سناء العاجي
مكان المرأة الطبيعي هو بيت والديها وبيت زوجها. المرأة تتعلم لكي تكون أما متعلمة. حكايات الطموح وتحقيق الذات خطر على الأسرة المسلمة. لا تتزوج امرأة طموحة. لا تتزوج امرأة تحب عملها أو دراستها. لا تتزوج امرأة بمنصب مهم و/أو أجرة عالية. المرأة العاملة لا تصلح أما لأنها تترك أبناءها للخادمة. تعليقات من هذا القبيل نصادفها بشكل شبه يومي على مواقع التواصل.
لعل أكثر موضوع يحرك الفاعل المشرقي والمغاربي على مواقع التواصل هو المرأة: جسدها، حجابها، تعليمها، "شرفها"، عملها، خروجها للشارع، ملابسها... كل تفاصيلها تسكنه وتسكن تفاعلاته ومنطقه. لماذا يعتبر عدد من الرجال أن من حقهم أن يقرروا، بدلا عن النساء، حتى في اختياراتهن الحياتية اليومية؟
هل يتصور المنطق أن تضرب أو تقتل أختٌ شقيقها، لأنها شكت في سلوكياته (علما أن المنع الديني للعلاقات الجنسية خارج الزواج هو نفسه للطرفين)؟ بنفس المنطق، فالعكس يُفترَض أن يكون مرفوضا تماما.
هل يتصور المنطق أن تمنع زوجة زوجها من قميص معين يبرز عضلاته؟ بنفس المنطق، فملابس المرأة هي اختيارها الشخصي ولا دخل للأب أو الأخ أو الزوج فيها (باستثناء الشروط التي قد تفرضها مؤسسات دينية أو مهنية في الهندام، للرجال والنساء).
حديث البعض عن جلوس المرأة في البيت هو بدوره حديث غير منطقي. هل يمكننا مثلا أن نقرر أن كل سود البشرة عليهم أن يظلوا في البيت، أم أن هذا الأمر قد يبدو عنصريا؟ هل يمكننا أن نقرر أن كل من يبلغون أقل من 165 سنتمترا، عليهم أن يظلوا في البيت للحفاظ على الأسرة المسلمة، أم أن هذا الأمر يبدو عبثيا ومجنونا؟
بنفس المنطق، اعتماد معيار الانتماء الجنسي البيولوجي لتحديد قرارات تخص الآخر ليس بناء على رغباته ولا على كفاءاته، بل على تصورات تمييزية مبنية على الجنس، هو أمر في منتهى العبث واللا عدل.
كما أنه تمييز يعتمد على جهل عميق بالواقع. آلاف النساء عبر العالم يشتغلن ويُعِلْن أسرهن (في المغرب، خمس الأسر المغربية تنفق عليها النساء بشكل حصري، دون احتساب الأسر التي يُعِيلها رجال ونساء على حد السواء). ماذا ستفعل هذه الأسر؟ ماذا يفعل الأطفال الذين تطلَّق والداهم وتخلى الأب فيها عن مسؤولياته؟ ماذا يفعل الأطفال في الأسر التي توفي فيها الزوج ولم يترك مدخولا يضمن لأبنائه العيش الكريم؟ ماذا تفعل الأسر التي يصاب فيه الأب/الزوج بمرض يمنعه عن العمل؟ ماذا تفعل النساء اللواتي تعشن بمفردهن (عازبات، مطلقات، أرامل)؟
ثم، متى سنفهم أن التربية هي مسؤولية الأبوين معا وليس الزوجة فقط؟ وأن كون الزوجة مسؤولة عن البيت بشكل حصري لا يجعل منها بالضرورة أما جيدة، وإلا لكان كل أبناء وبنات ربات البيوت بمستوى أخلاقي وقيمي عالي. كما أنه لا يوجد دليل ميداني واحد يثبت أن المرأة العاملة خارج البيت تربي أبناءها بشكل أسوأ من المرأة المسؤولة حصريا عن الأسرة.
ثم، وهذه نقطة أخرى مهمة: لماذا نربط أساسا، في كل هذا النقاش، بين المرأة وبين.. الأم! ألا يمكن أن تكون المرأة كائنا خارج اختيار الأمومة؟ هل ينحصر دورها في الأمومة فقط؟ كذلك، لماذا عليها أن تقرر دائما بين اختياراتها الحياتية وبين رغبتها المحتملة في الأمومة؟ أليس العدل والمنطق الإنساني يقتضيان، إذا اختار الزوجان الإنجاب، أن يفكرا معا في الاحتمالات المتاحة والمجهودات المطلوبة والتنازلات التي يمكن القيام به من طرفهما معا وليس حصريا من طرف الزوجة؟ ثم، مرة أخرى، ألا يمكن للمرأة أن تهتم بدراستها وعملها ونجاحها دون أن نشعرها باستمرار بالذنب وأنها امرأة ناقصة لأنها لم تنجب؛ أو أنها أم فاشلة وسيئة لأنها قررت الاهتمام بنجاحها المهني أيضا؟
===============================================
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
