Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998
الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998

عبد الرحيم التوراني

في ربيع سنة 1993، استقبل الحسن الثاني في قصره الملكي بالرباط، نجمة التلفزيون الفرنسي بلا منازع، الإعلامية المرموقة آن سنكلير، برفقة طاقم برنامجها: "7/7"، بحضور وزراء حكومة جلالته، يتقدمهم وزير الداخلية والإعلام إدريس البصري، والمستشار الملكي أندريه أزولاي، الذي كان وراء ترتيب هذه المقابلة التي بثت مباشرة على قناة ""TF1. 

بعد حوالي ثلاثة عقود، ستعود آن سنكلير إلى هذه المقابلة التاريخية، في كتاب صدر لها العام الماضي  بعنوان Passé Composé، (الماضي المركب) ضمن منشورات "غراسي"، حيث استعرضت جوانب من سيرتها الذاتية، وأهم ذكرياتها في "بلاط صاحبة الجلالة". ومما ذكرته، أن تلك الحلقة من برنامجها التلفزيوني حققت نجاحا كبيرا في المغرب وفرنسا. لكن ما بقي راسخا في الأذهان أكثر هو إنكار الملك الحسن الثاني لوجود معتقلين سياسيين في المغرب، ونفيه المطلق أن يكون هناك بمدينة "قلعة مكونة" معتقل سري، بل إنه نصح محاورته، ساخرا من سؤالها، بزيارة سياحية إلى تلك المدينة، لكن السنوات والحقائق أثبتت نقيض ما صرح به الحسن الثاني، حين كُشف عن أهوال معتقل سري رهيب بـ"عاصمة الورود والمركز السياحي الجميل". 

كان آخر سؤال أنهت به سنكلير مقابلتها المثيرة، يهم المستقبل الذي يتصوره الحسن الثاني لحكم المغرب في عهد "ابنه سيدي محمد". قبل الإجابة، حرك الملك عينيه وزمّ شفتيه، وقال إنه يتمنى ألا يكون عهد من سيخلفه سهلا. وأردف إنه إذا كان كذلك، فهذا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى الملك. وسطر ثانية على "أتمنى ألا يكون عهده سهلا..."، بتكراره العبارة. 

يصادف اليوم، السبت 30 يوليو 2022، مرور 23 سنة من حكم محمد السادس، الثالث والعشرون في السلالة العلوية. فهل تحققت تلك الأمنية السلبية للملك الحسن الثاني؟ وهل ما نراه على أرض الواقع هو تأكيد لما أراده وتمناه؟ 

 بعد 23 سنة على رحيله، لم تتطور الأوضاع في المغرب باتجاه الأفضل. رغم كل ما ينثر أحيانا من ورود مجاملات لإعلاميين وسياسيين أجانب على النظام المغربي، حين يصنفونه كـ"نظام مستقر"، إلا أنهم في حقيقة الأمر يدركون أنه "استقرار ناتج عن شراسة القمع العنيف"، كما خلصت إلى ذلك الصحفية آن سنكلير في كتابها المشار إليه.  

فليس مستغربا إصرار الإعلام الرسمي على صباغة الحقيقة، بواسطة التلميع السياسي والمغالاة في الكلام عن "المنجزات والأوراش الكبرى التي شملت مجالات الديمقراطية والحداثة في البلاد، وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستديمة، وإنصاف العمال والفلاحين الصغار، وحقوق الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة، وضمان الصحة والتعليم، واستقلالية القضاء... وأن المغرب مضرب المثل في التنمية الاقتصادية، وفي تكريس ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة"، وما إلى ذلك من الجمل الجاهزة، التي تدخل في حملات تسويق خطاب الارتياح، لكن لا أحد يصدقها.    

هكذا تلوك ألسنة الخشب أسلوبا مقتبسا من أشهر وزير إعلام عرفه القرن الماضي (غوبلز)، لخصه في: "اِكذب، ثم اِكذب حتى يصدقك الناس". رغم أن هذه التقنية باتت مفضوحة في العصر الرقمي، بانتشار المعلومة وتوفرها بشكل واسع ومتاح، هكذا يجري التعتيم على المناطق المظلمة، والتستر على التضييق على الحريات، وعدم اتخاذ مبادرات حقيقيية لتصحيح الاختلالات، وتحسين ظروف العيش الكريم للمواطنين. 

*** 

في السنوات الأولى من حكمه، انتعشت آمال المغاربة بحدوث تغيير إيجابي عميق، والأمل في مواصلة الملك الجديد للإصلاحات التي قام بها والده في سنواته الأخيرة. أيامها حمل محمد السادس لقب"ملك الفقراء"، وأنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبعد أن ساد الاعتقاد أن المغاربة قطعوا مسافات بمنأى عن تكرار تلك الممارسات الفظيعة، ما لبثوا أن فوجئوا بتنشيط الماكينة القمعية، باعتقال وتنكيل وسجن المحتجين من نشطاء الانتفاضات الشعبية، وزجر ومحاكمة صحفيين ومدونين.  

كان إحياء صادما لـروح "سنوات الرصاص". وحسب العبارة الشهيرة: "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، وفي الحالة المغربية تتجلى المهزلة ساطعة، إذ لم يعد بإمكان المعارضين والنشطاء الحقوقيين أن يحظوا بمجد اتهامهم بـ "ارتكاب جريمة" حرية الرأي وحق التعبير، بعدما أصبحت تلفق لهم ملفات مستنسخة يتم تكييفها بتهم لاأخلاقية، وتجري "إدانتهم في قضايا جنائية، أغلبها "اعتداءات جنسية"، وسط حملات تشهير شرسة تطال حتى عائلات المستهدفين، و"مراقبة مباشرة"، أو "عبر كاميرات مخبأة في البيوت" و"برمجيات تجسس" رقمية، وغير ذلك من الأساليب التي وصفت بـ"تقنية القمع" في المغرب، كما جاء في آخر تقرير  صدر قبل أيام عن المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش". 

كان لافتا أهمية المضامين الإصلاحية التي تحفل بها خطب الملك محمد السادس، بدءا من خطاب "المفهوم الجديد للسلطة"، مرورا بـ"خطاب تاسع مارس 2011" حول الاستجابة لبعض مطالب "حركة 20 فبراير"، إلى خطاب "أين الثروة؟"، ثم خطاب "فشل النموذج التنموي". ما جعل المراقبين ينعتون محمد السادس بتجاوزه للأحزاب المترهلة، وبأن الملك يسير بسرعة أكبر من سرعة الطبقة السياسية في البلاد.  

لكن إذا ما بحث المرء عن مدى تأثير تلك "الخطب الملكية السامية"، فقد لا يجد شيئا ذا أهمية من تلك المعاني على أرض الواقع. فالفقراء يزيد فقرهم، وأرتال العاطلين عن العمل تتعزز بشكل مطرد، والظلم الاجتماعي بادٍ على الملامح ويثقل الصدور.  

لقد حرصت اللجنة الملكية التي أعدت دستور 2011 على إقرار "ملكية يسود فيها الملك ويحكم"، بين يديه كل السلط، بخلاف المطالب التي دعا إليها يساريون وحقوقيون وشباب من "حركة 20 فبراير"، ممن ينشدون ملكية برلمانية، توازي الملكيات الديمقراطية في إسبانيا وبريطانيا وغيرها. إلا أن معدي الدستور الجديد الممنوح، كانت مهمتهم التركيز على "استعادة الهيبة" للدولة، بالمفهوم "المخزني". و"المخزن" اصطلاح لا يستعمل سوى في المغرب، ويفهم على أنه مجموعة من التقاليد والقوانين غير المكتوبة التي تنظم الطقوس والعلاقات المعقدة في القصر، وتحافظ على استقرار الدولة، وتضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.   

لكن في ظل استراتجيات التهميش والتفقير، ترتفع نسب التجهيل والأمية بأنواعها، وتنمو البطالة والهجرة غير الشرعية، ويتم المحو التدريجي للطبقات الوسطى، ليصبح التشكيل الاجتماعي مكونا من نخبة قليلة جدا من عائلات تسيطر على الثروات، والملايين من "الناس اللي تحت"، يصارعون من أجل تأمين أبسط ضروريات العيش، أو في أقبية الحضيض منحشرين في القاع تحت عتبة الفقر. 

ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل التي تعكس حقيقة بعض ما أتينا على ذكره، فأحلام التغيير طلعت كوابيس من صناعة نفوذ لوبيات المصالح والفساد المتسربة في أجهزة الدولة، ومن نسيج ممارسات النهب والرشوة والتهريب، وشبكات المخدرات المدعمة من طرف جهات في هرم المسؤولية. 

ولإعطاء صورة راهنة عن مغرب محمد السادس، نكتفي بالكلام عن أغنى رجل في المغرب بعد الملك، غارق في الصفقات النفطية عبر شركته "إفريقيا غاز"، أكبر سلسلة محطات وقود في البلاد، التي يراكم بواسطتها أرباحا باهظة، إذ هو محتكر قطاع المحروقات، رئيس الحكومة الحالية، رجل الأعمال عزيز أخنوش (61 سنة)، من يتعنت اليوم في الاستجابة للمطالب الشعبية بتخفيض أسعار الديزل والبنزين، رغم عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية. وبدل امتصاص الاحتقان، يزعم أخنوش أن من يطالبون برحيله هم "أشباح وحسابات فيسبوكية مزورة". وأضاف أعضاء قياديون من حزبه التجمع الوطني للأحرار، أن أخنوش وصل بفضل صناديق الاقتراع وليس عبر "الهاشتاغات"، لكن يتم تذكيرهم بتزوير الانتخابات بالاستخدام المكثف للمال، وأنه يوصف بكونه "رجل أعمال محاط بالشبهات، يملك المال ويحتكر الغاز، لكنه لا يملك ذكاء سياسيا ولا مرجعية إيديولوجية ولا ماض تاريخي". وبارتباط اسمه بفشل القطاعات الوزارية التي أشرف عليها منذ 2007، في الصيد البحري والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات. وأن العمل الوزاري لأخنوش "بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجيا". كما يرتبط اسمه بشكل مباشر بمقتل الشاب محسن فكري، بائع السمك الذي طحن داخل حاوية أزبال في مدينة الحسيمة (2016)، وأشعلت حادثة مصرعه المأساوي الحراك الشعبي في الريف. 

بعده أطل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وهو من قادة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه أخنوش، ليصف من أطلقوا هاشتاغ "أخنوش.. ارحل" بـ"المرضى النفسيين"، وقد تذكر المواطنون تهديدات عزيز أخنوش بـ"إعادة تلقينهم التربية" في حملة المقاطعة الاقتصادية (2018)، ووصفهم بـ"المدوايخ" من قبل وزير "تجمعي" آخر، هو وزير المالية السابق محمد بوسعيد. وشتيمة "الدبخشي"، التي اختلف في تفسير معناها من ألقيت في وجوههم من داخل البرلمان بواسطة إدريس الأزمي، (وزير وبرلماني سابق من حكومة حزب العدالة والتنمية)، في الوقت الذي استعاد فيه آخرون وصف الحسن الثاني لسكان منطقة الريف، في أعقاب احتجاجات 1984،  بـ"الأوباش" و"المتاجرين في المخدرات". 

ومؤخرا بلغ الأمر حصول تبادل الشتائم بين رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، وبين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وصف الأول الثاني بـ"الذئب الهرم"، ورد الثاني عليه بنعته بـ"الحمار" وبـ"الميكروب".  

علق أستاذ ثانوي من مراكش: "لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كلُّ مفلس"، وأنه لا غرابة في ما يحصل من انحطاط سياسي، وما دام "الشعب عندهم مجرد "بوزبّال"، فعليك ألا تتنظر من هذه الطبقة السياسية احترام اللعبة الديمقراطية".  

*** 

في 1976، أطلق الحسن الثاني ما أسماه بـ"المسلسل الديمقراطي". وبعد قرابة نصف قرن لا زال "المسلسل" يحبو متعثرا يراوح خطواته الأولى، والبذرة التي رعاها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري تنمو باستمرار، بالتنظيمات الحزبية والنقابية وبالوجوه ذاتها، لتؤجل الأسئلة المصيرية الحاضر والمستقبل، ولا سبيل للانتقال الديمقراطي، ما دام الفساد راسخا، والأساليب القمعية شاخصة بملامحها البشعة.  

يحدث هذا في ظل غياب معارضة قوية، بعد "تأميم" المخزن للأحزاب التي كانت تمثل في الماضي معارضة حقيقية تتمتع ببعض المصداقية. 

بعد كل هذا لا مجال للبحث في أسباب فقدان ثقة المغاربة في العمل السياسي، وفي اتهامهم للطبقة السياسية بأحزابها ونقابتها بالتواطؤ، لأن المجال الوحيد أمام تلك التنظيمات هو الاجتهاد في ترجمة البرنامج الملكي: "النموذج التنموي الجديد"، الذي ترفع شعاراته كل الأحزاب. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).