Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحرب الأوكرانية مستمرة
الحرب الأوكرانية مستمرة

حسن منيمنة

لا يمكن الفصل بعواقب الحرب المشتعلة في أوكرانيا. قد تكون وخيمة نتيجة لحسابات سيئة يقدم عليها الروس في اعتدائهم وحاجتهم إلى تحقيق النصر أو ما يشبهه، أو أقلّه حفظ ماء الوجه، أو الأوكرانيون في صمودهم ومقاومتهم وإصرارهم على استرجاع ما ليس بوسعهم استرجاعه، أو الولايات المتحدة وحلفاؤها في مسعى دعم أوكرانيا وتمكينها من الصمود، في إطار قانون الحرب الدولي وتوافقا مع مصلحة الغرب في ردع روسيا وإقناعها بعدم جدوى المغامرات التوسعية.

احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين حلف شمالي الأطلسي وروسيا ليست معدومة، وفرضية أن هذه المواجهة قد تنضوي على استعمال السلاح النووي بدورها ليست صفرا. وهذا من شأنه أن يجعل هذه الحرب شأناً خطيرا يطيح بكافة اعتبارات الربح والخسارة التي تشغل بال الأفرقاء المشاركين والمتورطين.

من المستبعد جدا أن تخرج روسيا رابحة من هذه الحرب. طبعا هذا يتناقض مع تأكيدات المسؤولين الروس، الرئيس ووزير خارجيته ووزير دفاعه، وجحافل المعلّقين الموالين لهم، بمن فيهم الناطقين بالعربية، حبا في علي أو كرها في معاوية. ذلك أن أداء روسيا على مدى الأشهر المستطيلة من هذه الحرب، والتي كانت التوقعات تشير إلى أنها سوف تنتهي بسقوط العاصمة الأوكرانية خلال بضعة أيام، لا ينبئ بأن موسكو ممسكة بكفاءة بزمام الأمر الوحيد المتبقي لها من ماضيها كقوّة عظمى، أي الجبروت العسكري.

والقراءة من واشنطن في الأوساط المعنية بمتابعة الشأن الروسي هي أنه بعد أن كادت روسيا، تحت مسمّى الاتحاد السوڤييتي، أن تستجمع الإمكانيات والموارد لتقف ندّا للولايات المتحدة في النفوذ والتأثير والقوة، هي اليوم دولة متهالكة متآكلة، تتراجع مرتبتها في تعداد القوى الاقتصادية الأولى في العالم عاما بعد عام، إذ هي اليوم بمصاف إسبانيا، وينتظر أن تشهد المزيد من التقهقر في المدى القريب، بل يتراجع تعداد سكانها، رغم تواصل وفود الناطقين بالروسية من الجمهوريات السوڤييتية السابقة، وتنخفض فيها حيوية المكوّن القومي اللغوي الثقافي الأول، أي السكان الروس المسيحيون الأرثوذكس، وتنبئ الحيوية في صفوف القوميات التي يغلب عليها الإسلام تحديداً، مع غلبة "الوعي" القومي الفئوي، بتوترات قادمة.

لا شك أن قيادة فلاديمير بوتين لروسيا على مدى عقدين من الزمن قد أعادت لروسيا أقداراً من الهيبة والإقدام، لاسيما وأن تولي بوتين موقع المسؤولية الأولى في روسيا قد تزامن مع رئاسات ملتبسة مضطربة في الولايات المتحدة، من جورج دبليو بوش في مستنقعيه العراقي والأفغاني، مرورا بكل من باراك أوباما ودونالد ترامب المتشابهين بافتقادهما للخبرة والعلم في العلاقات الدولية، والمطمئنين كل على طريقته إلى نبوغه وتفوقه، وصولا إلى جو بايدن، ذي الاطلاع المشوب بالتردد والارتباك.

بوتين امتطى المأساة السورية، معوما النظام القاتل في دمشق، مرتقيا ببلاده إلى مصاف الدولة العظمى في هذا الملف، واضعاً كل من الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل في موقع من عليه الرجوع إلى موسكو فيه، طوعاً أو قسرا. بوتين نجح كذلك في تنشيط قطاعي الزراعة واستخراج النفط والغاز، واستفاد من اطمئنان (تبين فيما بعد افتقاده لما يبرّره) لدى الدول الأوروبية لإقامة سلسلة من الشراكات التوريطية، والتي أوهمته بأنه ممسك بمصالحها وقادر على ضمان "ولائها" أو خضوعها.

ولكن هذه الإنجازات لم تكن أول الغيث. بل إن روسيا، عشية اجتياحها لأوكرانيا، كانت عند حدها الأقصى. قوتها عائدة إلى محافظتها على قطاع انتاج عسكري متطور (رغم أن بعض المتابعين في الولايات المتحدة يعتبرون بأن الترويج الدعائي لهذا القطاع يتفوق على دقته وقدرته)، في حين أن المعطيات الموضوعية تشير إلى أن أعباء المحافظة على هذا التقدم العسكري تتعاظم، بالمطلق وبالنسبية. ثمة من يرى، هنا في واشنطن، أن اجتياح أوكرانيا كان من باب صرف هذا الواقع فيما هو ممكن ومتاح، أي أنه لم يكن جهلاً باحتمالات الفشل، ولكن بناء على أن هذه الاحتمالات إلى تصاعد في المراحل التالية. بوتين تحدّث عن الخطر المتعاظم الذي يشكله توسّع حلف شمالي الأطلسي على روسيا. بالفعل، ثمة موافقة في أوساط المتابعين للشأن الروسي في واشنطن على صحة القراءة الروسية بأن هذا الخطر إلى ارتفاع، ليس لأن الحلف يزداد قوة ويرغب بالتمدد أو ينتهج العدائية، ولكن لأن روسيا تنحسر وتتراجع.

لا يمكن الجزم بأن رهان بوتين التاريخي، إذا صحّت هذه القراءة، والقاضي باستعمال القوة قبل أن تتبدد للعودة إلى موقع القدرة والنفوذ، قد فشل قطعاً. ربما أنه يعوّل، وله ما يبني عليه هذا التعويل، على سوء إدارة الطرف الآخر لقدراته، ما قد يوفّر له وضعاً حسناً آنياً، وربما على المدى المتوسط، وإن استمر الارتباك لدى الخصوم على المدى البعيد. ولكنه رهان صعب، نجاحه بعيد المنال فيما أثمانه على ما تبقى من مواقع الارتكاز في روسيا باهظة ومتحققة، وليس أقلها تعميق الهوّة بين رؤيتين حول مستقبل روسيا تستقطب كل منهما شرائح اجتماعية واقتصادية وجيلية مختلفة. بوتين يقامر، وروسيا مهيأة أن تخسر، مادياً ومعنويا.

على أن أوكرانيا لن تنتصر. إلا إذا أعادت تعريف معنى الانتصار بالنسبة لها للإقرار بمعطيات من الصعب تجاهلها. لحظة أعتدى بوتين على أوكرانيا، جعل من القضية مسألة حق وباطل جلييّن. الظالم المستحق للإدانة هي روسيا، والمظلوم الذي يجب أن ينصر هي أوكرانيا. هذا هو الموقف الوحيد الذي لا يفرّط بالحق والقانون الدوليين.

أوكرانيا على حق صريح، ولكنها بعيدة عن الملائكية. سياستها اللغوية تلامس التعسفية (وإن كان كذلك الحال في روسيا) دون أن يعطي ذلك أدنى حق لروسيا بالتدخل العسكري. معالجتها لمسألة القوميين المتشددين المسلحين (فيلق آزوڤ تحديداً، والذي جرى استيعابه كرديف للقوات المسلحة) تنضوي على إشكاليات. غير أن المواقف المتطرفة والأفعال المشينة لبعض القوميين الأوكرانيين المتشددين لا تختلف عن تلك التي يشهرها ويمارسها الانفصاليون المدعومون من روسيا، بل هي أقل كما وإن تطابقت نوعا عند أقصاها مع سلوكيات الجيش الروسي في أوكرانيا، إذ استباحها وشنّع فيها قتلاً وغصباً وخراباً.

الواقع الأوكراني، بعد أن تمعن فيه الانتقائية والمبالغات، مادة تضليلية دعائية في خدمة تبرير العدوان الروسي، ولكنه أيضا حقيقة على الأرض. شبه جزيرة القرم كانت روسية (كانت تتارية قبل أن يرحل السوڤييت أهلها التتار منها)، ثم "أهداها" خروتشيف، خلف ستالين، في الخمسينات، من مركز القرار السوڤييتي في موسكو إلى جمهورية أوكرانيا الوهمية السوڤييتية، التابعة يومها بالكامل لموسكو. شاء خروتشيف أن يخادع العالم والتاريخ، فخدعه التاريخ واستقلت أوكرانيا مصطحبة معها "الهدية".

من حق الرئيس الأوكراني، باسم شعبه ووطنه، أن يؤكد على نيته استرجاع كامل التراب الأوكراني. ولكن الواقع هو أنه من فائق الصعوبة أن تعود "الهدية" التي استردها صاحبها (وإن لم يكن صاحبها الأول) إلى أوكرانيا. واستبعاد الاستعادة هو كذلك حال الدونباس بجمهوريتيها، واللتان في طور الإعداد للانضمام إلى الاتحاد الروسي. القرار الذي سوف يواجه أوكرانيا بحال اكتفت روسيا بهذا القدر من التوسع، حيث لا يبدو أنها قادرة على المزيد، هو هل أن تواصل الخراب على مدى كامل أوكرانيا ثمن مقبول للاستماتة في سبيل استعادة ما لن يعود؟

أوكرانيا سوف تخرج من الحرب في أفضل الأحوال بلادا مدمرة مقطعة الأوصال على مستوى بناها التحتية وعلى مستوى مواطنيها. اعتمادها هو على الغرب، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروپي، لإيجاد الصيغة لاستنقاذها وإعادة بنائها. النوايا الطيبة موجودة، والإمكانيات يمكن أن تستجمع. ولكن حتى في أفضل الظروف، فإن المسألة من شأنها أن تستغرق عشرات السنين من الوجع الذي كان يمكن ألا يقع. لا انتصار هنا.

الخاسرون كثر، وليسوا حصرا طرفي النزاع. الدول الأوروبية مضطرة إلى مراجعة نظم أمن الطاقة والأمن الغذائي لديها، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار لحلف شمالي الأطلسي وغيره من الترتيبات الأمنية. مسائل البيئة والتبدل المناخي، على خطورتها، تنتقل بالتالي إلى الصف الثاني.

العالم في العديد من أقطاره معرّض للمجاعة نتيجة انقطاع التصدير أو انخفاضه في كل من أوكرانيا وروسيا المنتجتين للقمح الذي تعيش عليه دول ومجتمعات عديدة. ورغم أن عواقب هذا الانقطاع من شأنها أن تكون أكثر مأساوية من الحرب نفسها، فإن السوابق التاريخية تفيد للأسف أن القلق بشأنها والمتابعة التصحيحية لها لن تكون على المستوى المطلوب.

الولايات المتحدة ليست من تسبب بهذه الحرب. ومقولة أنه كان من شأنها منعها من الوقوع لو أنها قبلت بمطلب الرئيس پوتين بالتوقيع على اتفاق مقترح بين البلدين يضمن أن أوكرانيا لن تنضم إلى حلف شمالي الأطلسي، هي مقولة فاسدة، إذ تقوم على الانتقال من مبدأ سيادة الدول إلى منطق القوة. ولكن الولايات المتحدة مهيأة أن تبني على نتائج هذه الحرب لتمتين النظام الدولي القائم على المبادئ التي كان لها الدور الأول في إرسائها بعد الحرب العالمية الثانية، والاستمرار بالتالي في موقعها كالقوة العظمى الضامنة للنظام الدولي. هذا إذا جرت الأمور كما هو متوقع من صمود أوكراني وإنهاك روسي وصبر أوروبي وحكمة أميركية. ليس في هذه الرباعية ما هو مضمون بالتمام.

على أن ثمن هذا الكسب الأميركي الموعود ليس منخفضا، لا اقتصاديا ولا ماليا، ولا على مستوى تعدد الملفات المتداخلة بشأنه عالمياً. الكلفة عالية، والقدرات الذاتية لإدارة الرئيس بايدن كما الإدارات التي سبقتها محدودة لاعتبارات رتيبة ولكن مؤثرة. فاحتمالات الارتباك والفشل قائمة. غير أن الحصيلة الأكثر رجحانا هي لصالح الولايات المتحدة، وإن بمقدار ضئيل، لولا أن المسألة عالمية في نتائج تبدل موازين القوى.

إذ ثمة قوة أخرى، عظمى بالفعل متحققة في أوجه وفي طور التحقق في أوجه أخرى، تستعرض حصيلة مرتقبة تطالها من الحرب الروسية في أوكرانيا تكاد أن تخلو من الأثمان، فتكثر فيها الفرض وإمكانيات التقدم والاستفادة. هي الصين طبعاً.

روسيا تغامر وتقامر وتتجه إلى الفشل. أوكرانيا إلى دمار. أوروبا إلى فوضى سياسية وشح في الطاقة. العالم إلى مجاعات واضطرابات. الولايات المتحدة إلى امتحان صعب لقدرتها المهتزة على القيادة، وإلى كلفة مادية مرتفعة. أما الصين، فإلى الأمام.

الصين ليست معفية بالكامل من نتائج العرقلة في الإنتاج والتوزيع في روسيا وأوكرانيا. ولكنها محصنة بما يجعل من أثمان الواقع الجديد محدودة وقابلة للاستيعاب دون ضرر كبير. بعض الدول الأخرى، الهند، إيران، السعودية، البرازيل، وغيرها قد تتمكن من ترجيح ميزان عواقب الحرب باتجاه الكسب لا الخسارة. غير أنه لا مجال لمقارنة الحاصل هنا مع حجم الكسب صينياً، وأميركياً.

الصين سائرة لا محالة للارتقاء إلى موقع الندية من حيث القدرة والنفوذ عالميا مع الولايات المتحدة. ربما أن النتيجة الوحيدة المؤكدة لحرب روسيا على أوكرانيا هو الإسراع في ارتقاء الصين هذا.

وعليه يكون المنتصر في حرب أوكرانيا هو الصين.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).