Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"جودة التعليم هي أساس التنمية. والتنمية لا يمكن فصلها عن قضية الديمقراطية". الصورة إرشيفية.
"جودة التعليم هي أساس التنمية. والتنمية لا يمكن فصلها عن قضية الديمقراطية". الصورة إرشيفية.

عبد الرحيم التوراني

من أهم الإصدارات القيمة والنوعية التي أغنت المكتبة العربية في الآونة الأخيرة، الترجمة العربية لمؤلف جماعي يعالج إشكالية التربية والتعليم في العالم العربي، أشرف على تنسيق تأليفه كل من الأستاذ الباحث هشام العلوي والدكتور روبرت سبرينغبورغ، وحمل عنوان: "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي". 

روبرت سبرنغبورغ ( 77سنة)، خبير أميركي في شؤون مصر والشرق الأوسط، سبق له أن عمل مستشارا في وزارة الخارجية الأميركية، مختص في دراسة الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وله في هذا الشأن مؤلفات. 

أما هشام العلوي (58 سنة)، فباحث مشارك في مركز ويذرهيد للشؤون الدولية بجامعة هارفارد. ومثل أغلب الأكاديميين المغاربة يتعمد عدم الإشارة إلى درجته العلمية، حيث تسبق اسمه عادة كلمة التشريف: (مولاي)، لانتسابه للعائلة الملكية، فهو ابن عم ملك المغرب محمد السادس.  

في سنة 2014 أصدر مولاي هشام كتابه المثير للجدل "الأمير المنبوذ" باللغة الفرنسية، يحكي فيه عن والده الأمير مولاي عبد الله، ووالدته الأميرة لمياء ابنة رياض الصلح، أول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال، وعلاقاته مع عمه الملك الحسن الثاني، وابن عمه محمد السادس.  

وتضمن الكتاب انتقادات شديدة إلى "المخزن" (السلطة الحاكمة)، وإلى الأحزاب المغربية، التي لم يتردد في وسمها بالانخراط في اللعبة السياسية للسلطة.  

وفي 2015 نشرت الترجمة العربية للكتاب بعنوان مختلف: "سيرة أمير مُبعد"، وقام بتدقيق ترجمته صاحب "دار الجديد" البيروتية، المثقف والناشط اللبناني لقمان سليم، الذي اغتيل على يد حزب الله في فبراير 2021. 

بعدها بعامين، قرر الأمير مولاي هشام "التحرر من لقبه الأميري"، دون أن ينأى عن الاهتمام بالشأن السياسي. فتخلى رسميا عن لقبه البرُتوكولي: (صاحب السمو الأمير مولاي هشام)، رافضا تصنيفه "ضمن ورثة العرش في المركز الرابع"، مفضلا  أن يكون مواطنا عاديا باسم "هشام العلوي".  

في حوار سابق مع مركز الدراسات بقسم الشرق الأوسط لجامعة هارفارد الأميركية، أكد هشام العلوي أنه "لم تعد تربطه أي صلة بالمؤسسة الملكية بالمغرب". وحدد وضعه كمواطن مغربي - أميركي: "أنا حاليا واحد من خمسة ملايين وستمائة ألف مغربي من الجالية المقيمة بالخارج، والوطن الذي تبناني هو الولايات المتحدة الأميركية، وأنا هذه السنة في جامعة هارفارد الأميركية أعيش تجربة غنية ومتنوعة".  

 هكذا تفرغ "الأمير السابق" بحرية وأكثر استقلالية لأنشطته الخاصة، في مقدمتها مجال الدراسات والأبحاث والكتابة الفكرية، حيث دأب منذ أزيد من ربع قرن على نشر مقالاته وتحليلاته السياسية في شهرية "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية. كما يشرف اليوم على تسيير (مؤسسة هشام العلوي)، التي تهدف إلى "تشجيع البحث في العلوم الاجتماعية حول بلاد المغرب الكبير والشرق الأوسط. والقيام بدراسة المجتمعات والأنظمة السياسية".  

بهذا صار هشام العلوي من الشخصيات المغربية والعربية التي تحظى باحترام وصيت دولي. عرف بمطالبته بالإصلاح الديمقراطي في المغرب، وبدعوته إلى تحويل النظام الملكي المطلق إلى نظام ملكي دستوري، "حتى تتمكن المملكة من الدوام"، مؤكدا أن أفق النظام المغربي "منسد"، وأن التوترات الاجتماعية من المحتمل أن تفضي إلى "انتفاضات عنيفة". إضافة إلى علاقاته مع شخصيات مغربية معارضة، بل إن بعض أصدقائه من المصطفين بالتيارات الراديكالية، ومنهم من صرح بتفضيله للنظام الجمهوري، مثل محاميه الخاص الراحل عبد الرحيم برادة. 

إلا أن المغاربة والصحافة، (كما تعمدنا في عنوان هذا المقال)، ما زالت تلصق به لقبه الأميري، وتكرر هذا عند نشره مؤخرا تعزيته الخاصة لعائلة الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة التي اغتالها الإسرائيليون في ماي الماضي. 

***

بالعودة إلى مضامين الكتاب الهام الذي نشر في السنة الماضية باللغة الانكليزية، وصدرت ترجمته إلى اللغة العربية هذا العام (2022)، عن دار الإحياء للنشر والتوزيع، تحت عنوان: "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي"، فيتناول موضوع التعليم في عدد من الدول العربية. وتؤكد مقدمته أنه على الرغم إنفاق الحكومات العربية، وكذلك الجهات المانحة الدولية ميزانيات ضخمة على النظم التعليمية في المنطقة، تبقى النتائج التي حققها الطلبة العرب دون المرجوة.  

عند ظهورها، نالت النسخة الأصلية من الكتاب، الكثير من الاهتمام والترحيب النقدي من نخبة الباحثين والمهتمين. وحصل الاتفاق بين مختلف القراءات الخاصة على أن الكتاب يقدم تحليلا متنوعا للديناميكيات والمشكلات التعليمية في العالم العربي، "الذي تم بحثه جيدًا وفي الوقت المناسب، يغطي الكثير من المجالات الجديدة". كتب بيتي دبليو مور، من جامعة كيس ويسترن ريزيرف. وأصبح "لا يمكن لأي عمل مستقبلي في مجال التعليم في المنطقة العربية أن يتجنب إشراك الرؤى والتحليلات الواردة في هذا المجلد"، كما كتبت الـ"ميديل إيست جورنال". وبات الأمل "أن يلتقط هذا الكتاب بعض التكنوقراط والمشرعين العرب الحاليين (والمستقبليين)". ليقفوا على "مناقشة في الوقت المناسب، حول إلحاح القضية المطروحة بشأن كيفية إعادة هيكلة الأنظمة التعليمية العربية بعيدًا عن سياق المحسوبية السياسية"، للارتقاء "إلى بيئة حيث مستويات عالية من التحصيل التعليمي من قبل الطلاب في الواقع يكافؤون ويتحققون بما يتناسب مع النجاح والمكانة في مجتمعاتهم".  

عكف مؤلفو "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي" بجدية واضحة في البحث عن سبل علمية للوصول إلى أجوبة مقنعة، ووجدوها في الاقتصاد السياسي لهاته الأنظمة الاستبدادية بالمنطقة العربية. من خلال تقديم دراسات همّت شمال إفريقيا ومنطقة الخليج، مع تقديم وجهات نظر مقارنة من آسيا وأميركا اللاتينية. وعملوا على توضيح أن الجهود المبذولة لتحسين التعليم وتعزيز التنمية الاقتصادية وتوسيع قاعدة المواطنة، التي تعتمد عليها بعض تلك الأنظمة المتصفة بـ"استقرار أكثر وبفعالية يمكن بناؤها"، أنها ستفشل ما دامت النخب الحاكمة غير قادرة على زيادة قوتها السياسية والاقتصادية على حساب الصالح العام. 

وعن النظم التعليمية العربية، يؤكد هشام العلوي أنها "ستظل غير منتجة إلا في حالة تراجع تحكم النخب الحاكمة وفقدان هيمنتها السياسية والاقتصادية لصالح المصلحة العامة. لقد طال انتظار الإصلاحات الهيكلية لتعزيز التفكير النقدي والابتكار الفكري، لكنها ستفشل حتما ما لم تتوقف الحكومات عن توظيف التعليم لمقتضياتها على حساب الاحتياجات الأخلاقية والمعنوية والمادية لشبابها". 

*** 

وأنت تطالع خلاصات أبحاث الكتاب، ربما سيتبادر إلى ذهنك كما لو أن بين يديك بيانا سياسيا طويلا، أو مقررا ناريا لهيأة راديكالية معارضة. وهذا لا يعني مطلقا التنقيص من منهجية واستنتاجات الجهد العلمي الجاد الذي اضطلع به فريق الباحثين المرموقين، لكن الدراسات التي احتواها الكتاب بإمكانها أن تهز الأرض من تحت النائمين فوق ترابها، وتسلط الأضواء حول عتمة واقع تشتد حلكته كلما تعاقبت السنوات والعقود. خصوصا وأنه ينطلق من إجابة جازمة وواضحة، وهي أنه قد "تم تصميم النظم التعليمية الحالية للسيطرة على المجتمع تنظيميا، وليس أساسا لتكوين وتعبئة شبابه وصغاره". 

لا شك أن من كان وراء فكرة بحث العلاقة بين تخلف البلاد العربية وتأخرها في مجالات التنمية، أدرك بأن لا مدخل في الأفق لأي تنمية حقيقية ومستدامة إلا عبر إصلاح التعليم وتجويد مستواه، وأن الصلة وطيدة بين النظام السياسي والتعليم، وبين ما يقدم للأجيال الناشئة من تلاميذ والطلاب لتمكينهم من سبل المعرفة والعلم والتطور والتقدم. فلم يعد خفيا أن معيار التنمية البشرية العالمي مرتبط بمعياري التعليم والديمقراطية، لذلك نجد في الصدارة الدول المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا، في حين تتذيل المراتب بقية الدول والمناطق، وبينها طبعا البلدان العربية. 

إلى حد كبير، يمكننا القول إن الخلاصات المتعلقة بالتعليم في المغرب والتي جاءت في الكتاب، تلتقي مع توصيف الحالة التي سبق نشرها على امتداد سنوات الاستقلال، كأبحاث ودراسات  ومقالات، أو كبيانات ومقررات سياسية حول التعليم في المغرب، لعل أهمها ما تراكم من أدبيات المعارضة الديمقراطية والتقدمية، وبالأخص أدبيات حزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وباقي تيارات اليسار المغربي التي انبثقت عن هذين الحزبين.  

ولن ننسى كتاب "أضواء على مشكل التعليم بالمغرب" للمفكر محمد عابد الجابري، الذي وصف قضية التعليم بالمغرب بـ"المشكل المزمن"، الذي يحتل الصدارة وبلا منازع ضمن مجموعة المشاكل الأخرى التي لم تعرف بعد طريقها نحو المعالجة الجدية والحل الصحيح".  

فكيف يا ترى سيكون جواب من لا يزالون يتكلمون اليوم عن الإصلاح المزعوم للتعليم، من لا يخجلون وهم يتفاخرون بألسنة الخشب في الإعلام، بارتفاع جودة التعليم في المغرب، إذا علمنا أن كتاب الجابري، وكان من أبرز قادة المعارضة التقدمية ورموزها الفكرية، هو مقالات متسلسلة ظهرت في الستينيات بمجلة "أقلام"، وأعيد جمعها سنة 1973 بين دفتي كتاب. لكن الواقع مستمر على حاله. 

منذ الاستقلال إلى اليوم، تولى مسؤولية وزارة التعليم في المغرب 33 وزيرا، أولهم محمد الفاسي (حكومة مبارك البكاي)، وآخرهم شكيب بنموسى ضمن الحكومة الحالية.  

لكن مسار الإصلاح المتاح في المغرب، كما في ظل باقي أنظمة الحكم العربية، يبقى هو "الإصلاح من الأعلى إلى الأسفل، أي أن الحكومة تقرر أن عليها أن تأخذ إصلاح التعليم على محمل الجد وتعمل عل تنزيل ذلك". إلا أن ما حدث في هذا السياق، كان هو الفشل الملاحق بفشل يؤكده. 

فعبر ولايات هؤلاء الوزراء، طرح خمسة عشر مشروع لإصلاح التعليم، بمعدل "إصلاح" لكل أربع سنوات، لم يحالف التوفيق والنجاح أي منها. وها نحن اليوم أمام مشروع جديد يشرف على تنفيذه رئيس "اللجنة الملكية الاستشارية للنموذج التنموي الجديد"، وزير التعليم الحالي شكيب بنموسى: "الرؤية الاستراتيجية (2015-2030 )"، الذي كما يتضح من قوس السنوات التي يحددها، هو امتداد أو استكمال للمشروع السابق، الذي كان حظه الفشل الذريع، ونعني به "البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم". 

وللإشارة فإن شكيب بنموسى ليس هو الوزير الوحيد الذي شغل من قبل منصب وزير للداخلية، فقد جرى في السابق تعيين وزراء للتعليم قدموا من وزارة الداخلية، مثل أحمد رضا اغديرة ومحمد بنهيمة وحدو الشيكر ومحمد حصاد. ما يفشي الرؤية الأمنية للقائمين على شؤون البلاد في معالجتهم لقضايا التعليم، حيث لم ييحدث التخلص من النظرة الأرنيابية إلى القطاع كعبء يرهق ميزانية الدولة، وكخطر داهم، خصوصا إذا استرجعنا الانتفاضات الاحتجاجية التي شهدها المغرب، والتي أججتها الشبيبة المدرسية والطلابية، المسلحة بروح التحرر والتمرد، منذ انتفاضة 23 مارس 1965 الدامية. 

كما أن إرادة الحاكمين في إصلاح للتعليم، "لا تتعدى حماية ذاتها من التمردات، وتحصر مجالات الإصلاح ضمن حدود خدمة المنظومة السياسية والاقتصادية المهيمنة". وكما خلص المفكر عبد الله العروي، صاحب "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، إلى أن غياب إرادة حقيقية لإصلاح التعليم هو ما أدى إلى الوضع المأساوي الذي تعيشه المؤسسة التعليمية المغربية، وذلك بعدما فشلت كل المخططات والمشاريع الإصلاحية، ما أدى إلى تراجع جودة التعليم. وهو ما تؤكده نتائج تقارير دولية، حيث يحتل المغرب مرتبة متأخرة جدا.  

لذلك، هناك استياء واسع النطاق من تدني جودة التعليم ومن تكلفته المرتفعة في القطاع الخاص، وأن ما يحدث الآن هو "تصفية سياسية للتعليم العمومي"، ضمن "مخطط تراجعي تخريبي يستهدف تفكيك ما تبقى من الخدمة العمومية"، ويؤشر إلى "مرحلة جديدة في الإجهاز الرسمي على مجانية التعليم وتكريس التعاقد في التوظيف، والانتصار لخيار المزيد من بيع وتسليع التعليم العمومي (الحكومي) وخوصصته من الأولي (الابتدائي) إلى العالي"، وفق الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي. 

إن جودة التعليم هي أساس التنمية. والتنمية لا يمكن فصلها عن قضية الديمقراطية، وبالنتيجة فإن دمقرطة المجتمع تمر عبر جسور المعرفة والتعليم، وما دام التعليم في البلدان العربية غارقا في الرشوة والسلطوية والمحسوبية، فلا يصح الكلام عن أي تنمية. فلا تنمية من دون ديمقراطية. لذلك وضع كتاب"الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي" الأصبع على مكمن الداء والجراح، بربط الديمقراطية بالتعليم، وبأن غياب الديمقراطية هو سبب التخلف عن مواكبة العصر والتحديث، و"أن المنظومة التعليمية المتبعة، تقلل بالضرورة من احتمالات التحول الديمقراطي".  

فما العمل؟ 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).