Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحرب الأوكرانية مستمرة
الحرب الأوكرانية مستمرة

حسن منيمنة

لا يمكن الفصل بعواقب الحرب المشتعلة في أوكرانيا. قد تكون وخيمة نتيجة لحسابات سيئة يقدم عليها الروس في اعتدائهم وحاجتهم إلى تحقيق النصر أو ما يشبهه، أو أقلّه حفظ ماء الوجه، أو الأوكرانيون في صمودهم ومقاومتهم وإصرارهم على استرجاع ما ليس بوسعهم استرجاعه، أو الولايات المتحدة وحلفاؤها في مسعى دعم أوكرانيا وتمكينها من الصمود، في إطار قانون الحرب الدولي وتوافقا مع مصلحة الغرب في ردع روسيا وإقناعها بعدم جدوى المغامرات التوسعية.

احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين حلف شمالي الأطلسي وروسيا ليست معدومة، وفرضية أن هذه المواجهة قد تنضوي على استعمال السلاح النووي بدورها ليست صفرا. وهذا من شأنه أن يجعل هذه الحرب شأناً خطيرا يطيح بكافة اعتبارات الربح والخسارة التي تشغل بال الأفرقاء المشاركين والمتورطين.

من المستبعد جدا أن تخرج روسيا رابحة من هذه الحرب. طبعا هذا يتناقض مع تأكيدات المسؤولين الروس، الرئيس ووزير خارجيته ووزير دفاعه، وجحافل المعلّقين الموالين لهم، بمن فيهم الناطقين بالعربية، حبا في علي أو كرها في معاوية. ذلك أن أداء روسيا على مدى الأشهر المستطيلة من هذه الحرب، والتي كانت التوقعات تشير إلى أنها سوف تنتهي بسقوط العاصمة الأوكرانية خلال بضعة أيام، لا ينبئ بأن موسكو ممسكة بكفاءة بزمام الأمر الوحيد المتبقي لها من ماضيها كقوّة عظمى، أي الجبروت العسكري.

والقراءة من واشنطن في الأوساط المعنية بمتابعة الشأن الروسي هي أنه بعد أن كادت روسيا، تحت مسمّى الاتحاد السوڤييتي، أن تستجمع الإمكانيات والموارد لتقف ندّا للولايات المتحدة في النفوذ والتأثير والقوة، هي اليوم دولة متهالكة متآكلة، تتراجع مرتبتها في تعداد القوى الاقتصادية الأولى في العالم عاما بعد عام، إذ هي اليوم بمصاف إسبانيا، وينتظر أن تشهد المزيد من التقهقر في المدى القريب، بل يتراجع تعداد سكانها، رغم تواصل وفود الناطقين بالروسية من الجمهوريات السوڤييتية السابقة، وتنخفض فيها حيوية المكوّن القومي اللغوي الثقافي الأول، أي السكان الروس المسيحيون الأرثوذكس، وتنبئ الحيوية في صفوف القوميات التي يغلب عليها الإسلام تحديداً، مع غلبة "الوعي" القومي الفئوي، بتوترات قادمة.

لا شك أن قيادة فلاديمير بوتين لروسيا على مدى عقدين من الزمن قد أعادت لروسيا أقداراً من الهيبة والإقدام، لاسيما وأن تولي بوتين موقع المسؤولية الأولى في روسيا قد تزامن مع رئاسات ملتبسة مضطربة في الولايات المتحدة، من جورج دبليو بوش في مستنقعيه العراقي والأفغاني، مرورا بكل من باراك أوباما ودونالد ترامب المتشابهين بافتقادهما للخبرة والعلم في العلاقات الدولية، والمطمئنين كل على طريقته إلى نبوغه وتفوقه، وصولا إلى جو بايدن، ذي الاطلاع المشوب بالتردد والارتباك.

بوتين امتطى المأساة السورية، معوما النظام القاتل في دمشق، مرتقيا ببلاده إلى مصاف الدولة العظمى في هذا الملف، واضعاً كل من الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل في موقع من عليه الرجوع إلى موسكو فيه، طوعاً أو قسرا. بوتين نجح كذلك في تنشيط قطاعي الزراعة واستخراج النفط والغاز، واستفاد من اطمئنان (تبين فيما بعد افتقاده لما يبرّره) لدى الدول الأوروبية لإقامة سلسلة من الشراكات التوريطية، والتي أوهمته بأنه ممسك بمصالحها وقادر على ضمان "ولائها" أو خضوعها.

ولكن هذه الإنجازات لم تكن أول الغيث. بل إن روسيا، عشية اجتياحها لأوكرانيا، كانت عند حدها الأقصى. قوتها عائدة إلى محافظتها على قطاع انتاج عسكري متطور (رغم أن بعض المتابعين في الولايات المتحدة يعتبرون بأن الترويج الدعائي لهذا القطاع يتفوق على دقته وقدرته)، في حين أن المعطيات الموضوعية تشير إلى أن أعباء المحافظة على هذا التقدم العسكري تتعاظم، بالمطلق وبالنسبية. ثمة من يرى، هنا في واشنطن، أن اجتياح أوكرانيا كان من باب صرف هذا الواقع فيما هو ممكن ومتاح، أي أنه لم يكن جهلاً باحتمالات الفشل، ولكن بناء على أن هذه الاحتمالات إلى تصاعد في المراحل التالية. بوتين تحدّث عن الخطر المتعاظم الذي يشكله توسّع حلف شمالي الأطلسي على روسيا. بالفعل، ثمة موافقة في أوساط المتابعين للشأن الروسي في واشنطن على صحة القراءة الروسية بأن هذا الخطر إلى ارتفاع، ليس لأن الحلف يزداد قوة ويرغب بالتمدد أو ينتهج العدائية، ولكن لأن روسيا تنحسر وتتراجع.

لا يمكن الجزم بأن رهان بوتين التاريخي، إذا صحّت هذه القراءة، والقاضي باستعمال القوة قبل أن تتبدد للعودة إلى موقع القدرة والنفوذ، قد فشل قطعاً. ربما أنه يعوّل، وله ما يبني عليه هذا التعويل، على سوء إدارة الطرف الآخر لقدراته، ما قد يوفّر له وضعاً حسناً آنياً، وربما على المدى المتوسط، وإن استمر الارتباك لدى الخصوم على المدى البعيد. ولكنه رهان صعب، نجاحه بعيد المنال فيما أثمانه على ما تبقى من مواقع الارتكاز في روسيا باهظة ومتحققة، وليس أقلها تعميق الهوّة بين رؤيتين حول مستقبل روسيا تستقطب كل منهما شرائح اجتماعية واقتصادية وجيلية مختلفة. بوتين يقامر، وروسيا مهيأة أن تخسر، مادياً ومعنويا.

على أن أوكرانيا لن تنتصر. إلا إذا أعادت تعريف معنى الانتصار بالنسبة لها للإقرار بمعطيات من الصعب تجاهلها. لحظة أعتدى بوتين على أوكرانيا، جعل من القضية مسألة حق وباطل جلييّن. الظالم المستحق للإدانة هي روسيا، والمظلوم الذي يجب أن ينصر هي أوكرانيا. هذا هو الموقف الوحيد الذي لا يفرّط بالحق والقانون الدوليين.

أوكرانيا على حق صريح، ولكنها بعيدة عن الملائكية. سياستها اللغوية تلامس التعسفية (وإن كان كذلك الحال في روسيا) دون أن يعطي ذلك أدنى حق لروسيا بالتدخل العسكري. معالجتها لمسألة القوميين المتشددين المسلحين (فيلق آزوڤ تحديداً، والذي جرى استيعابه كرديف للقوات المسلحة) تنضوي على إشكاليات. غير أن المواقف المتطرفة والأفعال المشينة لبعض القوميين الأوكرانيين المتشددين لا تختلف عن تلك التي يشهرها ويمارسها الانفصاليون المدعومون من روسيا، بل هي أقل كما وإن تطابقت نوعا عند أقصاها مع سلوكيات الجيش الروسي في أوكرانيا، إذ استباحها وشنّع فيها قتلاً وغصباً وخراباً.

الواقع الأوكراني، بعد أن تمعن فيه الانتقائية والمبالغات، مادة تضليلية دعائية في خدمة تبرير العدوان الروسي، ولكنه أيضا حقيقة على الأرض. شبه جزيرة القرم كانت روسية (كانت تتارية قبل أن يرحل السوڤييت أهلها التتار منها)، ثم "أهداها" خروتشيف، خلف ستالين، في الخمسينات، من مركز القرار السوڤييتي في موسكو إلى جمهورية أوكرانيا الوهمية السوڤييتية، التابعة يومها بالكامل لموسكو. شاء خروتشيف أن يخادع العالم والتاريخ، فخدعه التاريخ واستقلت أوكرانيا مصطحبة معها "الهدية".

من حق الرئيس الأوكراني، باسم شعبه ووطنه، أن يؤكد على نيته استرجاع كامل التراب الأوكراني. ولكن الواقع هو أنه من فائق الصعوبة أن تعود "الهدية" التي استردها صاحبها (وإن لم يكن صاحبها الأول) إلى أوكرانيا. واستبعاد الاستعادة هو كذلك حال الدونباس بجمهوريتيها، واللتان في طور الإعداد للانضمام إلى الاتحاد الروسي. القرار الذي سوف يواجه أوكرانيا بحال اكتفت روسيا بهذا القدر من التوسع، حيث لا يبدو أنها قادرة على المزيد، هو هل أن تواصل الخراب على مدى كامل أوكرانيا ثمن مقبول للاستماتة في سبيل استعادة ما لن يعود؟

أوكرانيا سوف تخرج من الحرب في أفضل الأحوال بلادا مدمرة مقطعة الأوصال على مستوى بناها التحتية وعلى مستوى مواطنيها. اعتمادها هو على الغرب، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروپي، لإيجاد الصيغة لاستنقاذها وإعادة بنائها. النوايا الطيبة موجودة، والإمكانيات يمكن أن تستجمع. ولكن حتى في أفضل الظروف، فإن المسألة من شأنها أن تستغرق عشرات السنين من الوجع الذي كان يمكن ألا يقع. لا انتصار هنا.

الخاسرون كثر، وليسوا حصرا طرفي النزاع. الدول الأوروبية مضطرة إلى مراجعة نظم أمن الطاقة والأمن الغذائي لديها، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار لحلف شمالي الأطلسي وغيره من الترتيبات الأمنية. مسائل البيئة والتبدل المناخي، على خطورتها، تنتقل بالتالي إلى الصف الثاني.

العالم في العديد من أقطاره معرّض للمجاعة نتيجة انقطاع التصدير أو انخفاضه في كل من أوكرانيا وروسيا المنتجتين للقمح الذي تعيش عليه دول ومجتمعات عديدة. ورغم أن عواقب هذا الانقطاع من شأنها أن تكون أكثر مأساوية من الحرب نفسها، فإن السوابق التاريخية تفيد للأسف أن القلق بشأنها والمتابعة التصحيحية لها لن تكون على المستوى المطلوب.

الولايات المتحدة ليست من تسبب بهذه الحرب. ومقولة أنه كان من شأنها منعها من الوقوع لو أنها قبلت بمطلب الرئيس پوتين بالتوقيع على اتفاق مقترح بين البلدين يضمن أن أوكرانيا لن تنضم إلى حلف شمالي الأطلسي، هي مقولة فاسدة، إذ تقوم على الانتقال من مبدأ سيادة الدول إلى منطق القوة. ولكن الولايات المتحدة مهيأة أن تبني على نتائج هذه الحرب لتمتين النظام الدولي القائم على المبادئ التي كان لها الدور الأول في إرسائها بعد الحرب العالمية الثانية، والاستمرار بالتالي في موقعها كالقوة العظمى الضامنة للنظام الدولي. هذا إذا جرت الأمور كما هو متوقع من صمود أوكراني وإنهاك روسي وصبر أوروبي وحكمة أميركية. ليس في هذه الرباعية ما هو مضمون بالتمام.

على أن ثمن هذا الكسب الأميركي الموعود ليس منخفضا، لا اقتصاديا ولا ماليا، ولا على مستوى تعدد الملفات المتداخلة بشأنه عالمياً. الكلفة عالية، والقدرات الذاتية لإدارة الرئيس بايدن كما الإدارات التي سبقتها محدودة لاعتبارات رتيبة ولكن مؤثرة. فاحتمالات الارتباك والفشل قائمة. غير أن الحصيلة الأكثر رجحانا هي لصالح الولايات المتحدة، وإن بمقدار ضئيل، لولا أن المسألة عالمية في نتائج تبدل موازين القوى.

إذ ثمة قوة أخرى، عظمى بالفعل متحققة في أوجه وفي طور التحقق في أوجه أخرى، تستعرض حصيلة مرتقبة تطالها من الحرب الروسية في أوكرانيا تكاد أن تخلو من الأثمان، فتكثر فيها الفرض وإمكانيات التقدم والاستفادة. هي الصين طبعاً.

روسيا تغامر وتقامر وتتجه إلى الفشل. أوكرانيا إلى دمار. أوروبا إلى فوضى سياسية وشح في الطاقة. العالم إلى مجاعات واضطرابات. الولايات المتحدة إلى امتحان صعب لقدرتها المهتزة على القيادة، وإلى كلفة مادية مرتفعة. أما الصين، فإلى الأمام.

الصين ليست معفية بالكامل من نتائج العرقلة في الإنتاج والتوزيع في روسيا وأوكرانيا. ولكنها محصنة بما يجعل من أثمان الواقع الجديد محدودة وقابلة للاستيعاب دون ضرر كبير. بعض الدول الأخرى، الهند، إيران، السعودية، البرازيل، وغيرها قد تتمكن من ترجيح ميزان عواقب الحرب باتجاه الكسب لا الخسارة. غير أنه لا مجال لمقارنة الحاصل هنا مع حجم الكسب صينياً، وأميركياً.

الصين سائرة لا محالة للارتقاء إلى موقع الندية من حيث القدرة والنفوذ عالميا مع الولايات المتحدة. ربما أن النتيجة الوحيدة المؤكدة لحرب روسيا على أوكرانيا هو الإسراع في ارتقاء الصين هذا.

وعليه يكون المنتصر في حرب أوكرانيا هو الصين.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).