Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

هناك إيرانيات لا يردن هذا الحجاب
هناك إيرانيات لا يردن هذا الحجاب

عمران سلمان

كثيرون ينتقدون فرنسا لأنها تمنع لبس الحجاب في المؤسسات وأماكن العمل التابعة للدولة، لكنهم بالكاد يتذكرون أن إيران تفرض الحجاب قسرا وبصورة إلزامية على جميع النساء منذ عقود.

مع الفارق أنه في حالة فرنسا فالمنع يطال فئات معينة من النساء وليس جميع النساء كما أنه محصور في مؤسسات الدولة فقط وليس في الفضاء العام، بالتالي فالأمر يحتمل النقاش، بينما في إيران يتعين على جميع النساء أن يلبسن الحجاب في أي مكان خارج المنزل، ومن لا تفعل تتعرض للعقاب وربما ما هو أسوأ من ذلك على أيدي عصابات شرطة الأخلاق والموتورين ومن شابههم من أجهزة ومؤسسات قمعية.

بالطبع هناك إيرانيات مقتنعات بلبس الحجاب وهناك أيضا إيرانيات لا يعارضن لبسه، لسبب أو لآخر، لكن يوجد كذلك إيرانيات لا يردن هذا الحجاب، بل ويعتبرنه شيئا بغيضا ولا يفهمن كيف يمكن للسلطات الإيرانية أن تبرر فرضه في هذا العصر الذي نعيش فيه.

ولذلك ينتهزن كل مناسبة تتاح لهن لتذكير هذه السلطات وتذكير العالم أيضا بأنه ليس جميع الإيرانيين يتفقون مع التوجهات الدينية للسلطة، وإنه حين يتعلق الأمر بالنساء فإن يتعين احترام إرادتهن ومنحهن حرية الاختيار بصورة تحفظ الكرامة والإنسانية.

في 12 يوليو الماضي استجابت العديد من الإيرانيات لنداء نشطاء وجمعيات حقوقية تحث النساء في جميع أنحاء البلاد على نشر مقاطع فيديو لأنفسهن يخلعون الحجاب في الأماكن العامة بالتزامن مع ما يعرف في إيران بـ"يوم الحجاب والعفة".

وبالفعل قامت عشرات النساء ورغم خطر الاعتقال بتسجيل مقاطع فيديو في الحدائق وشوارع المدن وحتى على الشاطئ يظهرن فيها دون حجاب وبعضهن يرتدي قمصاناً صيفية وسراويلاً قصيرة.

هذه الوقفة الاحتجاجية لم تكن ضد الحجاب نفسه، ولكنها كانت ضد جعل ارتدائه إجباريا من قبل السلطات الإيرانية. وهذا فارق جوهري. فالأصل أن الحجاب أو أي لباس آخر هو حرية شخصية، ولا يجوز التعلل بالنصوص الدينية أو غير الدينية لفرضه. والحرية هنا هي ليست في لبسه فقط ولكن في عدم لبسه أيضا.

وهذا يعني عدم فرضه على الطفلات والمراهقات وترك حرية الخيار في لبس الحجاب من عدمه لهن بمجرد أن يبلغن السن القانونية. لأن فرضه في تلك السن الصغيرة هو بمثابة مصادرة لخيار الفتاة وسلب حريتها في الاختيار لاحقا. والقول بأن ذلك قد تم بإرادتهن هو أمر لا يمكن الاعتداد به، لأن الطفل لا يملك نظاما دفاعيا يمكّنه من التمييز أو الرفض أو إقناع الكبار بعدم فرض ما يرونه هم صحيحا بالنسبة لهم.

والواقع أن المشكلة المتجذرة في مجتمعاتنا لا تتعلق فقط بالحجاب وإنما في النظر إلى المرأة على أنها جزء من ممتلكات الرجل، أو العائلة أو القبيلة أو المجتمع وبالتالي يتصور أن من حقه أن يفرض عليها الطريقة التي يتعين عليها أن تسلكها ونوع اللباس الذي ترتديه والتوقعات التي ينتظرها منها.. الخ.

ولذلك تكثر التعليمات والقيود والفتاوى والأحكام الدينية المتعلقة بالمرأة، وبما لا نجد ما يماثله بالنسبة للرجل.

ولهذا لم يكن مستغربا أن يتحفنا مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية مؤخرا بفتوى غريبة تحدد 5 محظورات قال إنه يجب تجنبها خلال الاحتفالات بعيد الأضحى الأخير.

وأوضح المركز، في بيان (7/7/2022)، على فيسبوك، هذه المحظورات كالتالي: "تناول المحرمات ليلة العيد من المحظورات، خروج الشباب والفتيات إلى المتنزهات غير ملتزمين ضوابط وأوامر الإسلام، خروج المرأة متزينة غير ملتزمة بالحجاب، مواصلة قطيعة أحد الأقارب أو الأصدقاء، وتُكرَه زيارة القبور في يوم العيد؛ لأنه يوم بهجة وسرور".

والسؤال هو لماذا يتدخل الأزهر في حريات الناس الشخصية على هذا النحو وهل الذين يتوجه إليهم بفتاواه هم مواطنون أم رعية؟

إذا كانوا مواطنين فهم مسؤولون أمام الدولة وحدها التي تضع القوانين والتعليمات في مثل هذه المناسبات إذا وجدت حاجة لذلك، أما إذا كنا نتحدث عن رعية ودولة دينية وخليفة وما شابه، فالأمر يختلف حينها.

المؤسف أن مجتمعاتنا والمعتقدات السائدة فيها لا تكتفي فقط بالتصرف تجاه النساء على النحو الذي يجعلهن غير قادرات على التعامل كمواطنات متساويات في الحقوق والواجبات، لكنه يربط شرف وسمعة ومصير الرجال بما تفعله أو لا تفعله المرأة، الأمر الذي يجعلها دائما تحت المراقبة والتقييم والمساءلة.. وأبرز علامة على ذلك هي فرض اللباس عليها كدليل على انضوائها وخضوعها لهذا النظام الذكوري.. بالضبط كما كان الحال قبل أكثر من ألف عام، حيث كان اللباس هو الذي يميز بين الحرّة والأَمَة!

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).