Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

التطرف (صورة تعبيرية)
التطرف (صورة تعبيرية)

سناء العاجي

"وأنت تتحدث عن تطرف بعض الإسلاميين، لا تنس الحديث عن تطرف العلمانيين والملحدين أيضا". هذه العبارة، وإن كانت في ظاهرها متوازنة تسعى لتحقيق العدل في مقاربة مختلف أشكال التطرف، إلا أنها، في الحقيقة، تحمل بين طياتها مغالطة كبيرة (وربما أيضا بعض سوء النية)، حيث تساوي بين تطرف الإسلامي وتطرف العلماني أو الملحد؛ وهما شكلان من التطرف لا وجه للمقارنة بينهما؛ وإن كان التطرف، على العموم، أمرا غير مرغوب فيه. 

بداية، نحتاج ربما أن نؤكد، مرة أخرى، الفرق بين العلماني والملحد؛ حيث يخلط الكثيرون بين الاثنين ويتحدثون عن العلمانيين بوصفهم ملحدين أو أعداءً للدين؛ بينما العلماني قد يكون شخصا متدينا مؤمنا، لكنه مقتنع بضرورة الفصل بين الدين كقناعة وممارسة شخصية، وبين القوانين والسياسيات والحياة العامة. كما أن الملحد ليس عدوا للدين بقدر ما هو شخص يأخذ مسافة من التصورات والقناعات الدينية التي لا يؤمن بها. 

بعد هذا التوضيح الأساسي، لنعد الآن لحكاية التطرف الإسلامي والتطرف العلماني أو الملحد، ووضعهما، من طرف البعض، على نفس الكفة. الحقيقة أن الفرق بين الاثنين هو كالفرق بين انتقاد فاعل معين أو.. قتله!

التطرف الإسلامي هو، في معظم تجلياته، تطرف عنيف. إن لم يؤدِّ للقتل والإرهاب، فهو يتسبب في الإقصاء وممارسة الاضطهاد على من يختلف عن تصوراته: فرض دفع الجزية على غير المسلمين، السبي، إجبارية الصيام على كل من عرف بانتمائه للإسلام حتى لو كان غير راغب في ذلك (كيف يعرف الشخص بانتمائه للإسلام؟ هل يكفي كونه وُلد لأبوين مسلمين لكي يكون كذلك؟)، فرض الصلاة في بعض المجتمعات، فرض الحجاب أو إساءة معاملة النساء غير المحجبات، فرض بعض القوانين التي تستلهم تفاصيلها من الشريعة، بغض النظر عن قناعات المواطنين في البلدان التي تتبنى تلك القوانين؛ وغير ذلك من الممارسات التي تنتهك اختيارات الأفراد الراشدين و/أو تمارس العنف الجسدي أو النفسي ضدهم. 

بالمقابل، فالمتطرف العلماني أو المتطرف الملحد، وهو تطرف مرفوض على أية حال، قد يمارس النقد الحاد أو السخرية اللاذعة، لكنه لا يفرض على غير الملحد أو غير العلماني أن يفطر في رمضان مثلا، أو أن يتوقف عن الصلاة أو الإيمان. لا يفرض ضريبة على المسلمين، لا يفرض شرب المواد الكحولية على غير الراغبين فيها، لا يقتل غير الملحدين وغير العلمانيين..

لذلك، فالمساواة بين تطرف يقتل ويمارس الاضطهاد في حق المختلفين، وبين تطرف يمارس النقد الحاد والسخرية اللاذعة أو القاسية، هي مغالطة عظيمة لا موقع لها من المنطق. 

تجليات هذه المقارنات قد نتابعها في الكثير من النقاشات. على سبيل المثال، دار مؤخرا نقاش حول الهوس بالجنس في بعض المؤلفات الإسلامية التي تتطرق للحور العين ووصف أجسادهن ومفاتنهن وأثدائهن، وكيف أن هناك هوسا حقيقيا، لدى عدد من المتبنين للطروحات الإسلامية، بأجساد النساء (حيث يبرر البعض، مثلا، تعدد الزوجات، بكون الرجال لديهم رغبات جنسية أقوى مما لدى النساء، رغم أن هذا الأمر غير صحيح)، وبالحور العين وتفاصيلهن الجسدية. 

خلال النقاش، قال البعض إن العلمانيين والإسلاميين يتساوون في هوسهم بأجساد النساء. الحقيقة أن تصريحا كهذا لا يخلو من بعض سوء النية. ببساطة لأن العلماني، حين يكون مهووسا بجسد المرأة، فهو مهووس به كشخص مريض لا يتحكم في غرائزه. لكن، بالمقابل، فليس هناك تنظير "علماني" للهوس الجنسي. ليست هناك مؤلفات وكتب وبرامج تلفزية تشرعن للعلماني هوسه الجنسي وتبرره وتَعِدُه بأجساد جميلة وبِكْر وبأعداد لا متناهية من النساء في حياة أخرى أو في حياته هذه. على النقيض، هناك تنظير إسلامي كثيف للهوس الجنسي لدى الرجال حصريا: كتب بالعشرات عن الجنس في الجنة وعن الحور العين، فتاوى عن الجنس ومضاجعة مِلك اليمين، تفسيرات الفقهاء الجنسية لعدد من الآيات و/أو الأحاديث، شرعنة فقهية للاغتصاب الزوجي باعتبار الجنس حقا تاما للزوج على زوجته، برامج تلفزية و"نقاشات" عن الجنس وتعدد الزوجات، إلخ.

لذلك، فمن الموضوعية ومن الأخلاقيات أن ننتقد التطرف عموما، لأنه ليس شكلا سويا في التعبير عن الاختلاف. لكنه من غير الموضوعي بتاتا ولا من الأخلاقي أن نساوي بين من يقتل ويقصي ويضطهد باسم قناعة دينية ووحي إلهي... وبين من يسخر وينتقد، وإن فعل بشكل قاسي! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس
لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس

عبد الرحيم التوراني

في إطار "خارطة الطريق" المنبثقة عن لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس، من المرتقب أن ينعقد بالرباط  في الأول والثاني من شهر فبراير 2023، اجتماع رفيع المستوى بين إسبانيا والمغرب. سيمثل حدثا بالغ الأهمية، وعنوانا صريحا على تعزيز الارتباط بين البلدين الجارين.

هي قمة ثنائية ظلت منتظرة منذ سبعة أعوام، بعد إلغاء اجتماعين كانا مجدولين  في عامي 2020 و2021، بعِلّة "عدم استيفاء الشروط الصحية" لعقدها، حسب الرباط.  مرة بسبب انتشار جائحة كورونا، وثانية بعد أزمة استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في مدريد، وهي الأزمة التي أوصلت الجارين المتوسطيين إلى حدود القطيعة، خصوصا بعد تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين- أغلبهم من الأطفال والمراهقين- إلى سبتة المحتلة. ما وصفته مدريد حينها بـ "الابتزاز والعدوان" من جانب الرباط، التي استدعت سفيرتها لدى إسبانيا، ولم تعد إلى مدريد إلا بعد تغيير إسبانيا  لموقفها التقليدي بشأن قضية الصحراء، وإعلانها لموقف واضح عبرت عنه رسالة بعث بها رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس. وتضمنت الرسالة دعم إسبانيا لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب في الصحراء، معتبرة أن الخطة المغربية تشكل "الأساس الأكثر صلابة ومصداقية وواقعية" لحل النزاع الصحراوي. ما يفيد الاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية، وما يفسح المجال أساسا لـ"بدء مرحلة جديدة تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والتشاور الدائم والتعاون الصريح والمخلص".

وقد كرر سانشيز التأكيد على هذا المضمون قبيل أسابيع، بكون حكومته اتخذت القرار الصحيح بشأن تأييد مبادرة التفاوض على قانون للحكم الذاتي لإنهاء الخلاف حول الصحراء المغربية. وبأن إسبانيا لن تتأثر بأي ردود فعل من الممكن أن تلوح في الأفق، وأنها ستبقى مستقيمة في مكانها.

ولا شك أن هذا التغيير يمثل رغبة صريحة لإسبانيا في التغلب على الأزمة الدبلوماسية مع الرباط، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات الاسبانية المغربية، تتجه صوب "التحرك نحو تعاون أكثر ازدهارًا" مع المنطقة بأكملها، من خلال الإعلان عن "تنظيم قمة مع الجوار الجنوبي على المستوى الأوروبي، لتنفيذ وتطوير هذه الأجندة الإيجابية التي يجب أن تكون لدينا مع جيراننا في الجنوب".

وسبق لسانشيز أن ذكر بأن الطرفين اتفقا على "خارطة طريق واضحة تسمح بإدارة الأمور محل الاهتمام بطريقة منسقة، بروح طبيعية وحسن جوار، دون مجال لأفعال أحادية الجانب".

يبدو أن المسؤولين الإسبان أدركوا أن مشكلة الصحراء التي طال أمد استمرارها، تشكل عائقا حقيقيا يحول دون النهوض بتطوير علاقات إسبانيا مع جيرانها في المنطقة المغاربية، ويساهم في زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن في منطقة شمال إفريقيا. في ظل تمسك الأطراف الأساسية للنزاع بمواقفها الأصلية واعتمادها لمفردات تنهل من قاموس مشيطن متبادل، بعيدًا عن إيجاد حل سياسي مقبول على النحو الذي دعت إليه الأمم المتحدة.

كما أدرك الإسبان أن النزاع المطروح منذ حوالي نصف قرن في الصحراء الغربية، هو بالنسبة لمدريد ليس مجرد صراع إقليمي عقيم، بل إنه إشكالية مستعصية لا تفتأ عن تعقيد العمل بالشأن الخارجي الإسباني، في واحدة من أكثر نقاطها حساسية، وهي حدودها الجنوبية. وبالتالي فهو صراع له تأثيراته المباشرة على السياسة المحلية والخارجية الإسبانية، خصوصا أن مدريد لها روابط  ومسؤولية تاريخية جمعتها بالإقليم، لاستعمارها الصحراء الغربية لعقود طويلة، قبل الجلاء عنها (بعد اتفاقية مدريد 1975). ناهيك عن التضامن الذي تحظى به جبهة البوليساريو لدى أحزاب ومنظمات اليسار وقطاعات واسعة من الرأي العام الإسباني. لذلك لا يجانب أحد الصواب إذا تناول قضية الصحراء الغربية باعتبارها  مشكلة داخلية كبرى في السياسة الإسبانية تثقل كاهل العلاقات الاستراتيجية بين إسبانيا والمغرب. خصوصا بعدما بدأت قضية الصحراء تكتسب أبعادا أمنية جديدة من شانها التورط أو الانغماس في مناخ انعدام الأمن الذي يهدد منطقة الساحل، هكذا أخذت مدريد تشعر بالقلق بشكل مباشر من عدم الاستقرار في المنطقة الصحراوية، وبضرورة إيقاف مصادر التوتر وانعدام الأمن في المستقبل، كمهمة أساسية في سياستها الخارجية، تستوجب التعامل الجدي لحل مشكلة الصحراء كعامل أساسي بالنسبة لمدريد.

من هذه المحبرة مداد الرسالة التي أرسلها سانشيز إلى البلاط المغربي، والتي كشف عن مضمونها للرأي العام في شهر أبريل 2022، وتوجت بلقاء رئيس الحكومة سانشيز بالعاهل المغربي، مما سمح بتطبيع إسباني مغربي مشمول بخارطة طريق ستدشن في مستهل فبراير المقبل أولى معالمها بالاجتماع الرفيع المستوى بين الجارين المغربي والإسباني.

لكل ذلك يرى المراقبون أن إعادة العلاقات الإسبانية المغربية تتجاوز مجرد أن تكون تكتيكية في نطاقها، بل إنها تنطوي ولا ريب على تغييرات استراتيجية، بالرغم من احتواء جدول أعمالها على بعض القضايا المعقدة، مثل قضية الجمارك التجاري بمعبري سبتة ومليلية، وقضية التأشيرة لدخول المدينتين، إضافة إلى قضية ترسيم الحدود البحرية، التي عهدت إلى لجنة مغربية إسبانية مشتركة مهمتها الخروج بخلاصات تُرضي البلدين. وفي المقدمةهناك الوضع المعقد المرتبط بقضية المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، والحدود البحرية لجزر الكناري مع المغرب.

لكن التفاؤل بين الطرفين سيظل مطروحا، بتجميد القضايا المعقدة، والعمل على التقاط أهمية وأبعاد التطبيع التاريخي بين الجارين في ظل مناخ غير مسبوق من الثقة بين الجانبين، والعمل على تحويل"الاجتماع الرفيع المستوى" إلى مناسبة قوية لتعميق وتعزيز العلاقات الثنائية، في المجالات السياسية والاقتصادية والتعاونية. 

وستكون على جدول الاجتماع عدة قضايا ومواضيع، منها قضايا الهجرة والدفاع والأمن، والتهريب الدولي للمخدرات، والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما سيمثل الاجتماع مناسبة سانحة للتحقق من مدى التقدم الجيد للعلاقات الدبلوماسية، ما سيعبر عنه عدد الاتفاقيات المنتظر توقيعها، والتي يفوق مجموعها المائة اتفاقية.

لكن مسألة النزاع بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء، هي ولا شك قضية أكثر من شائكة، بل تبدو راهنا صعبة المنال، تحول دون تحقيق التكامل الإقليمي للبلدان المغاربية. فهل تمكن المراهنة على تحولات السياسة الإسبانية الجديدة في ملف الصحراء، من أجل توفير المناخ اللازم لوضع أسس إنهاء لمشكلة الصحراء يمكن بلورته على طريق الحل.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).