Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

العاهل المغربي يشارك في صلاة عيد الفطر في 2 مايو 2022.
العاهل المغربي يشارك في صلاة عيد الفطر في 2 مايو 2022.

عبد الرحيم التوراني

في متم الشهر الحالي (30 يوليو- تموز) سيحتفل ملك المغرب بالذكرى 23 لتوليه العرش. وهي مناسبة للحديث عن الإصلاحات والمنجزات التي تحققت خلال سنوات حكمه.

إلا أن هذا العام يصادف جدلا متناميا حول صحة الملك (59 سنة)، يتداول منذ فترة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص في قنوات يوتيوب يديرها أشخاص مغاربة يقيمون في الخارج، اشتهروا بعدائهم للنظام الملكي وبمعارضتهم غير المنظمة. وهم يزعمون حاليا أنه يجري "صراع محتدم داخل العائلة الملكية حول من سيرث عرش المملكة بعد غياب محمد السادس". الأمر الذي ساهم في نشر بعض البلبلة والانزعاج وسط الرأي العام المغربي. 

ولا ينتظر صدور توضيح رسمي بخصوص مثل هذه الإشاعات المنتشرة، لكن مواقع وصحف غير خفي تبعيتها للأجهزة الاستخباراتية، هي من تولت الرد على "المزاعم والإشاعات المغرضة"، وخرجت لتقول إن "الملك يتمتع بصحة جيدة"، حتى لو لم يظهر منذ فترة في المشهد العام، ولم يصور أي نشاط له في المدة الأخيرة. 

وكان بيان للديوان الملكي المغربي، صدر في منتصف يونيو - حزيران 2022، تحدث عن "إصابة الملك محمد السادس بفيروس كوفيد-19 بدون أعراض". وتضمن البيان الذي عممته وكالة الأنباء الرسمية، أن الطبيب الخاص للملك وصف "فترة راحة لجلالته لبضعة أيام".

وتجدر الإشارة إلى أنه سبق للعاهل المغربي أن خضع لعمليتين جراحيتين في القلب. الأولى بباريس، في شهر فبراير- شباط 2018، والثانية في مصحة القصر الملكي بالرباط، في شهر يونيو- حزيران 2020.

***

هناك تقريبا إجماع لعدد كبير من مراكز الدراسات والمؤسسات الدولية والمراقبين، أن الأعوام التي تولى فيها محمد السادس حكم المغرب، تميزت بـ"خيبة أمل" لدى من كانوا يتطلعون إلى إرساء دعائم إصلاح حقيقي وعميق من شأنه نقل البلاد إلى دولة ديمقراطية، يتمتع مواطنوها بالرخاء والعدالة والمساوة الاجتماعية، دولة تضمن المواطنة والكرامة الإنسانية لأوسع الطبقات والفئات الشعبية، لا سيما بعد الانفتاح السياسي الهام في السنوات الأخيرة لحكم الحسن الثاني. إلا أن عهد محمد السادس يمكن وصفه بسنوات "الفرص الضائعة". إذ أصبح "المغرب من أكثر البلدان ظلمًا اجتماعيًا في شمال إفريقيا، ولم يؤد وباء كورونا إلا إلى اتساع فجوة الثروة، مما زاد من مشاكل الظلم الضريبي، والتفاوت بين الجنسين في التعليم والصحة والعمل". حسب تقرير لمنظمة "أوكسفام". 

لم يحدث الانتقال الديمقراطي المنشود إذاً، بل بقي "معلقا من الأرجل"، اقتباسا من عنوان مجموعة قصصية للأديب المغربي أحمد صبري.

تجمع المصادر ذاتها، أن المغرب يعرف تراجعا واضحا في مجالات حيوية عدة، خلافا لما كان منتظرا، بتسجيل الدين العام تزايدا وصل إلى 80 من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضاع حقوق الإنسان تتدهور بشكل يومي. الأمر الذي يعود بالمغاربة إلى سنوات الرصاص التي سادت حكم الحسن الثاني. بلجوء السلطات إلى العنف لسحق المظاهرات السلمية، واعتقال المحتجين ضد الأزمة الاقتصادية الخانقة. وما من بدائل واقعية تجيب على عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو للرد على احتجاجات المغاربة ضد غلاء المعيشة وقمع الحريات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، سوى الإفراط في الاستخفاف بالاحتجاجات، بأسلوب القمع المنهجي، بالرغم من المخاطر المحدقة بمخططات السياسة الأمنية، التي يحذر الخبراء أنها لن توصل إلا إلى "الانهيار الاجتماعي". 

***

في 8 سبتمبر- أيلول 2021، أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة حكومة "منسجمة" بثلاث أحزاب، هي حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، والحزبان معا خرجا من جلباب القصر، مع حزب الاستقلال التاريخي الذي تأسس في عهد الحماية الفرنسية، إلا أنه صار كباقي أغلب الهيئات الحزبية وأكبر النقابات العمالية المتواطئة في البلاد، التي تتزاحم بقوة على التمسح بأهداب العرش وابتغاء مرضاته. ولم يعد مستغربا سماع هؤلاء القادة الحزبيين وهم يتحدثون عن برامج هيئاتهم السياسية، سواء كانوا في الحكومة أو في "المعارضة الموالية"، بالقول إن برنامج حزبهم هو البرنامج الملكي نفسه. وكأننا أمام حديث من أحاديث أبي هريرة، ذكر فيه أنه "إذا حضَرَ الإمام طُوِيَتْ الصحفُ".

لكن الملك محمد السادس، وبعد عشرين سنة من توليه العرش، سيعترف أخيرا بفشل البرنامج التنموي في المملكة. ومما قاله في خطاب العرش 30 يوليو- تموز 2019 : "لقد أبان نموذجنا التنموي، خلال السنوات الأخيرة، عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين، وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية ومن التفاوتات المجالية، وهو ما دفعنا للدعوة لمراجعته".

ثم قام الملك بتعيين أعضاء لجنة استشارية، نصب على رأسها وزير سابق في الداخلية، مهمتها السهر على إنجاز مشروع تنموي جديد ملائم لمتطلبات "المرحلة الجديدة".

وفي مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، شوهدت الجوقة نفسها التي كانت تدق الدفوف وتغني المواويل في السابق عن البرنامج التنموي، وهي تحمل هذه المرة الطبول والمزامير لتردد كالببغوات مضمون الحكم القيمة الذي أطلقه رئيس البلاد على التجربة التنموية المغربية برمتها. وبعد مصادقة الملك على مشروع "البرنامج التنموي الجديد"، سعت تلك الأحزاب إلى تبنيه جملة وتفصيلا، وضمنت خطوطه العريضة في شعارات حملتها الانتخابية.

كل هذا وغيره، أدى إلى تعميق ما يسمى بـ"العزوف السياسي"، وإلى فقدان ثقة المواطنين في الديمقراطية كوسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما جاء مؤخرا في خلاصة استطلاع الرأي العام والدراسة التي قامت بها الشبكة البحثية "الباروميتر العربي". وقد أشارت الدراسة إلى أن "نسبة كبيرة من المغاربة لم تستطع توفير حاجياتها من الطعام، وأن 36 في المئة ممن شملهم المسح أكدوا بأن طعامهم نفد ولم تكن لديهم الأموال الكافية لشرائه".

لذلك ينظر المغاربة، حسب الدراسة دائما، إلى الجانب الاقتصادي كأكبر تحد يواجهونه، متجاوزا تحدي وباء كورونا، ثم تحدي الفساد ثالثا، وأخيرا تحدي عدم الاستقرار. كما صنفت الدراسة المغرب في خانة الأنظمة الهجينة والاستبدادية. وضمنيا في قائمة البلدان التي ترزح تحت عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد ظل الاقتصاد المغربي يعاني من تباطؤ في النمو، وتردٍّ في الأوضاع الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، أمام غياب إرادة سياسية حقيقية تفي بمواجهة التضخم الديمغرافي، وتلبية مطالب الشباب القادمين الجدد إلى سوق العمل.، إضافة إلى تعاظم التهرب الضريبي، فالمملكة تحتل المرتبة الثانية كأكبر بلد في شمال إفريقيا يسهل التهرب الضريبي.

هذا دون إهمال الحديث عن تراجع مستوى التعليم وتدهور النظام الصحي، وغياب استقلالية القضاء، مع انتشار واضح للرشوة ونهب المال العام، وما يستتبع ذلك من مظاهر استشراء الفساد في أحلك تجلياته. فـ"المدرسة المغربية هي بؤرة عدم المساواة الاجتماعية والفوارق". كما جاء في تقرير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو مؤسسة دستورية رسمية.

كل هذا يقابله تأهب واستنفار عالِ لكتم الأفواه المتظلمة والانقضاض على المحتجين وإيداعهم السجون. كما حدث لنشطاء الحراك الشعبي في الريف بالشمال، وجرادة بالشرق، وزاكورة بالجنوب، وغيرها من الجهات المغربية التي شهدت انتفاضات شعبية، خاصة في 2017 و2018. حيث كان الرد على المطالب الاجتماعية والاحتجاجات السلمية، قرونا من السجن، وزعت بالتقسيط على شباب الحراك المعتقلين. هي اللغة ذاتها التي يخاطب بها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان ومغنو الراب والمدونون، ممن وجدوا أنفسهم ملاحقين أمام المحاكم، بسبب كتاباتهم وآرائهم ومواقفهم وتدويناتهم في الفيس بوك. محكوم عليهم بسنوات ثقيلة بالتوقيف داخل الزنازن.

ويجب التذكير هنا بالتطور الذي رافق في سنة 2018 الاحتجاجات السلمية ضد غلاء الأسعار، عندما نجحت بشكل هائل الدعوة إلى مقاطعة منتجات استهلاكية، تهم الحليب والمياه المعدنية والمحروقات. ومن الصدف أن قطاع المحروقات يستحوذ على احتكاره رجل الأعمال عزيز أخنوش، وليس آخرا غيره، وهو من يرأس الحكومة الحالية (!)، الذي ارتفعت أرباح شركاته وأعماله بشكل عمودي، في الوقت الذي تسوء فيه الأوضاع الاقتصادية وتزداد تفاقما، وتعاني فيه عموم الطبقات الشعبية من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتضاؤل قدرتها الشرائية. مما يثير مزيدا من الاستياء والسخط الشعبي.

واليوم، يتساءل المتسائلون عن مآل "البرنامج التنموي الجديد"، وعن المشاريع التنموية التي وعدت بها الحكومة، خاصة بعد اندلاع الحراك الشعبي في الحسيمة وباقي منطقة الريف. كما يجري التساؤل عن تنزيل دستور سنة 2011، الذي جاء به الملك كرد على حركة "20 فبراير" المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، رغم ما قيل فيه من انتقادات جوهرية. 

لكن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وهو في الوقت نفسه رئيس حزب الأصالة والمعاصرة (حزب القصر)، لم يتردد في التلويح بالقمع ضد كل من يتجرأ على فضح الفساد، وإسقاط حق الهيئات المدنية في ممارسة الرقابة على المال العام، وأن الحكومة "ستعمد إلى قانون جديد لمنع الجمعيات الناشطة في مجال حماية المال العام من رفع دعاوي قضائية تتعلق بالفساد ونهب المال العام، ضد المسيرين والمدبرين الجماعيين". بالرغم من كون دستور2011  يكفل ممارسة هذا الحق، إلا أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، شدد أمام البرلمان على أن "مراقبة المال العام، هي مسؤولية وزارة الداخلية، لأنها مصدر الأموال موضوع المتابعات". 

وبموازاة ذلك، تصرف ميزانيات كبرى بالملايير على لعبة كرة القدم، التي يقف على تسيير فدراليتها الوطنية الوزير المكلف بالميزانية، وهو أيضا من قادة حزب الأصالة والمعاصرة. وقد جرى تقديم تأهل منتخب الكرة إلى نهائيات كأس العالم بقطر، كإنجاز هام سيساهم في الاستقرار، ويرد على الاحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية المتفاقمة، وينسي الطبقات الفقيرة في فقرها المدقع الذي لم تعالجه الحملات الموسمية الرمضانية، التي غدت تثير الكثير من الاستهجان والسخرية، خاصة بعد أن أخذت بعض الشخصيات تقلد الملك في هذه المبادرة الخيرية، مثل "عائلة أبو زعيتر"، التي باتت اليوم تشغل جزءا من الرأي العام الوطني، ويكثر القيل والقال حول سيرة أفرادها، إلى درجة يبدو للبعض أن ما يسمعه عنها وكأنه مبالغ فيه. والحكاية تروي "تسلل" ثلاثة مصارعين رياضيين أشقاء (أبوبكر وعمر وعثمان أبو زعيتر) إلى القصر الملكي رفقة والدهم، الذي أصبح يؤذن أحيانا في مسجد القصر. وبعد أن تصدروا الأنشطة الرسمية وأبرزتهم الشاشات والمانشيتات، عادت الصحف والمواقع المحسوبة على الاستخبارات، في الفترة الأخيرة، لتنقلب وتهاجم عائلة أبو زعيتر، التي "أصبحت تحضر نفسها لتكون من الأسرة الملكية، وتكررت اعتداءاتها على القانون والمجال العام، والغنى غير المشروع". هكذا جرى التذكير بالجرائم الجنائية للإخوة زعيتر في ألمانيا التي ولدوا وترعرعوا بها. دون التساؤل عن طريقة دخولهم القصر، ولا من سهّل أمامهم هذا الاختراق السحري العجيب. ما يشي بكون الهجوم على العائلة المقربة جدا من الملك، يؤشر في الغالب لصراع محتمل، ولـ"تصرفات محبطة"، وخفايا تحدث الآن داخل "السرايا".

في انتظار أن ينهض المغرب ويتحمل المسؤولية باتجاه "الإقلاع الشامل، مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات". وفق ما جاء في نص خطاب ملكي سابق، هو نفس الخطاب الذي تم الحسم فيه مع النموذج التنموي القديم.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).