن هذه الحرب قد تقود إلى انفجارات غير محسوبة؟ وبالمقابل، هل كانت أميركا والاتحاد الأوروبي والناتو أيضا يُدركون المخاطر؟ ويريدون أن يذهب الرئيس الروسي نحو هذا المنزلق، الذي ربما يوحدهم أكثر ويورط روسيا في مستنقع أوكرانيا ويصنع تحالفا دوليا مضادا لها، حتى وإن كان ثمن كل ذلك "ثورة جياع" قد تندلع؟

على ضفاف هذه الأزمة العالمية فإن العالم العربي لا ينجو دائما ويدفع الثمن والهواجس من انتفاضات الفقراء شبحها لا يغيب، وفي هذا المقام يستذكرون "ثورات الربيع العربي" في عام 2010، وما تلاها، ويُعيدون إلى الأذهان أن مقدماتها كانت أزمة الغذاء الطاحنة التي انفجرت عام 2008، وعندها ارتفع مؤشر الغذاء 50 بالمئة، وأسعار القمح ارتفعت 130 بالمئة، والأرز تضاعف ثلاث مرات.

ما زالت الشعارات المُطالبة بالخبز يُسمع صداها في شوارع العواصم العربية التي انتفضت في "الربيع العربي"، فالجذور الاجتماعية والاقتصادية كامنة، ومحرك أساسي، ولا يمكن إغفالها في تحريك الشارع وغضبه.

وُئِدت ثورات "الربيع العربي" في موجتها الأولى، وحتى الموجة الثانية التي اجتاحت العراق ولبنان والسودان لم يُكتب لها الانتصار، ولكن الجمر ما زال تحت الرماد، فالفقراء يزدادون فقرا وعددا، والأزمات التي تتوالى تطحنهم أكثر، وتُحيل حياتهم جحيما.

لا تكذب جريدة "واشنطن بوست" حين تقول إن ارتفاع أسعار الغذاء كان سببا رئيسيا لاندلاع الثورات في عالمنا العربي، والانقلاب على الثورات أو قمعها أو التحايل عليها شراء للوقت، ومسكنات مؤقتة لا تُنهي الجوع ولا تُطعم الفقراء ولا تجد لهم حلا.

التقارير الواردة تكشف أن أكثر الدول العربية غير النفطية تحديدا مهددة بخطر نقص الغذاء، ويُفاقم من أزمتها حاليا أن 60 بالمئة من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا.

مؤشر الأمن الغذائي يُقدر أن 466 ألف شخص في الصومال واليمن والسودان يعيشون ظروف المجاعة، ومصر وتونس تتفاوضان مع البنك الدولي للحصول على قروض تمويلية تُلبي احتياجاتها العاجلة لتأمين الغذاء، ولبنان حسب الأرقام يعيش 80 بالمئة من سكانه تحت خط الفقر.

الأرقام مُفزعة، ففي الصومال 60 ألف شخص معرضون لخطر الجوع أو الموت جوعا هذا العام، و13 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ونصف الشعب اليمني على هذه الحال.

تعاني الدول العربية من فجوة غذائية بدأت عام 2020 مع جائحة كورونا وصلت إلى 35.5 مليار دولار، وتُمثل الحبوب نقطة الضعف الكبرى، في حين بلغت وارداتها من الغذاء 20.8 مليار دولار في نفس العام.

لا تتساوى الدول العربية في التحديات التي تواجهها، فالأرقام تشي بأن الدول الأقل أداء في توفر الغذاء في مقدمتها اليمن بنسبة 27.5 بالمئة، تليها السودان 30.6 بالمئة، فسوريا 40.3 بالمئة، ثم الأردن 48.2 بالمئة، والمغرب 50.4 بالمئة.

وفي مؤشر الجوع للمنظمة العربية للتنمية الزراعية فإن الصومال يحتل المرتبة الأولى بنسبة 50.8 بالمئة، تليه سوريا وجزر القمر، يتبعها اليمن فجيبوتي والسودان.

الحال الصعب للعرب حتى وصل حد الجوع، يدفعك للكفر بالنظام العربي الذي عجز عن بناء أدنى درجات التكافل الاقتصادي، فلا يُعقل أن السودان "سلة غذاء العرب" يجوع لو استُثمر جزء من مئات المليارات التي تُهدر في تطوير الزراعة، فما عدنا ننادي بشعارات الوحدة العربية، فهذا حلم قديم صار مُفزعا، والأمر أبسط من ذلك بكثير؛ اتفاقيات زراعية تحمي أمنهم الغذائي، وتُنقذهم من الجوع حين تداهمنا الأزمات كما هو الحال الآن.

رغم الجفاف، فإن دول الخليج لا تلاحقها أزمة الأمن الغذائي بشكل فج، ودولة قطر الأولى عربيا في الأمن الغذائي، تتبعها الكويت والإمارات وسلطنة عُمان والبحرين، وقد نجت هذه الدول من الأزمات بفضل تحلية مياه البحر والزراعة المائية والأهم شراؤها لأراضٍ زراعية في الدول النامية لتأمين احتياجاتها، رغم كل الجدل الذي أثارته هذه الخطوة.

الدول العربية الأكثر استيرادا للحبوب 66 مليون طن، أكثر من قارة أسيا بما فيها الصين، ودولة مثل مصر تُعتبر الأكثر استهلاكا للقمح، ومع ذلك لم تضع الدول العربية استراتيجيات تصون شعوبها من الجوع والفقر ولا يُعرف إن كانت أزمة أوكرانيا ستعلمهم دروسا.

هيومن رايتس ووتش تُطالب الحكومات العربية بضمان الحق في الغذاء الكافي، على أن يكون ميسور التكلفة للجميع، فهناك 10 ملايين شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يملكون القدرة على تأمين ما يكفي من الطعام.

الجوع أبو الكفار، والحكومات غير الديمقراطية التي تتحكم بثروات البلاد بعيدا عن قواعد الحوكمة والشفافية، وتتناثر القصص عن فساد طبقتها الحاكمة، لا تُلقي بالا لجوع الناس وبحثهم عن لقمة الخبز في حاويات القمامة ولا تسمع جرس الإنذار إلا بعد فوات الأوان، وحين لا تفيد كلمة "الآن فهمتكم" المتأخرة، فقد سبق السيف العذل.

العدالة في السماء، ولا توجد عدالة في الأرض، هكذا كان يُحدثني صديقي بعد أن سمع أن 200 مليار دولار خسرها خمسة أثرياء فقط خلال الأشهر الستة الماضية، وكانت كافية لإطعام الجوعى المنتشرين في كل بقاع العالم.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).