Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

رئيس الوزراء المغربي عزير أخنوش
رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش- أرشيف

عبد الرحيم التوراني

في الأعوام الأخيرة عرضت القناة الأولى المغربية سلسلة تراجيكوميدية مقتبسة من التلفزيون الأميركي، تحت عنوان: "ساعة في الجحيم". وهي من إنتاج إحدى الشركات المحسوبة على فيصل العرايشي، الذي يرأس منذ 23 عاما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون. وتلك قصة أخرى.

وما جرى لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، يوم السبت 16 يوليوز 2022 ، في مدينة أغادير الساحلية، حدثٌ قابل لتحويله حلقة ناجحة من حلقات "ساعة في الجحيم". وملخص السيناريو المنتمي لبرامج "تلفزيون الواقع"، هو عندما يفاجأ رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، بعاصفة من الاحتجاجات، رفعت في وجهه أشهر شعار صدحت به الجماهير خلال انتفاضات الربيع العربي: "أخنوش ارحل".

لم يوفق المنظمون في السيطرة على الغضب الجماهيري، ولا كان بإمكان رفع أبواق الموسيقى الزاعقة التغطية على الهتافات المتعالية ضد "نهب وسرقة جيوب المواطنين".

كانت مفاجأة مفزعة ولا شك، لواحد من أثرى أثرياء أفريقيا، يعد ثاني أغنى رجل في المغرب بعد الملك محمد السادس، وقد ترك أعماله المهمة ووصل لافتتاح أكبر مهرجان فني بجهة "سوس ماسة درعة"، الجهة التي طالما أخبر أنه يعتز بالانتساب إليها، فهو إضافة لرئاسته الحكومة، عمدة لبلدية أغادير عاصمة الجهة. لذلك لم يصدق ما رأته عيناه وما سمعته أذناه.

وربما فكر في التريث وفي الصمود قليلا بانتظار مرور العاصفة، حتى يتمكن من إعطاء إشارة انطلاق فعاليات المهرجان، الذي يحمل اسم "تيمتار"، ومعناها بالأمازيغية: "علامات".

لكنه سيتلقى علامة مختلفة وإشارة بالانسحاب السريع، فنزل من فوق المنصة مهزوما. وليست هناك عبارات أوضح تعكس حقيقة ما حصل، سوى ما سجلته كاميرات الهواتف من مشاهد تم تقاسمها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

غضب جماهير "تيمتار" لم يقتصر على الاحتجاج ضدارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، ولكن لأنه في تلك الساعة التي توجه فيها أخنوش لحضور مهرجان، كان مواطنون يكتوون بالحرائق في شمال البلاد، وقد أودت النيران بحياة عدد منهم، والتهمت مساحات غابوية ومزارع، وتسببت في نفوق قطعان مواشي. 

حسب أغلب التعليقات، فإن "عين العقل، كان أن يتوجه رئيس الحكومة إلى المنطقة المنكوبة، للتعبير عن تضامن حكومته مع الضحايا، والوقوف إلى جانبهم ومواساتهم، والإعلان عن اتخاذ جملة من التدابير الفورية والقرارات الحازمة من أجل التخفيف عنهم". وهذا ما قام به مسؤولون في عدد من الحكومات الديمقراطية في إسبانيا وفرنسا والبرتغال وبريطانيا، وغيرها من البلدان التي تضررت من "حرائق الصيف"، وليس الذهاب إلى تجمع للرقص والغناء". 

واعتبر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، أن ما قام به أخنوش بمثابة سلوك استفزاي متهور يوضح إصرار حكومته على المضي نحو مزيد من الاستهتار بمطلب عقلنة أثمنة المحروقات، ليصبح ثمن الغازوال 7 دراهم، والبنزين 8 دراهم، وهو الثمن الذي كان عليه قبل تعيين أخنوش رئيسا للحكومة.

إلا أن الحكومة تمادت في التزامها صمت القبور، ولم تتخذ أي تدابير عملية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل وضع اجتماعي يتدهور بوتيرة متزايدة منذ انتشار وباء كورونا.

وبحلول تاريخ اليوم، يكون قد انقضى أسبوع كامل على (واقعة طرد أخنوش)، ولم يصدر عن الحكومة رد فعل مقنع يشرح حقيقة ما حصل، ويدفع اتهامات فاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين، يعتبرون الحكومة الحالية "حكومة تضارب المصالح، تخدم اللوبيات وليس المواطن".

كان طبيعيا أن يكبر حجم صرخة المواطنين ضد حكومة أخنوش، بعدما انتشرت بشكل واسع تصريحات مصورة أدلى بها الخبير الاقتصادي د. نجيب أقصبي، أوضح فيها أن سعر البرميل من البترول على الصعيد الدولي، عاد إلى المستوى الذي كان عليه قبل اندلاع حرب أوكرانيا. وهو ما يجب أن يرجع سعر المحروقات في المغرب إلى سعره القديم. وأن زيادة أربعة أو خمسة دراهم في سعر الليتر الواحد غير مبررة، ويمكن اعتبارها أرباحا فاحشة.

كما شدّد الخبير الاقتصادي على أن مطلب إعادة تنشيط مصفاة (الشركة المغربية المجهولة الاسم للصناعة والتكرير) "سامير"، ليس لأنها "معلمة تاريخية أو شركة وطنية، بل لقيمتها المضافة، وكونها أداة وجزء مهم من الحل لخفض الأسعار".

في نفس السياق يرى الخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني مسؤول "ترانسبارنسي- المغرب"، أن ما أثار التذمر والاستنكار أكثر، هو خصخصة مصفاة "سامير" في 2015، ووضعها في حالة إفلاس بعد سنة، رغم كونها المصفاة الوحيدة، وبذلك تم تحرير الأسعار في محطات البنزين، واغتنام 15 شركة مختصة في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية الفرصة لرفع الأسعار كلما ارتفع سعر برميل النفط، مع حرصها الشديد على عدم خفض الأسعار عندما تتجه في الاتجاه المعاكس على المستوى الدولي".

في الوقت الذي تحرص فيه الحكومة على عدم نشر بنية أسعار المحروقات، من الشراء إلى البيع، فإن ذلك يدل"على عدم الشفافية، بل إنه يدل على وجود تجاوزات فظيعة"، كما يؤكد أقصبي، هي "التجاوزات الفظيعة" ذاتها التي تكلم عنها المندوب السامي للتخطيط أحمد لحليمي، وإن لم يسمِّها، لكنه عبّر عن أسفه لتراجع المغرب بحوالي "تسعة عشر عامًا في الكفاح ضد التفاوتات الاجتماعية".

وباستثناء بعض من "تطوعوا" لمهمة الدفاع عن شخص أخنوش وحكومته، أو من تلقوا الإشارة، من جماعات"كَارِي حَنْكُو"، أي مؤجري ألسنتهم الطويلة، كما يوصفون بالدراجة، وهم ثلة من ممتهني التطبيل والتزمير (بالمقابل طبعا)، يصنفون ضمن "الذباب الإليكتروني"،حين تفتق خيالهم على الادعاء بأن "الأشباح"والحسابات المزيفة وراء انتشار "الهاشتاغ" المشار إليه والذي تصدر "الترند" المغربي. متناسين أن حملة الغضب العام، لم تكن فقط ضد من يرأس السلطة التنفيذية اليوم، بل أيضا باعتباره المحتكر رقم واحد في عموم البلاد لقطاعات البترول والغاز والكيماويات، وهو من يتحكم في أسعارها. ومتناسين المسيرات الشعبية الحاشدة التي نظمتها الجبهة الاجتماعية المغربية، وقد عمّت مختلف جهات ومدن البلاد، وبلغت أربع مسيرات كبرى منذ وصول أخنوش لرئاسة الحكومة في سبتمبر الماضي، وقد رفعت لافتات وشعارات تندد بالغلاء الفاحش وبسياسة تكميم الأفواه وإصدار أحكام قاسية بالسجن ضد صحفيين وحقوقيين ومدونين، وطالبت بإسقاط اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل".

موظف من الرباط لخص ما يحدث بالبلاد في "عدم الرفع من مستوى القدرة الشرائية للمواطنين". لذلك تطرح التساؤلات: كيف تنخفض نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نطاق 1.5 - 1.7 بالمئة، خلافا للتوقعات التي وعد بها أخنوش، أي 3.2 بالمئة بموازنة العام الحالي، في الوقت الذي ارتفعت فيه أرباحه الخاصة وأرباح زوجته سلوى أخنوش، خلال توليه رئاسة الحكومة؟ إذ رصدت مؤسسة "فوربس الشرق الأوسط" أسباب زيادة ثروة خنوش، إلى جانب تغير الوضع الاقتصادي في المغرب منذ توليه زمام الأمور كرئيس للحكومة، وأن ثروته وزوجته زادت بقيمة 100 مليون دولار خلال هذا العام. في الوقت الذي يعاني فيه المغرب من أزمة وتحديات اقتصادية كبيرة.

بهذا الصدد يؤكد حقوقيون "إن الأمر يتجاوز تداعيات الجفاف وأزمة كورونا والحرب في أوكرانيا، التي تبرر بها الحكومة الأزمة، ليتبين أن الحقائق لها صلة وثيقة بزواج المال والسلطة، على حساب المجتمع والمواطنين، وبتضارب المصالح لدى من يتولون مراكز القرار".

***

في 2020، دشن رئيس التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش حملة انتخابية سابقة لأوانها، بإشرفه على توزيع إعانات غذائية خلال شهر رمضان، بواسطة جمعية باسم "جود"، وحرص على زرع بطاقة الانتساب إلى "حزب الحمامة" داخل كل قفة مساعدة. 

وفي الحملة الانتخابية النيابية لسبتمبر 2021، أطلق شعاره المثير والملتبس: "تَتْسَاهْلُو أكثر/تستحقون أكثر...!". ثم مضىعلى وتر غضب الناس واتجاههم لمعاقبة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي رأس الحكومة فترة ولايتين متتاليتين.

وعمل أخنوش على الظهور بقبعة الليبرالي، الحريص على تحقيق "الدولة الاجتماعية الراعية". ولم ينس الاستفادة من المرشحين الأعيان، باستقطاب بعضهم واستعارة آخرين من أحزاب مختلفة.

وبعد تعيينه رئيسا للحكومة، استفاق المواطنون بأن وعود صاحب "الحمامة" (رمزه الانتخابي)، كانت فقاعات هواء فارغة. أحدهم عبر بمرارة تنزف سخرية "إن الرجل لم يكن كاذبا، ألم يقل لنا "إنكم تستحقون أكثر"، وهو بهذا كان يؤول الآية القرآنية على طريقته: (وإن شكرتم لأزيدنّكم)، وبما أننا من الشاكرين، بالرغم من أوضاعنا المتأزمة، ازدادت أزمتنا تدهورا على تدهور، وهذا ما نستحقه، وهذا هو المعنى الصريح لشعار أخنوش: (تَتْساهْلو أكثر)".

مرة أخرى وجد أخنوش نفسه أمام غضب عنيد، يتقن أصحابه توظيف سلاح العنف السلمي عبر وسائط التواصل الرقمي. ففي 2018 سجلت حملة مقاطعة اقتصادية لمواد استهلاكية، نجاحا غير مسبوق بالمنطقة، عربيا وافريقيا، وكانت استهدفت من بين مواد أخرى، مقاطعة محطات وقود "أفريقيا" لصاحبها "وزير البر والبحر" (تولى أزيد من عقدين شؤون وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه للغابات). لكن الرجل لم يستوعب الإضرار بتجارته، فرفع أصبعه مهددابإعادة "التربية" لمن تنقصه (من منخرطي حملة المقاطعة الاقتصادية). ما خلف موجة عالية من السخط والغضب والسخرية ضده.

وربما كانت المهمة الأولى لأخنوش، هي تلقين المواطنين الاستسلام للأمر الواقع، وأن عليهم الإيمان بالقول السائر المنسوب خطأ للرسول: "كيفما كنتم يولى عليكم"، لكن المواطنين المغاربة أثبثوا باستمرار أنهم ضد الفساد والظلم والطغيان، وأنهم لا يستحقون الحكومات التي تعاقبت عليهم، وضمنها "حكومة التناوب" التي رأسها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، التي يحاول البعض تسويقها كحكومة وطنية "رشيدة"، لكن الحقيقة أنها كانت مجرد آلية لانتقال الحكم من ملك إلى ملك بالسلاسة المطلوبة. 

وقد وصفها المفكر عبد الله العروي بما تستحق،في كتابه "خواطر الصباح"، عندما سماها "الحكومة السلطانية".

أما من يريدون اليوم خطف نجاح حملة الهاشتاغ الأخيرة ونسبها لرئيس الحكومة السابق الإسلامي عبد الإله بنكيران - الذي هو نفسه يتفاخر بذلك بين محازبيه- فهم مخطئون،

فالرجل باع ما لديه من ذرة مصداقية مفترضة في سوق النخاسة السياسي، ولم يعد مختلفا عن بقية المهرولين صوب خدمة المخزن، خصوصا بعد استفادته من معاش استثنائي ملكي، لا مثيل له فوق الأرض. وبعدما أزعجته الانتقادات طالب من "المنغصين" أن يغضوا الطرف ويكفوا، وإذا لم يستطيعوا نصحهم بتوقير واهب العطاء السخي الممنوح له. 

ويرى بعض المراقيبن أن بنكيران، وهو واقع تحت تأثير وهم كبير، بأن التطورات المنتظرة قد تحتاج إليه، تماما كما حدث إثر انتفاضة "حركة 20 فبراير"2011، عندما استغل الحدث وحقق من ورائه ما لم يكن يحلم به على الإطلاق. وربما يخطر بباله أنه سيعيدها ثانية، هذه هي مرجعية تلويحه المستمر بأن "الربيع العربي" لم ينته، خاصة أن التقارير تصنف المغرب إلى جانب مصر وتونس ولبنان، في قائمة إعادة "الحالة السيرلانكية".

كثير من المعارضين يرون أن جلباب الحكومة أوسع وأكبر من حجم عزيز أخنوش، كما يشككون في نجاحه في عالم المال والأعمال، بالقول إن ذلك حصل بسبب علاقته بالسلطة وصداقته للملك، ما مكنه من تفويت قطاع المحروقات لفائدة شركاته. 

كما أنه لم يوفق في نهج سياسة تواصلية ناجحة، لا على صعيد الحزب الذي هبط عليه بمظلة طائرة، ولا على مستوى الشأن الحكومي الذي انخرط فيه منذ أزيد من عقدين، حتى أنه يعد من أقدم الوزراء في مغرب اليوم.

ويبدو أن أخنوش، رغم استثماره منذ عقود في مجال الصحافة والإعلام، إذ يملك صحفا ومجلات وشركات إشهار، أثبت فشله في مجال التواصل، كما ظهر عاجزا عن قراءة سليمة لنص مكتوب باللغة العربية الفصيحة، فلو حصل ذلك مثلا لوزير فرنسي أساء للغة الفرنسية كما فعل أخنوش للغة العربية لتم إبعاده. ولم تفد اجتهادات فريق التواصل الخاص به سوى في تأجيج الغضب الشعبي أكثر، إذ زاد الإقبال على انتشار شرارة هاشتاغ "ارحل أخنوش". 

لكنه لن يرحل، ما دامت أعلى سلطة في البلاد ترغب في بقائه. فإثر إعلان فوز حزبه في الانتخابات الأخيرة، بشرنا أخنوش بأن "الديمقراطية انتصرت"، بينما العالم يدرك أن المركز الحقيقي للسلطة في المغرب في يد الملك، وأن الملك هو أبرز فاعل سياسي واقتصادي في البلد.

"الجحيم هم الآخرون"، عبارة سارتر المشهورة، ربما يحورها أحدهم الآن إلى "الجحيم هم المُحْتَجُّون والمحتاجون". وهو ما لا يجادل فيه الفقراء والمفقرين، لأنهم يحترقون بنيران الأسعار وباضطرام الأوضاع، وقد تحولوا إلى قطعة من جحيم حارقة..!!! من يدري.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).