Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحرب الأوكرانية مستمرة
الحرب الأوكرانية مستمرة

حسن منيمنة

لا يمكن الفصل بعواقب الحرب المشتعلة في أوكرانيا. قد تكون وخيمة نتيجة لحسابات سيئة يقدم عليها الروس في اعتدائهم وحاجتهم إلى تحقيق النصر أو ما يشبهه، أو أقلّه حفظ ماء الوجه، أو الأوكرانيون في صمودهم ومقاومتهم وإصرارهم على استرجاع ما ليس بوسعهم استرجاعه، أو الولايات المتحدة وحلفاؤها في مسعى دعم أوكرانيا وتمكينها من الصمود، في إطار قانون الحرب الدولي وتوافقا مع مصلحة الغرب في ردع روسيا وإقناعها بعدم جدوى المغامرات التوسعية.

احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين حلف شمالي الأطلسي وروسيا ليست معدومة، وفرضية أن هذه المواجهة قد تنضوي على استعمال السلاح النووي بدورها ليست صفرا. وهذا من شأنه أن يجعل هذه الحرب شأناً خطيرا يطيح بكافة اعتبارات الربح والخسارة التي تشغل بال الأفرقاء المشاركين والمتورطين.

من المستبعد جدا أن تخرج روسيا رابحة من هذه الحرب. طبعا هذا يتناقض مع تأكيدات المسؤولين الروس، الرئيس ووزير خارجيته ووزير دفاعه، وجحافل المعلّقين الموالين لهم، بمن فيهم الناطقين بالعربية، حبا في علي أو كرها في معاوية. ذلك أن أداء روسيا على مدى الأشهر المستطيلة من هذه الحرب، والتي كانت التوقعات تشير إلى أنها سوف تنتهي بسقوط العاصمة الأوكرانية خلال بضعة أيام، لا ينبئ بأن موسكو ممسكة بكفاءة بزمام الأمر الوحيد المتبقي لها من ماضيها كقوّة عظمى، أي الجبروت العسكري.

والقراءة من واشنطن في الأوساط المعنية بمتابعة الشأن الروسي هي أنه بعد أن كادت روسيا، تحت مسمّى الاتحاد السوڤييتي، أن تستجمع الإمكانيات والموارد لتقف ندّا للولايات المتحدة في النفوذ والتأثير والقوة، هي اليوم دولة متهالكة متآكلة، تتراجع مرتبتها في تعداد القوى الاقتصادية الأولى في العالم عاما بعد عام، إذ هي اليوم بمصاف إسبانيا، وينتظر أن تشهد المزيد من التقهقر في المدى القريب، بل يتراجع تعداد سكانها، رغم تواصل وفود الناطقين بالروسية من الجمهوريات السوڤييتية السابقة، وتنخفض فيها حيوية المكوّن القومي اللغوي الثقافي الأول، أي السكان الروس المسيحيون الأرثوذكس، وتنبئ الحيوية في صفوف القوميات التي يغلب عليها الإسلام تحديداً، مع غلبة "الوعي" القومي الفئوي، بتوترات قادمة.

لا شك أن قيادة فلاديمير بوتين لروسيا على مدى عقدين من الزمن قد أعادت لروسيا أقداراً من الهيبة والإقدام، لاسيما وأن تولي بوتين موقع المسؤولية الأولى في روسيا قد تزامن مع رئاسات ملتبسة مضطربة في الولايات المتحدة، من جورج دبليو بوش في مستنقعيه العراقي والأفغاني، مرورا بكل من باراك أوباما ودونالد ترامب المتشابهين بافتقادهما للخبرة والعلم في العلاقات الدولية، والمطمئنين كل على طريقته إلى نبوغه وتفوقه، وصولا إلى جو بايدن، ذي الاطلاع المشوب بالتردد والارتباك.

بوتين امتطى المأساة السورية، معوما النظام القاتل في دمشق، مرتقيا ببلاده إلى مصاف الدولة العظمى في هذا الملف، واضعاً كل من الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل في موقع من عليه الرجوع إلى موسكو فيه، طوعاً أو قسرا. بوتين نجح كذلك في تنشيط قطاعي الزراعة واستخراج النفط والغاز، واستفاد من اطمئنان (تبين فيما بعد افتقاده لما يبرّره) لدى الدول الأوروبية لإقامة سلسلة من الشراكات التوريطية، والتي أوهمته بأنه ممسك بمصالحها وقادر على ضمان "ولائها" أو خضوعها.

ولكن هذه الإنجازات لم تكن أول الغيث. بل إن روسيا، عشية اجتياحها لأوكرانيا، كانت عند حدها الأقصى. قوتها عائدة إلى محافظتها على قطاع انتاج عسكري متطور (رغم أن بعض المتابعين في الولايات المتحدة يعتبرون بأن الترويج الدعائي لهذا القطاع يتفوق على دقته وقدرته)، في حين أن المعطيات الموضوعية تشير إلى أن أعباء المحافظة على هذا التقدم العسكري تتعاظم، بالمطلق وبالنسبية. ثمة من يرى، هنا في واشنطن، أن اجتياح أوكرانيا كان من باب صرف هذا الواقع فيما هو ممكن ومتاح، أي أنه لم يكن جهلاً باحتمالات الفشل، ولكن بناء على أن هذه الاحتمالات إلى تصاعد في المراحل التالية. بوتين تحدّث عن الخطر المتعاظم الذي يشكله توسّع حلف شمالي الأطلسي على روسيا. بالفعل، ثمة موافقة في أوساط المتابعين للشأن الروسي في واشنطن على صحة القراءة الروسية بأن هذا الخطر إلى ارتفاع، ليس لأن الحلف يزداد قوة ويرغب بالتمدد أو ينتهج العدائية، ولكن لأن روسيا تنحسر وتتراجع.

لا يمكن الجزم بأن رهان بوتين التاريخي، إذا صحّت هذه القراءة، والقاضي باستعمال القوة قبل أن تتبدد للعودة إلى موقع القدرة والنفوذ، قد فشل قطعاً. ربما أنه يعوّل، وله ما يبني عليه هذا التعويل، على سوء إدارة الطرف الآخر لقدراته، ما قد يوفّر له وضعاً حسناً آنياً، وربما على المدى المتوسط، وإن استمر الارتباك لدى الخصوم على المدى البعيد. ولكنه رهان صعب، نجاحه بعيد المنال فيما أثمانه على ما تبقى من مواقع الارتكاز في روسيا باهظة ومتحققة، وليس أقلها تعميق الهوّة بين رؤيتين حول مستقبل روسيا تستقطب كل منهما شرائح اجتماعية واقتصادية وجيلية مختلفة. بوتين يقامر، وروسيا مهيأة أن تخسر، مادياً ومعنويا.

على أن أوكرانيا لن تنتصر. إلا إذا أعادت تعريف معنى الانتصار بالنسبة لها للإقرار بمعطيات من الصعب تجاهلها. لحظة أعتدى بوتين على أوكرانيا، جعل من القضية مسألة حق وباطل جلييّن. الظالم المستحق للإدانة هي روسيا، والمظلوم الذي يجب أن ينصر هي أوكرانيا. هذا هو الموقف الوحيد الذي لا يفرّط بالحق والقانون الدوليين.

أوكرانيا على حق صريح، ولكنها بعيدة عن الملائكية. سياستها اللغوية تلامس التعسفية (وإن كان كذلك الحال في روسيا) دون أن يعطي ذلك أدنى حق لروسيا بالتدخل العسكري. معالجتها لمسألة القوميين المتشددين المسلحين (فيلق آزوڤ تحديداً، والذي جرى استيعابه كرديف للقوات المسلحة) تنضوي على إشكاليات. غير أن المواقف المتطرفة والأفعال المشينة لبعض القوميين الأوكرانيين المتشددين لا تختلف عن تلك التي يشهرها ويمارسها الانفصاليون المدعومون من روسيا، بل هي أقل كما وإن تطابقت نوعا عند أقصاها مع سلوكيات الجيش الروسي في أوكرانيا، إذ استباحها وشنّع فيها قتلاً وغصباً وخراباً.

الواقع الأوكراني، بعد أن تمعن فيه الانتقائية والمبالغات، مادة تضليلية دعائية في خدمة تبرير العدوان الروسي، ولكنه أيضا حقيقة على الأرض. شبه جزيرة القرم كانت روسية (كانت تتارية قبل أن يرحل السوڤييت أهلها التتار منها)، ثم "أهداها" خروتشيف، خلف ستالين، في الخمسينات، من مركز القرار السوڤييتي في موسكو إلى جمهورية أوكرانيا الوهمية السوڤييتية، التابعة يومها بالكامل لموسكو. شاء خروتشيف أن يخادع العالم والتاريخ، فخدعه التاريخ واستقلت أوكرانيا مصطحبة معها "الهدية".

من حق الرئيس الأوكراني، باسم شعبه ووطنه، أن يؤكد على نيته استرجاع كامل التراب الأوكراني. ولكن الواقع هو أنه من فائق الصعوبة أن تعود "الهدية" التي استردها صاحبها (وإن لم يكن صاحبها الأول) إلى أوكرانيا. واستبعاد الاستعادة هو كذلك حال الدونباس بجمهوريتيها، واللتان في طور الإعداد للانضمام إلى الاتحاد الروسي. القرار الذي سوف يواجه أوكرانيا بحال اكتفت روسيا بهذا القدر من التوسع، حيث لا يبدو أنها قادرة على المزيد، هو هل أن تواصل الخراب على مدى كامل أوكرانيا ثمن مقبول للاستماتة في سبيل استعادة ما لن يعود؟

أوكرانيا سوف تخرج من الحرب في أفضل الأحوال بلادا مدمرة مقطعة الأوصال على مستوى بناها التحتية وعلى مستوى مواطنيها. اعتمادها هو على الغرب، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروپي، لإيجاد الصيغة لاستنقاذها وإعادة بنائها. النوايا الطيبة موجودة، والإمكانيات يمكن أن تستجمع. ولكن حتى في أفضل الظروف، فإن المسألة من شأنها أن تستغرق عشرات السنين من الوجع الذي كان يمكن ألا يقع. لا انتصار هنا.

الخاسرون كثر، وليسوا حصرا طرفي النزاع. الدول الأوروبية مضطرة إلى مراجعة نظم أمن الطاقة والأمن الغذائي لديها، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار لحلف شمالي الأطلسي وغيره من الترتيبات الأمنية. مسائل البيئة والتبدل المناخي، على خطورتها، تنتقل بالتالي إلى الصف الثاني.

العالم في العديد من أقطاره معرّض للمجاعة نتيجة انقطاع التصدير أو انخفاضه في كل من أوكرانيا وروسيا المنتجتين للقمح الذي تعيش عليه دول ومجتمعات عديدة. ورغم أن عواقب هذا الانقطاع من شأنها أن تكون أكثر مأساوية من الحرب نفسها، فإن السوابق التاريخية تفيد للأسف أن القلق بشأنها والمتابعة التصحيحية لها لن تكون على المستوى المطلوب.

الولايات المتحدة ليست من تسبب بهذه الحرب. ومقولة أنه كان من شأنها منعها من الوقوع لو أنها قبلت بمطلب الرئيس پوتين بالتوقيع على اتفاق مقترح بين البلدين يضمن أن أوكرانيا لن تنضم إلى حلف شمالي الأطلسي، هي مقولة فاسدة، إذ تقوم على الانتقال من مبدأ سيادة الدول إلى منطق القوة. ولكن الولايات المتحدة مهيأة أن تبني على نتائج هذه الحرب لتمتين النظام الدولي القائم على المبادئ التي كان لها الدور الأول في إرسائها بعد الحرب العالمية الثانية، والاستمرار بالتالي في موقعها كالقوة العظمى الضامنة للنظام الدولي. هذا إذا جرت الأمور كما هو متوقع من صمود أوكراني وإنهاك روسي وصبر أوروبي وحكمة أميركية. ليس في هذه الرباعية ما هو مضمون بالتمام.

على أن ثمن هذا الكسب الأميركي الموعود ليس منخفضا، لا اقتصاديا ولا ماليا، ولا على مستوى تعدد الملفات المتداخلة بشأنه عالمياً. الكلفة عالية، والقدرات الذاتية لإدارة الرئيس بايدن كما الإدارات التي سبقتها محدودة لاعتبارات رتيبة ولكن مؤثرة. فاحتمالات الارتباك والفشل قائمة. غير أن الحصيلة الأكثر رجحانا هي لصالح الولايات المتحدة، وإن بمقدار ضئيل، لولا أن المسألة عالمية في نتائج تبدل موازين القوى.

إذ ثمة قوة أخرى، عظمى بالفعل متحققة في أوجه وفي طور التحقق في أوجه أخرى، تستعرض حصيلة مرتقبة تطالها من الحرب الروسية في أوكرانيا تكاد أن تخلو من الأثمان، فتكثر فيها الفرض وإمكانيات التقدم والاستفادة. هي الصين طبعاً.

روسيا تغامر وتقامر وتتجه إلى الفشل. أوكرانيا إلى دمار. أوروبا إلى فوضى سياسية وشح في الطاقة. العالم إلى مجاعات واضطرابات. الولايات المتحدة إلى امتحان صعب لقدرتها المهتزة على القيادة، وإلى كلفة مادية مرتفعة. أما الصين، فإلى الأمام.

الصين ليست معفية بالكامل من نتائج العرقلة في الإنتاج والتوزيع في روسيا وأوكرانيا. ولكنها محصنة بما يجعل من أثمان الواقع الجديد محدودة وقابلة للاستيعاب دون ضرر كبير. بعض الدول الأخرى، الهند، إيران، السعودية، البرازيل، وغيرها قد تتمكن من ترجيح ميزان عواقب الحرب باتجاه الكسب لا الخسارة. غير أنه لا مجال لمقارنة الحاصل هنا مع حجم الكسب صينياً، وأميركياً.

الصين سائرة لا محالة للارتقاء إلى موقع الندية من حيث القدرة والنفوذ عالميا مع الولايات المتحدة. ربما أن النتيجة الوحيدة المؤكدة لحرب روسيا على أوكرانيا هو الإسراع في ارتقاء الصين هذا.

وعليه يكون المنتصر في حرب أوكرانيا هو الصين.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب
التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب

حسين عبد الحسين

قبل عشرين عاما، بدا الطغيان قدرا محتوما على العرب. كان مفهوما أن يورث ملكا الأردن الحسين والمغرب الحسن عرشيهما لابنيهما عبدالله ومحمد. لكن لم يكن مفهوما أن تتحول أنظمة الطغيان الثوري إلى جمالك (جمهوريات ممالك) مع انتقال رئاسة حافظ الأسد السوري لولده بشّار واعداد حسني مبارك نجله جمال لوراثة الرئاسة المصرية. ومثلهما كان طاغية العراق صدام حسين يعدّ ابنه قصي لوراثته في مجلس قيادة الثورة ورئاسة البلاد، بعدما تبين أن بِكره عدي فاشل.

ثم اجتاحت الولايات المتحدة العراق وبدا أن الليل العربي بدأ ينجلي وأن القيد بدأ ينكسر.

قبل حرب العراق، أمضت النخبة العربية عقودا وهي تهاجم الولايات المتحدة لدعمها طغاة العرب الذين يبقون الدول العربية متخلفة. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، اعتقدت أميركا أن الطغيان يولّد البؤس، وأن البؤس يولّد الارهاب الذي يصل شواطئها، فقررت إعطاء العراقيين فرصة لبناء ديمقراطية.

الشعب الأميركي لا يهتم كثيرا لشقاء العرب ولا يرى مبررا لإنهائه الذي يكلف الأميركيين أموالا ودماء. لأقناع الأميركيين بضرورة الحرب في العراق، اضطرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش إلى تضخيم خطر صدام بإعلان أن بحوزته ترسانة أسلحة دمار شامل. لم تكترث واشنطن لمصداقيتها لأنها ظنّت أن نتيجة التغيير في العراق كانت ستكون إيجابية حتما لأن في العراق شعب يعجّ بحملة الشهادات والكفاءات، وثروة نفطية ضخمة يمكنها تمويل إعادة البناء والتنمية.

جاءت القوة الأميركية بجبروتها لتبدأ عملية التغيير العراقي، فاكتشفت أميركا والعالم أن العرب ليسوا بحاجة لتغيير حكامهم فحسب، بل لتغيير ثقافتهم التي لا تسمح للحريات الفردية ولا تفهم معنى المواطنية. اكتشفت أميركا أنه يستحيل بناء دولة ديمقراطية مع أفراد لا يرون أنفسهم مواطنين، بل أعضاء في قبائل لكل منها زعيم، ما يجعل الدولة مجلس قادة قبائل. والقبائل هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل هي شبكات ريعية يقودها قبضايات يقدمون الرعاية المالية والأمنية لتابعيهم، مقابل ولاء التابعين الأعمى لزعمائهم.

مع اكتشاف أميركا الخواء العربي، وسيطرة الثقافة القبلية التي تمنع قيام دولة حديثة، سعت واشنطن لإعادة تركيب العراق كيفما اتفق، غالبا بتكرار النموذج اللبناني الفاشل حيث يتقاسم الزعماء موارد الدولة ويثرون، ويوزعون بعض المغانم على الأزلام والمحاسبين، الذين يضمنون إعادة انتخاب الزعيم وبقائه في الحكم. كل ذلك يتم في غياب الحريات، تحت طائلة التصفية الجسدية لأي معارضين لا ينتمون لأي واحدة من شبكات الزعماء الحاكمين.

في لبنان، اغتال "حزب الله" رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حسب محكمة الأمم المتحدة، فأدى ذلك لاهتزاز وانسحاب قوات الأسد من لبنان بعد ثلاثة عقود على احتلاله وحكمه. ومثل العراق، لم تؤد فرصة التغيير التي سنحت للبنانيين برعاية دولية الى تغيير، بل انتقل لبنان من طغيان الأسد الى طغيان زعيم "حزب الله" حسن نصرالله.

تكررت مشاهد الفشل في الانتقال إلى الأفضل في كل الدول التي طالها الربيع العربي بعد ذلك، وأن بوتيرة متفاوتة. في تونس، أطاحت الثورة الشعبية بزين العابدين بن علي، فغرقت البلاد في شلل دام عقد إلى أن تسلّق استاذ جامعي الحكم على سلّم الديمقراطية، ثم وصل الحكم فعدّل الدستور ونصّب نفسه حاكما أوحدا ودائما.

وفي مصر، أدى نسف الجيش لعملية توريث جمال مبارك لانقسامه الى أجنحة. في فترة انقسام الجيش، انتخب المصريون محمد مرسي وحزب "الإخوان المسلمين" حكاما. لكن على غرار الانتخابات العربية المشابهة، بدا أن الإخوان تسلقوا سلّم الديمقراطية لتغيير شكل الدولة وتحويلها الى ثيوقراطية تمارس الانتخابات وانما بدون أي تقبّل للحريات العامة أو الفردية.

وكذلك في الجزائر، حيث أطاحت ثورة بحكم عبدالعزيز بوتفليقة واستبدلته بأشباه له. أما ليبيا واليمن، فأدى التغيير الى حروب دموية طاحنة لم تلق وزرها حتى اليوم. وفي السودان، أدت الثورة إلى تلاشي الدولة التي كانت تقوم على أجهزة استخبارات عمر البشير.

في لبنان، قامت ثورة مجددا ضد الانهيار الشامل للدولة والاقتصاد. لكن على عكس ثورات العرب التي سبقتها، لم تنجح ثورة 17 تشرين اللبنانية في كسر القائم، فتحولت إلى انتفاضة انتخابية صغيرة، وحتى هذه، أنتجت نوابا تغييريين نصفهم يحسدون السياسيين الحاكمين ويتمنون أن يحلّوا مكانهم في رئاسات الجمهورية والنواب الحكومة. ومثل اللبنانيين قام العراقيون بثورة لم تنسف الحكم، ولا قدمت أفكارا خلاقة ولا خطط تغييرية قابلة للحياة، فقط اجترار للأفكار المتداولة الفاشلة نفسها.

بعد عشرين عاما على حرب العراق، و12 عاما على الربيع العربي، وبعد ثلاثة أعوام على ثورتي تشرين اللبنانية والعراقية، صار مؤكدا أن نسف القائم في دنيا العرب لا يؤدي لاستبداله بما هو أفضل منه، بل أن القائم صار يبدو أفضل، على علّاته، على حسب القول المشرقي القائل "خلّيك على قديمك فجديدك لن يدوملك". 

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب، وما لم تتشرب الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وهي ثقافة يتصدرها تقديس الحرية الفردية، خصوصا حرية من يخالف رأينا، وفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني رأيا واحدا لكل المواطنين، بل تعني التفافا حول الدستور الذي يسمح بتعدد الآراء، وإدراك أن من يخالفنا الرأي ليس خائنا، وأن رأينا ليس مقدسا، ولا صحيحا، ولا ثابتا.

كما لن تقوم قائمة للعرب قبل إدراكهم أن الانتخابات تنيط بالمنتخبين فرض سياسات، ولكنها لا تسمح لهم بتغيير شكل الدولة، ولا بفرض هندسة اجتماعية، ولا بتعديل شكل الحيز العام حتى يشبه الغالبية دون الأقلية.

ولن تقوم دولا عربية حديثة ما لم يدرك العرب أن الأكثرية والأقلية هي في الرأي السياسي فحسب، لأن الرأي يمكن أن يتغير بحسب نتائج السياسات التي تمارسها الغالبية، فتخسر التأييد والحكم ما لم تقدم النتائج المرجوة. أما ربط الأكثرية والأقلية بالمذاهب والأعراق، كما في لبنان والعراق، فيقضي على الديمقراطية لأنه يخلق أكثريات وأقليات ثابتة في الحكم وغير قابلة للمحاسبة انتخابيا في حال فشلها.

مع تعذر امكانية بناء دول عربية حديثة، يصبح الأجدى التمسك بأي ما من شأنه أن يقدم سياسات وحياة أفضل للعرب. نموذج الإمارات والبحرين والسعودية ليس ديمقراطيا، ولكنه يقدم نتائج أفضل بكثير من أنظمة العرب الثورية وجمالكهم، إلى أن يغير الله في قوم ويغير ما في أنفسهم وتصبح الديمقراطية ممكنة، لا في قصور الحكم، وإنما في نفوس الناس وثقافتهم.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).