Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

رئيس الوزراء المغربي عزير أخنوش
رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش- أرشيف

عبد الرحيم التوراني

في الأعوام الأخيرة عرضت القناة الأولى المغربية سلسلة تراجيكوميدية مقتبسة من التلفزيون الأميركي، تحت عنوان: "ساعة في الجحيم". وهي من إنتاج إحدى الشركات المحسوبة على فيصل العرايشي، الذي يرأس منذ 23 عاما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون. وتلك قصة أخرى.

وما جرى لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، يوم السبت 16 يوليوز 2022 ، في مدينة أغادير الساحلية، حدثٌ قابل لتحويله حلقة ناجحة من حلقات "ساعة في الجحيم". وملخص السيناريو المنتمي لبرامج "تلفزيون الواقع"، هو عندما يفاجأ رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، بعاصفة من الاحتجاجات، رفعت في وجهه أشهر شعار صدحت به الجماهير خلال انتفاضات الربيع العربي: "أخنوش ارحل".

لم يوفق المنظمون في السيطرة على الغضب الجماهيري، ولا كان بإمكان رفع أبواق الموسيقى الزاعقة التغطية على الهتافات المتعالية ضد "نهب وسرقة جيوب المواطنين".

كانت مفاجأة مفزعة ولا شك، لواحد من أثرى أثرياء أفريقيا، يعد ثاني أغنى رجل في المغرب بعد الملك محمد السادس، وقد ترك أعماله المهمة ووصل لافتتاح أكبر مهرجان فني بجهة "سوس ماسة درعة"، الجهة التي طالما أخبر أنه يعتز بالانتساب إليها، فهو إضافة لرئاسته الحكومة، عمدة لبلدية أغادير عاصمة الجهة. لذلك لم يصدق ما رأته عيناه وما سمعته أذناه.

وربما فكر في التريث وفي الصمود قليلا بانتظار مرور العاصفة، حتى يتمكن من إعطاء إشارة انطلاق فعاليات المهرجان، الذي يحمل اسم "تيمتار"، ومعناها بالأمازيغية: "علامات".

لكنه سيتلقى علامة مختلفة وإشارة بالانسحاب السريع، فنزل من فوق المنصة مهزوما. وليست هناك عبارات أوضح تعكس حقيقة ما حصل، سوى ما سجلته كاميرات الهواتف من مشاهد تم تقاسمها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

غضب جماهير "تيمتار" لم يقتصر على الاحتجاج ضدارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، ولكن لأنه في تلك الساعة التي توجه فيها أخنوش لحضور مهرجان، كان مواطنون يكتوون بالحرائق في شمال البلاد، وقد أودت النيران بحياة عدد منهم، والتهمت مساحات غابوية ومزارع، وتسببت في نفوق قطعان مواشي. 

حسب أغلب التعليقات، فإن "عين العقل، كان أن يتوجه رئيس الحكومة إلى المنطقة المنكوبة، للتعبير عن تضامن حكومته مع الضحايا، والوقوف إلى جانبهم ومواساتهم، والإعلان عن اتخاذ جملة من التدابير الفورية والقرارات الحازمة من أجل التخفيف عنهم". وهذا ما قام به مسؤولون في عدد من الحكومات الديمقراطية في إسبانيا وفرنسا والبرتغال وبريطانيا، وغيرها من البلدان التي تضررت من "حرائق الصيف"، وليس الذهاب إلى تجمع للرقص والغناء". 

واعتبر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، أن ما قام به أخنوش بمثابة سلوك استفزاي متهور يوضح إصرار حكومته على المضي نحو مزيد من الاستهتار بمطلب عقلنة أثمنة المحروقات، ليصبح ثمن الغازوال 7 دراهم، والبنزين 8 دراهم، وهو الثمن الذي كان عليه قبل تعيين أخنوش رئيسا للحكومة.

إلا أن الحكومة تمادت في التزامها صمت القبور، ولم تتخذ أي تدابير عملية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل وضع اجتماعي يتدهور بوتيرة متزايدة منذ انتشار وباء كورونا.

وبحلول تاريخ اليوم، يكون قد انقضى أسبوع كامل على (واقعة طرد أخنوش)، ولم يصدر عن الحكومة رد فعل مقنع يشرح حقيقة ما حصل، ويدفع اتهامات فاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين، يعتبرون الحكومة الحالية "حكومة تضارب المصالح، تخدم اللوبيات وليس المواطن".

كان طبيعيا أن يكبر حجم صرخة المواطنين ضد حكومة أخنوش، بعدما انتشرت بشكل واسع تصريحات مصورة أدلى بها الخبير الاقتصادي د. نجيب أقصبي، أوضح فيها أن سعر البرميل من البترول على الصعيد الدولي، عاد إلى المستوى الذي كان عليه قبل اندلاع حرب أوكرانيا. وهو ما يجب أن يرجع سعر المحروقات في المغرب إلى سعره القديم. وأن زيادة أربعة أو خمسة دراهم في سعر الليتر الواحد غير مبررة، ويمكن اعتبارها أرباحا فاحشة.

كما شدّد الخبير الاقتصادي على أن مطلب إعادة تنشيط مصفاة (الشركة المغربية المجهولة الاسم للصناعة والتكرير) "سامير"، ليس لأنها "معلمة تاريخية أو شركة وطنية، بل لقيمتها المضافة، وكونها أداة وجزء مهم من الحل لخفض الأسعار".

في نفس السياق يرى الخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني مسؤول "ترانسبارنسي- المغرب"، أن ما أثار التذمر والاستنكار أكثر، هو خصخصة مصفاة "سامير" في 2015، ووضعها في حالة إفلاس بعد سنة، رغم كونها المصفاة الوحيدة، وبذلك تم تحرير الأسعار في محطات البنزين، واغتنام 15 شركة مختصة في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية الفرصة لرفع الأسعار كلما ارتفع سعر برميل النفط، مع حرصها الشديد على عدم خفض الأسعار عندما تتجه في الاتجاه المعاكس على المستوى الدولي".

في الوقت الذي تحرص فيه الحكومة على عدم نشر بنية أسعار المحروقات، من الشراء إلى البيع، فإن ذلك يدل"على عدم الشفافية، بل إنه يدل على وجود تجاوزات فظيعة"، كما يؤكد أقصبي، هي "التجاوزات الفظيعة" ذاتها التي تكلم عنها المندوب السامي للتخطيط أحمد لحليمي، وإن لم يسمِّها، لكنه عبّر عن أسفه لتراجع المغرب بحوالي "تسعة عشر عامًا في الكفاح ضد التفاوتات الاجتماعية".

وباستثناء بعض من "تطوعوا" لمهمة الدفاع عن شخص أخنوش وحكومته، أو من تلقوا الإشارة، من جماعات"كَارِي حَنْكُو"، أي مؤجري ألسنتهم الطويلة، كما يوصفون بالدراجة، وهم ثلة من ممتهني التطبيل والتزمير (بالمقابل طبعا)، يصنفون ضمن "الذباب الإليكتروني"،حين تفتق خيالهم على الادعاء بأن "الأشباح"والحسابات المزيفة وراء انتشار "الهاشتاغ" المشار إليه والذي تصدر "الترند" المغربي. متناسين أن حملة الغضب العام، لم تكن فقط ضد من يرأس السلطة التنفيذية اليوم، بل أيضا باعتباره المحتكر رقم واحد في عموم البلاد لقطاعات البترول والغاز والكيماويات، وهو من يتحكم في أسعارها. ومتناسين المسيرات الشعبية الحاشدة التي نظمتها الجبهة الاجتماعية المغربية، وقد عمّت مختلف جهات ومدن البلاد، وبلغت أربع مسيرات كبرى منذ وصول أخنوش لرئاسة الحكومة في سبتمبر الماضي، وقد رفعت لافتات وشعارات تندد بالغلاء الفاحش وبسياسة تكميم الأفواه وإصدار أحكام قاسية بالسجن ضد صحفيين وحقوقيين ومدونين، وطالبت بإسقاط اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل".

موظف من الرباط لخص ما يحدث بالبلاد في "عدم الرفع من مستوى القدرة الشرائية للمواطنين". لذلك تطرح التساؤلات: كيف تنخفض نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نطاق 1.5 - 1.7 بالمئة، خلافا للتوقعات التي وعد بها أخنوش، أي 3.2 بالمئة بموازنة العام الحالي، في الوقت الذي ارتفعت فيه أرباحه الخاصة وأرباح زوجته سلوى أخنوش، خلال توليه رئاسة الحكومة؟ إذ رصدت مؤسسة "فوربس الشرق الأوسط" أسباب زيادة ثروة خنوش، إلى جانب تغير الوضع الاقتصادي في المغرب منذ توليه زمام الأمور كرئيس للحكومة، وأن ثروته وزوجته زادت بقيمة 100 مليون دولار خلال هذا العام. في الوقت الذي يعاني فيه المغرب من أزمة وتحديات اقتصادية كبيرة.

بهذا الصدد يؤكد حقوقيون "إن الأمر يتجاوز تداعيات الجفاف وأزمة كورونا والحرب في أوكرانيا، التي تبرر بها الحكومة الأزمة، ليتبين أن الحقائق لها صلة وثيقة بزواج المال والسلطة، على حساب المجتمع والمواطنين، وبتضارب المصالح لدى من يتولون مراكز القرار".

***

في 2020، دشن رئيس التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش حملة انتخابية سابقة لأوانها، بإشرفه على توزيع إعانات غذائية خلال شهر رمضان، بواسطة جمعية باسم "جود"، وحرص على زرع بطاقة الانتساب إلى "حزب الحمامة" داخل كل قفة مساعدة. 

وفي الحملة الانتخابية النيابية لسبتمبر 2021، أطلق شعاره المثير والملتبس: "تَتْسَاهْلُو أكثر/تستحقون أكثر...!". ثم مضىعلى وتر غضب الناس واتجاههم لمعاقبة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي رأس الحكومة فترة ولايتين متتاليتين.

وعمل أخنوش على الظهور بقبعة الليبرالي، الحريص على تحقيق "الدولة الاجتماعية الراعية". ولم ينس الاستفادة من المرشحين الأعيان، باستقطاب بعضهم واستعارة آخرين من أحزاب مختلفة.

وبعد تعيينه رئيسا للحكومة، استفاق المواطنون بأن وعود صاحب "الحمامة" (رمزه الانتخابي)، كانت فقاعات هواء فارغة. أحدهم عبر بمرارة تنزف سخرية "إن الرجل لم يكن كاذبا، ألم يقل لنا "إنكم تستحقون أكثر"، وهو بهذا كان يؤول الآية القرآنية على طريقته: (وإن شكرتم لأزيدنّكم)، وبما أننا من الشاكرين، بالرغم من أوضاعنا المتأزمة، ازدادت أزمتنا تدهورا على تدهور، وهذا ما نستحقه، وهذا هو المعنى الصريح لشعار أخنوش: (تَتْساهْلو أكثر)".

مرة أخرى وجد أخنوش نفسه أمام غضب عنيد، يتقن أصحابه توظيف سلاح العنف السلمي عبر وسائط التواصل الرقمي. ففي 2018 سجلت حملة مقاطعة اقتصادية لمواد استهلاكية، نجاحا غير مسبوق بالمنطقة، عربيا وافريقيا، وكانت استهدفت من بين مواد أخرى، مقاطعة محطات وقود "أفريقيا" لصاحبها "وزير البر والبحر" (تولى أزيد من عقدين شؤون وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه للغابات). لكن الرجل لم يستوعب الإضرار بتجارته، فرفع أصبعه مهددابإعادة "التربية" لمن تنقصه (من منخرطي حملة المقاطعة الاقتصادية). ما خلف موجة عالية من السخط والغضب والسخرية ضده.

وربما كانت المهمة الأولى لأخنوش، هي تلقين المواطنين الاستسلام للأمر الواقع، وأن عليهم الإيمان بالقول السائر المنسوب خطأ للرسول: "كيفما كنتم يولى عليكم"، لكن المواطنين المغاربة أثبثوا باستمرار أنهم ضد الفساد والظلم والطغيان، وأنهم لا يستحقون الحكومات التي تعاقبت عليهم، وضمنها "حكومة التناوب" التي رأسها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، التي يحاول البعض تسويقها كحكومة وطنية "رشيدة"، لكن الحقيقة أنها كانت مجرد آلية لانتقال الحكم من ملك إلى ملك بالسلاسة المطلوبة. 

وقد وصفها المفكر عبد الله العروي بما تستحق،في كتابه "خواطر الصباح"، عندما سماها "الحكومة السلطانية".

أما من يريدون اليوم خطف نجاح حملة الهاشتاغ الأخيرة ونسبها لرئيس الحكومة السابق الإسلامي عبد الإله بنكيران - الذي هو نفسه يتفاخر بذلك بين محازبيه- فهم مخطئون،

فالرجل باع ما لديه من ذرة مصداقية مفترضة في سوق النخاسة السياسي، ولم يعد مختلفا عن بقية المهرولين صوب خدمة المخزن، خصوصا بعد استفادته من معاش استثنائي ملكي، لا مثيل له فوق الأرض. وبعدما أزعجته الانتقادات طالب من "المنغصين" أن يغضوا الطرف ويكفوا، وإذا لم يستطيعوا نصحهم بتوقير واهب العطاء السخي الممنوح له. 

ويرى بعض المراقيبن أن بنكيران، وهو واقع تحت تأثير وهم كبير، بأن التطورات المنتظرة قد تحتاج إليه، تماما كما حدث إثر انتفاضة "حركة 20 فبراير"2011، عندما استغل الحدث وحقق من ورائه ما لم يكن يحلم به على الإطلاق. وربما يخطر بباله أنه سيعيدها ثانية، هذه هي مرجعية تلويحه المستمر بأن "الربيع العربي" لم ينته، خاصة أن التقارير تصنف المغرب إلى جانب مصر وتونس ولبنان، في قائمة إعادة "الحالة السيرلانكية".

كثير من المعارضين يرون أن جلباب الحكومة أوسع وأكبر من حجم عزيز أخنوش، كما يشككون في نجاحه في عالم المال والأعمال، بالقول إن ذلك حصل بسبب علاقته بالسلطة وصداقته للملك، ما مكنه من تفويت قطاع المحروقات لفائدة شركاته. 

كما أنه لم يوفق في نهج سياسة تواصلية ناجحة، لا على صعيد الحزب الذي هبط عليه بمظلة طائرة، ولا على مستوى الشأن الحكومي الذي انخرط فيه منذ أزيد من عقدين، حتى أنه يعد من أقدم الوزراء في مغرب اليوم.

ويبدو أن أخنوش، رغم استثماره منذ عقود في مجال الصحافة والإعلام، إذ يملك صحفا ومجلات وشركات إشهار، أثبت فشله في مجال التواصل، كما ظهر عاجزا عن قراءة سليمة لنص مكتوب باللغة العربية الفصيحة، فلو حصل ذلك مثلا لوزير فرنسي أساء للغة الفرنسية كما فعل أخنوش للغة العربية لتم إبعاده. ولم تفد اجتهادات فريق التواصل الخاص به سوى في تأجيج الغضب الشعبي أكثر، إذ زاد الإقبال على انتشار شرارة هاشتاغ "ارحل أخنوش". 

لكنه لن يرحل، ما دامت أعلى سلطة في البلاد ترغب في بقائه. فإثر إعلان فوز حزبه في الانتخابات الأخيرة، بشرنا أخنوش بأن "الديمقراطية انتصرت"، بينما العالم يدرك أن المركز الحقيقي للسلطة في المغرب في يد الملك، وأن الملك هو أبرز فاعل سياسي واقتصادي في البلد.

"الجحيم هم الآخرون"، عبارة سارتر المشهورة، ربما يحورها أحدهم الآن إلى "الجحيم هم المُحْتَجُّون والمحتاجون". وهو ما لا يجادل فيه الفقراء والمفقرين، لأنهم يحترقون بنيران الأسعار وباضطرام الأوضاع، وقد تحولوا إلى قطعة من جحيم حارقة..!!! من يدري.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب
التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب

حسين عبد الحسين

قبل عشرين عاما، بدا الطغيان قدرا محتوما على العرب. كان مفهوما أن يورث ملكا الأردن الحسين والمغرب الحسن عرشيهما لابنيهما عبدالله ومحمد. لكن لم يكن مفهوما أن تتحول أنظمة الطغيان الثوري إلى جمالك (جمهوريات ممالك) مع انتقال رئاسة حافظ الأسد السوري لولده بشّار واعداد حسني مبارك نجله جمال لوراثة الرئاسة المصرية. ومثلهما كان طاغية العراق صدام حسين يعدّ ابنه قصي لوراثته في مجلس قيادة الثورة ورئاسة البلاد، بعدما تبين أن بِكره عدي فاشل.

ثم اجتاحت الولايات المتحدة العراق وبدا أن الليل العربي بدأ ينجلي وأن القيد بدأ ينكسر.

قبل حرب العراق، أمضت النخبة العربية عقودا وهي تهاجم الولايات المتحدة لدعمها طغاة العرب الذين يبقون الدول العربية متخلفة. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، اعتقدت أميركا أن الطغيان يولّد البؤس، وأن البؤس يولّد الارهاب الذي يصل شواطئها، فقررت إعطاء العراقيين فرصة لبناء ديمقراطية.

الشعب الأميركي لا يهتم كثيرا لشقاء العرب ولا يرى مبررا لإنهائه الذي يكلف الأميركيين أموالا ودماء. لأقناع الأميركيين بضرورة الحرب في العراق، اضطرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش إلى تضخيم خطر صدام بإعلان أن بحوزته ترسانة أسلحة دمار شامل. لم تكترث واشنطن لمصداقيتها لأنها ظنّت أن نتيجة التغيير في العراق كانت ستكون إيجابية حتما لأن في العراق شعب يعجّ بحملة الشهادات والكفاءات، وثروة نفطية ضخمة يمكنها تمويل إعادة البناء والتنمية.

جاءت القوة الأميركية بجبروتها لتبدأ عملية التغيير العراقي، فاكتشفت أميركا والعالم أن العرب ليسوا بحاجة لتغيير حكامهم فحسب، بل لتغيير ثقافتهم التي لا تسمح للحريات الفردية ولا تفهم معنى المواطنية. اكتشفت أميركا أنه يستحيل بناء دولة ديمقراطية مع أفراد لا يرون أنفسهم مواطنين، بل أعضاء في قبائل لكل منها زعيم، ما يجعل الدولة مجلس قادة قبائل. والقبائل هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل هي شبكات ريعية يقودها قبضايات يقدمون الرعاية المالية والأمنية لتابعيهم، مقابل ولاء التابعين الأعمى لزعمائهم.

مع اكتشاف أميركا الخواء العربي، وسيطرة الثقافة القبلية التي تمنع قيام دولة حديثة، سعت واشنطن لإعادة تركيب العراق كيفما اتفق، غالبا بتكرار النموذج اللبناني الفاشل حيث يتقاسم الزعماء موارد الدولة ويثرون، ويوزعون بعض المغانم على الأزلام والمحاسبين، الذين يضمنون إعادة انتخاب الزعيم وبقائه في الحكم. كل ذلك يتم في غياب الحريات، تحت طائلة التصفية الجسدية لأي معارضين لا ينتمون لأي واحدة من شبكات الزعماء الحاكمين.

في لبنان، اغتال "حزب الله" رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حسب محكمة الأمم المتحدة، فأدى ذلك لاهتزاز وانسحاب قوات الأسد من لبنان بعد ثلاثة عقود على احتلاله وحكمه. ومثل العراق، لم تؤد فرصة التغيير التي سنحت للبنانيين برعاية دولية الى تغيير، بل انتقل لبنان من طغيان الأسد الى طغيان زعيم "حزب الله" حسن نصرالله.

تكررت مشاهد الفشل في الانتقال إلى الأفضل في كل الدول التي طالها الربيع العربي بعد ذلك، وأن بوتيرة متفاوتة. في تونس، أطاحت الثورة الشعبية بزين العابدين بن علي، فغرقت البلاد في شلل دام عقد إلى أن تسلّق استاذ جامعي الحكم على سلّم الديمقراطية، ثم وصل الحكم فعدّل الدستور ونصّب نفسه حاكما أوحدا ودائما.

وفي مصر، أدى نسف الجيش لعملية توريث جمال مبارك لانقسامه الى أجنحة. في فترة انقسام الجيش، انتخب المصريون محمد مرسي وحزب "الإخوان المسلمين" حكاما. لكن على غرار الانتخابات العربية المشابهة، بدا أن الإخوان تسلقوا سلّم الديمقراطية لتغيير شكل الدولة وتحويلها الى ثيوقراطية تمارس الانتخابات وانما بدون أي تقبّل للحريات العامة أو الفردية.

وكذلك في الجزائر، حيث أطاحت ثورة بحكم عبدالعزيز بوتفليقة واستبدلته بأشباه له. أما ليبيا واليمن، فأدى التغيير الى حروب دموية طاحنة لم تلق وزرها حتى اليوم. وفي السودان، أدت الثورة إلى تلاشي الدولة التي كانت تقوم على أجهزة استخبارات عمر البشير.

في لبنان، قامت ثورة مجددا ضد الانهيار الشامل للدولة والاقتصاد. لكن على عكس ثورات العرب التي سبقتها، لم تنجح ثورة 17 تشرين اللبنانية في كسر القائم، فتحولت إلى انتفاضة انتخابية صغيرة، وحتى هذه، أنتجت نوابا تغييريين نصفهم يحسدون السياسيين الحاكمين ويتمنون أن يحلّوا مكانهم في رئاسات الجمهورية والنواب الحكومة. ومثل اللبنانيين قام العراقيون بثورة لم تنسف الحكم، ولا قدمت أفكارا خلاقة ولا خطط تغييرية قابلة للحياة، فقط اجترار للأفكار المتداولة الفاشلة نفسها.

بعد عشرين عاما على حرب العراق، و12 عاما على الربيع العربي، وبعد ثلاثة أعوام على ثورتي تشرين اللبنانية والعراقية، صار مؤكدا أن نسف القائم في دنيا العرب لا يؤدي لاستبداله بما هو أفضل منه، بل أن القائم صار يبدو أفضل، على علّاته، على حسب القول المشرقي القائل "خلّيك على قديمك فجديدك لن يدوملك". 

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب، وما لم تتشرب الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وهي ثقافة يتصدرها تقديس الحرية الفردية، خصوصا حرية من يخالف رأينا، وفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني رأيا واحدا لكل المواطنين، بل تعني التفافا حول الدستور الذي يسمح بتعدد الآراء، وإدراك أن من يخالفنا الرأي ليس خائنا، وأن رأينا ليس مقدسا، ولا صحيحا، ولا ثابتا.

كما لن تقوم قائمة للعرب قبل إدراكهم أن الانتخابات تنيط بالمنتخبين فرض سياسات، ولكنها لا تسمح لهم بتغيير شكل الدولة، ولا بفرض هندسة اجتماعية، ولا بتعديل شكل الحيز العام حتى يشبه الغالبية دون الأقلية.

ولن تقوم دولا عربية حديثة ما لم يدرك العرب أن الأكثرية والأقلية هي في الرأي السياسي فحسب، لأن الرأي يمكن أن يتغير بحسب نتائج السياسات التي تمارسها الغالبية، فتخسر التأييد والحكم ما لم تقدم النتائج المرجوة. أما ربط الأكثرية والأقلية بالمذاهب والأعراق، كما في لبنان والعراق، فيقضي على الديمقراطية لأنه يخلق أكثريات وأقليات ثابتة في الحكم وغير قابلة للمحاسبة انتخابيا في حال فشلها.

مع تعذر امكانية بناء دول عربية حديثة، يصبح الأجدى التمسك بأي ما من شأنه أن يقدم سياسات وحياة أفضل للعرب. نموذج الإمارات والبحرين والسعودية ليس ديمقراطيا، ولكنه يقدم نتائج أفضل بكثير من أنظمة العرب الثورية وجمالكهم، إلى أن يغير الله في قوم ويغير ما في أنفسهم وتصبح الديمقراطية ممكنة، لا في قصور الحكم، وإنما في نفوس الناس وثقافتهم.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).