Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

العاهل المغربي يشارك في صلاة عيد الفطر في 2 مايو 2022.
العاهل المغربي يشارك في صلاة عيد الفطر في 2 مايو 2022.

عبد الرحيم التوراني

في متم الشهر الحالي (30 يوليو- تموز) سيحتفل ملك المغرب بالذكرى 23 لتوليه العرش. وهي مناسبة للحديث عن الإصلاحات والمنجزات التي تحققت خلال سنوات حكمه.

إلا أن هذا العام يصادف جدلا متناميا حول صحة الملك (59 سنة)، يتداول منذ فترة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص في قنوات يوتيوب يديرها أشخاص مغاربة يقيمون في الخارج، اشتهروا بعدائهم للنظام الملكي وبمعارضتهم غير المنظمة. وهم يزعمون حاليا أنه يجري "صراع محتدم داخل العائلة الملكية حول من سيرث عرش المملكة بعد غياب محمد السادس". الأمر الذي ساهم في نشر بعض البلبلة والانزعاج وسط الرأي العام المغربي. 

ولا ينتظر صدور توضيح رسمي بخصوص مثل هذه الإشاعات المنتشرة، لكن مواقع وصحف غير خفي تبعيتها للأجهزة الاستخباراتية، هي من تولت الرد على "المزاعم والإشاعات المغرضة"، وخرجت لتقول إن "الملك يتمتع بصحة جيدة"، حتى لو لم يظهر منذ فترة في المشهد العام، ولم يصور أي نشاط له في المدة الأخيرة. 

وكان بيان للديوان الملكي المغربي، صدر في منتصف يونيو - حزيران 2022، تحدث عن "إصابة الملك محمد السادس بفيروس كوفيد-19 بدون أعراض". وتضمن البيان الذي عممته وكالة الأنباء الرسمية، أن الطبيب الخاص للملك وصف "فترة راحة لجلالته لبضعة أيام".

وتجدر الإشارة إلى أنه سبق للعاهل المغربي أن خضع لعمليتين جراحيتين في القلب. الأولى بباريس، في شهر فبراير- شباط 2018، والثانية في مصحة القصر الملكي بالرباط، في شهر يونيو- حزيران 2020.

***

هناك تقريبا إجماع لعدد كبير من مراكز الدراسات والمؤسسات الدولية والمراقبين، أن الأعوام التي تولى فيها محمد السادس حكم المغرب، تميزت بـ"خيبة أمل" لدى من كانوا يتطلعون إلى إرساء دعائم إصلاح حقيقي وعميق من شأنه نقل البلاد إلى دولة ديمقراطية، يتمتع مواطنوها بالرخاء والعدالة والمساوة الاجتماعية، دولة تضمن المواطنة والكرامة الإنسانية لأوسع الطبقات والفئات الشعبية، لا سيما بعد الانفتاح السياسي الهام في السنوات الأخيرة لحكم الحسن الثاني. إلا أن عهد محمد السادس يمكن وصفه بسنوات "الفرص الضائعة". إذ أصبح "المغرب من أكثر البلدان ظلمًا اجتماعيًا في شمال إفريقيا، ولم يؤد وباء كورونا إلا إلى اتساع فجوة الثروة، مما زاد من مشاكل الظلم الضريبي، والتفاوت بين الجنسين في التعليم والصحة والعمل". حسب تقرير لمنظمة "أوكسفام". 

لم يحدث الانتقال الديمقراطي المنشود إذاً، بل بقي "معلقا من الأرجل"، اقتباسا من عنوان مجموعة قصصية للأديب المغربي أحمد صبري.

تجمع المصادر ذاتها، أن المغرب يعرف تراجعا واضحا في مجالات حيوية عدة، خلافا لما كان منتظرا، بتسجيل الدين العام تزايدا وصل إلى 80 من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضاع حقوق الإنسان تتدهور بشكل يومي. الأمر الذي يعود بالمغاربة إلى سنوات الرصاص التي سادت حكم الحسن الثاني. بلجوء السلطات إلى العنف لسحق المظاهرات السلمية، واعتقال المحتجين ضد الأزمة الاقتصادية الخانقة. وما من بدائل واقعية تجيب على عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو للرد على احتجاجات المغاربة ضد غلاء المعيشة وقمع الحريات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، سوى الإفراط في الاستخفاف بالاحتجاجات، بأسلوب القمع المنهجي، بالرغم من المخاطر المحدقة بمخططات السياسة الأمنية، التي يحذر الخبراء أنها لن توصل إلا إلى "الانهيار الاجتماعي". 

***

في 8 سبتمبر- أيلول 2021، أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة حكومة "منسجمة" بثلاث أحزاب، هي حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، والحزبان معا خرجا من جلباب القصر، مع حزب الاستقلال التاريخي الذي تأسس في عهد الحماية الفرنسية، إلا أنه صار كباقي أغلب الهيئات الحزبية وأكبر النقابات العمالية المتواطئة في البلاد، التي تتزاحم بقوة على التمسح بأهداب العرش وابتغاء مرضاته. ولم يعد مستغربا سماع هؤلاء القادة الحزبيين وهم يتحدثون عن برامج هيئاتهم السياسية، سواء كانوا في الحكومة أو في "المعارضة الموالية"، بالقول إن برنامج حزبهم هو البرنامج الملكي نفسه. وكأننا أمام حديث من أحاديث أبي هريرة، ذكر فيه أنه "إذا حضَرَ الإمام طُوِيَتْ الصحفُ".

لكن الملك محمد السادس، وبعد عشرين سنة من توليه العرش، سيعترف أخيرا بفشل البرنامج التنموي في المملكة. ومما قاله في خطاب العرش 30 يوليو- تموز 2019 : "لقد أبان نموذجنا التنموي، خلال السنوات الأخيرة، عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين، وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية ومن التفاوتات المجالية، وهو ما دفعنا للدعوة لمراجعته".

ثم قام الملك بتعيين أعضاء لجنة استشارية، نصب على رأسها وزير سابق في الداخلية، مهمتها السهر على إنجاز مشروع تنموي جديد ملائم لمتطلبات "المرحلة الجديدة".

وفي مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، شوهدت الجوقة نفسها التي كانت تدق الدفوف وتغني المواويل في السابق عن البرنامج التنموي، وهي تحمل هذه المرة الطبول والمزامير لتردد كالببغوات مضمون الحكم القيمة الذي أطلقه رئيس البلاد على التجربة التنموية المغربية برمتها. وبعد مصادقة الملك على مشروع "البرنامج التنموي الجديد"، سعت تلك الأحزاب إلى تبنيه جملة وتفصيلا، وضمنت خطوطه العريضة في شعارات حملتها الانتخابية.

كل هذا وغيره، أدى إلى تعميق ما يسمى بـ"العزوف السياسي"، وإلى فقدان ثقة المواطنين في الديمقراطية كوسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما جاء مؤخرا في خلاصة استطلاع الرأي العام والدراسة التي قامت بها الشبكة البحثية "الباروميتر العربي". وقد أشارت الدراسة إلى أن "نسبة كبيرة من المغاربة لم تستطع توفير حاجياتها من الطعام، وأن 36 في المئة ممن شملهم المسح أكدوا بأن طعامهم نفد ولم تكن لديهم الأموال الكافية لشرائه".

لذلك ينظر المغاربة، حسب الدراسة دائما، إلى الجانب الاقتصادي كأكبر تحد يواجهونه، متجاوزا تحدي وباء كورونا، ثم تحدي الفساد ثالثا، وأخيرا تحدي عدم الاستقرار. كما صنفت الدراسة المغرب في خانة الأنظمة الهجينة والاستبدادية. وضمنيا في قائمة البلدان التي ترزح تحت عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد ظل الاقتصاد المغربي يعاني من تباطؤ في النمو، وتردٍّ في الأوضاع الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، أمام غياب إرادة سياسية حقيقية تفي بمواجهة التضخم الديمغرافي، وتلبية مطالب الشباب القادمين الجدد إلى سوق العمل.، إضافة إلى تعاظم التهرب الضريبي، فالمملكة تحتل المرتبة الثانية كأكبر بلد في شمال إفريقيا يسهل التهرب الضريبي.

هذا دون إهمال الحديث عن تراجع مستوى التعليم وتدهور النظام الصحي، وغياب استقلالية القضاء، مع انتشار واضح للرشوة ونهب المال العام، وما يستتبع ذلك من مظاهر استشراء الفساد في أحلك تجلياته. فـ"المدرسة المغربية هي بؤرة عدم المساواة الاجتماعية والفوارق". كما جاء في تقرير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو مؤسسة دستورية رسمية.

كل هذا يقابله تأهب واستنفار عالِ لكتم الأفواه المتظلمة والانقضاض على المحتجين وإيداعهم السجون. كما حدث لنشطاء الحراك الشعبي في الريف بالشمال، وجرادة بالشرق، وزاكورة بالجنوب، وغيرها من الجهات المغربية التي شهدت انتفاضات شعبية، خاصة في 2017 و2018. حيث كان الرد على المطالب الاجتماعية والاحتجاجات السلمية، قرونا من السجن، وزعت بالتقسيط على شباب الحراك المعتقلين. هي اللغة ذاتها التي يخاطب بها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان ومغنو الراب والمدونون، ممن وجدوا أنفسهم ملاحقين أمام المحاكم، بسبب كتاباتهم وآرائهم ومواقفهم وتدويناتهم في الفيس بوك. محكوم عليهم بسنوات ثقيلة بالتوقيف داخل الزنازن.

ويجب التذكير هنا بالتطور الذي رافق في سنة 2018 الاحتجاجات السلمية ضد غلاء الأسعار، عندما نجحت بشكل هائل الدعوة إلى مقاطعة منتجات استهلاكية، تهم الحليب والمياه المعدنية والمحروقات. ومن الصدف أن قطاع المحروقات يستحوذ على احتكاره رجل الأعمال عزيز أخنوش، وليس آخرا غيره، وهو من يرأس الحكومة الحالية (!)، الذي ارتفعت أرباح شركاته وأعماله بشكل عمودي، في الوقت الذي تسوء فيه الأوضاع الاقتصادية وتزداد تفاقما، وتعاني فيه عموم الطبقات الشعبية من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتضاؤل قدرتها الشرائية. مما يثير مزيدا من الاستياء والسخط الشعبي.

واليوم، يتساءل المتسائلون عن مآل "البرنامج التنموي الجديد"، وعن المشاريع التنموية التي وعدت بها الحكومة، خاصة بعد اندلاع الحراك الشعبي في الحسيمة وباقي منطقة الريف. كما يجري التساؤل عن تنزيل دستور سنة 2011، الذي جاء به الملك كرد على حركة "20 فبراير" المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، رغم ما قيل فيه من انتقادات جوهرية. 

لكن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وهو في الوقت نفسه رئيس حزب الأصالة والمعاصرة (حزب القصر)، لم يتردد في التلويح بالقمع ضد كل من يتجرأ على فضح الفساد، وإسقاط حق الهيئات المدنية في ممارسة الرقابة على المال العام، وأن الحكومة "ستعمد إلى قانون جديد لمنع الجمعيات الناشطة في مجال حماية المال العام من رفع دعاوي قضائية تتعلق بالفساد ونهب المال العام، ضد المسيرين والمدبرين الجماعيين". بالرغم من كون دستور2011  يكفل ممارسة هذا الحق، إلا أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، شدد أمام البرلمان على أن "مراقبة المال العام، هي مسؤولية وزارة الداخلية، لأنها مصدر الأموال موضوع المتابعات". 

وبموازاة ذلك، تصرف ميزانيات كبرى بالملايير على لعبة كرة القدم، التي يقف على تسيير فدراليتها الوطنية الوزير المكلف بالميزانية، وهو أيضا من قادة حزب الأصالة والمعاصرة. وقد جرى تقديم تأهل منتخب الكرة إلى نهائيات كأس العالم بقطر، كإنجاز هام سيساهم في الاستقرار، ويرد على الاحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية المتفاقمة، وينسي الطبقات الفقيرة في فقرها المدقع الذي لم تعالجه الحملات الموسمية الرمضانية، التي غدت تثير الكثير من الاستهجان والسخرية، خاصة بعد أن أخذت بعض الشخصيات تقلد الملك في هذه المبادرة الخيرية، مثل "عائلة أبو زعيتر"، التي باتت اليوم تشغل جزءا من الرأي العام الوطني، ويكثر القيل والقال حول سيرة أفرادها، إلى درجة يبدو للبعض أن ما يسمعه عنها وكأنه مبالغ فيه. والحكاية تروي "تسلل" ثلاثة مصارعين رياضيين أشقاء (أبوبكر وعمر وعثمان أبو زعيتر) إلى القصر الملكي رفقة والدهم، الذي أصبح يؤذن أحيانا في مسجد القصر. وبعد أن تصدروا الأنشطة الرسمية وأبرزتهم الشاشات والمانشيتات، عادت الصحف والمواقع المحسوبة على الاستخبارات، في الفترة الأخيرة، لتنقلب وتهاجم عائلة أبو زعيتر، التي "أصبحت تحضر نفسها لتكون من الأسرة الملكية، وتكررت اعتداءاتها على القانون والمجال العام، والغنى غير المشروع". هكذا جرى التذكير بالجرائم الجنائية للإخوة زعيتر في ألمانيا التي ولدوا وترعرعوا بها. دون التساؤل عن طريقة دخولهم القصر، ولا من سهّل أمامهم هذا الاختراق السحري العجيب. ما يشي بكون الهجوم على العائلة المقربة جدا من الملك، يؤشر في الغالب لصراع محتمل، ولـ"تصرفات محبطة"، وخفايا تحدث الآن داخل "السرايا".

في انتظار أن ينهض المغرب ويتحمل المسؤولية باتجاه "الإقلاع الشامل، مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات". وفق ما جاء في نص خطاب ملكي سابق، هو نفس الخطاب الذي تم الحسم فيه مع النموذج التنموي القديم.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).