Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

محمد المحمود

منذ أكثر من قرنين، والإنسان العربي يبدو حائرا، بل تائها، بل مُمَزَّقا، في مسار اضطراره للحسم في الخيارات الثقافية/ المبادئية المتاحة له، أو تلك التي يَتوهمها متاحة له؛ بينما هي ـ على حَدِّ واقعه الثقافي والعيني ـ من جُمْلة المستحيلات بحقه، تلك المستحيلات التي تُرَاودها الأماني على وقع طبول الأقوال؛ فيما تعجز عنها الوقائع على معيار تحدّيات الأفعال. 

الإنسان العربي حائر، وعاجز لأنه حائر، أو حائر لأنه عاجز، أو هو هذا وذاك في آن. إنه يَبدأ فيُعِيد، يُقْدِم فيَنْدم، يتقهقر فَيَتَحَسَّر؛ يَلعن واقعه الذي هو ثمرة وَعْيه، ثمرة خياراته أو حيرته في اختياره، فيما هو يعجز عن لعن ماضيه الذي صنع واقعه، وأزَّمَ وعيَه، وحَدَّ من خياراته؛ إنه يغضب على الآخَر، فيما هو يُعبِّر حقا عن غضبه على الذات؛ إنه يفخر بأسلافه ويُمَجِّد تاريخَه؛ فيما هو يُنَفِّس تِجَاهها ـ وعلى مستوى غير واعٍ ـ عن احتقار مكتوم.

بل إلى الآن، لم يستطع هذا الإنسان العربي تحديد "مستهدفاته الأساسية" على نحو واضح. إنه لا يدري: هل يريد العيش في عالم إنساني مُتَحضِّر تسود فيه قيم الحرية والعدالة والمساواة؟ أم هو يريد رغيفا وكساء ومركبا ومسكنا؛ مع الاحتفاظ بأنماط عيش أسلافه الغابرين؟ هل يريد التقدّم في مدارج الرقي الإنساني (من حيث هو تقدّم وَعْيٍ يعكس واقعا)؛ ليخلق بهذا واقعا مغايرا لواقع الأسلاف؟ أم هو يريد "التقدم" في ابتكار أنماط جديدة لاستهلاك أكبر قدر من المشروب والمأكول والملبوس والمركوب (من حيث هو "تقدّم" واقعٍ يعكس وَعْيا)؛ لِيُعِيد إنتاج واقع أسلافه بصورة أخرى، ولكن بذات الأنساق الثقافية الناظمة؟ 

طوال أكثر من قرنين من مُحَاولات استلهام قيم الحضارة؛ يحق لنا أن نسأل: ما "المُتَغيِّر الحقيقي" الذي يعكس تقدما حقيقيا في وعي العرب الكلي (= أنساق الثقافة العامة)، وبالتالي؛ يتجلى منعكسا في واقعهم؛ متجاوزا البدهيات الأولى لمتطلبات الجسد المادية؛ إلى آفاق متطلبات العقل والروح؟

مَن يُحاوِل مُقَارَبة الأمور من خلال هذه الأسئلة وما شابهها، لا بد وأن يبدو متشائِما، خاصة وأن أسئلة الثقافة العربية لا تبرح مكانها في العقود الأربعة المتأخرة، بل قد ارتدت ـ في حالة انتكاسة وعي ـ عقودا إلى الوراء، وفي بعض مساراتها انتكست قرونا.

لا تزال الجماهير العربية البائسة تبحث عن مُغَذِّيات وعيها في مخازن التخلف والتطرف: عند سدنة التعصب الديني والانغلاق الثقافي. لا يزال الجاهلُ، ومُروِّجُ الخرافة، ومُعَادي العلم الحديث، والمُتَهَكِّمُ بالإرث الحضاري التنويري للحضارة المعاصرة، والضارب على أوتار نظريات المؤامرة، والمُمجّد لتراث الأسلاف، والتكفيري، والقومي الشوفيني الذي يتحدث عن وطنه وعِرْقِه بمنطق القبيلة...إلخ، لا يزال هؤلاء هم الأكثر استقطابا للجماهير، ومن ثَمَّ؛ الأشد حسما في تحديد خياراتها، سواء في الآني والخاص، أو في المؤجل والعام.

إن كل مظاهر العصرنة التي نراها اليوم، كل ما يبدو طافحا على مسلكيات الإنسان العربي من مظاهر تُوْهِم بِتَجاوزِ وعي الأسلاف على مستوى الوقائع العينية، مجرد قشرة باهتة، يكمن تحتها وَعيٌ تُراثي يفرض قوانينه، ويُحِيل حتى تلك الوقائع العينية المُحَدْثَنَة ـ يُحِيلها في ذات مسارها أو في مُسْتَهدفاتها ـ إلى وقائع داعمة لمواريث عصور التخلف والانحطاط، تلك العصور التي يتوهم الوعي العربي الراهن أنه قطع معها، بينما هو يستولدها من جديد بحياة مستأنفة، حياة نشطة هي أشد قوة وأكثر خصوبة في مقدرتها على استزراع وَعْيها الانحطاطي.   

لهذا، كانت مقولة "الأصالة + المعاصرة" الرائجة في الجدل الثقافي العربي مقولة مخاتلة، بل مخادعة. هي محاولة للجمع بين المتضادات، مع استحالة الجمع. ما يعني أن المقصود: تمويه المعاصرة لحساب الأصالة، أي إلغاء المبادئ الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة (والتي هي الحضارة الكونية، الحضارة بالمطلق)، لصالح الإبقاء على المبادئ/ القيم التراثية المطروحة كتعبير عن "الأصالة". فمثلا، تُلْغى الفردانية، لحساب المجموع، وتُذَاب حرية الأفراد الواقعية، في محيط حرية المجموع الوهمية، وهكذا دواليك في سائر المبادئ. 

إن مقولة "الأصالة"، وتحديدا على مستوى الخيار الواعي، ليست أكثر من تعبير انتمائي عن إرادة الارتباط بالأصول الثقافية. بينما هي على مستوى الخيار اللاَّواعي، تعبير عن إرادة رفض المدنية المعاصرة، تعبير عن المفاصلة مع أهم القيم الأساسية للحضارة الكونية؛ لصالح مألوفات الذات المستمدة من التراث القديم.

قد تبدو اليوم مقولة "الأصالة" مُنْهَكة، خائرة القُوَى، بل تبدو وكأنها تتوارى عن المشهد؛ لصالح مظاهر عصرانية ذات حيوية باذخة، تتماهى مع مثيلاتها في العالم المتقدم. لكنها ـ في واقع الأمر ـ تتجاوز تمظهراتها التقليدية، مُتَقَنِّعةً بهذه المظاهر المُمَوّهة التي لا ترفع شعارات المعاصرة؛ إلا من أجل ضمان استمراريتها فاعلة في كل خيارات الجيل العربي الحديث. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).