Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998
الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998

عبد الرحيم التوراني

في ربيع سنة 1993، استقبل الحسن الثاني في قصره الملكي بالرباط، نجمة التلفزيون الفرنسي بلا منازع، الإعلامية المرموقة آن سنكلير، برفقة طاقم برنامجها: "7/7"، بحضور وزراء حكومة جلالته، يتقدمهم وزير الداخلية والإعلام إدريس البصري، والمستشار الملكي أندريه أزولاي، الذي كان وراء ترتيب هذه المقابلة التي بثت مباشرة على قناة ""TF1. 

بعد حوالي ثلاثة عقود، ستعود آن سنكلير إلى هذه المقابلة التاريخية، في كتاب صدر لها العام الماضي  بعنوان Passé Composé، (الماضي المركب) ضمن منشورات "غراسي"، حيث استعرضت جوانب من سيرتها الذاتية، وأهم ذكرياتها في "بلاط صاحبة الجلالة". ومما ذكرته، أن تلك الحلقة من برنامجها التلفزيوني حققت نجاحا كبيرا في المغرب وفرنسا. لكن ما بقي راسخا في الأذهان أكثر هو إنكار الملك الحسن الثاني لوجود معتقلين سياسيين في المغرب، ونفيه المطلق أن يكون هناك بمدينة "قلعة مكونة" معتقل سري، بل إنه نصح محاورته، ساخرا من سؤالها، بزيارة سياحية إلى تلك المدينة، لكن السنوات والحقائق أثبتت نقيض ما صرح به الحسن الثاني، حين كُشف عن أهوال معتقل سري رهيب بـ"عاصمة الورود والمركز السياحي الجميل". 

كان آخر سؤال أنهت به سنكلير مقابلتها المثيرة، يهم المستقبل الذي يتصوره الحسن الثاني لحكم المغرب في عهد "ابنه سيدي محمد". قبل الإجابة، حرك الملك عينيه وزمّ شفتيه، وقال إنه يتمنى ألا يكون عهد من سيخلفه سهلا. وأردف إنه إذا كان كذلك، فهذا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى الملك. وسطر ثانية على "أتمنى ألا يكون عهده سهلا..."، بتكراره العبارة. 

يصادف اليوم، السبت 30 يوليو 2022، مرور 23 سنة من حكم محمد السادس، الثالث والعشرون في السلالة العلوية. فهل تحققت تلك الأمنية السلبية للملك الحسن الثاني؟ وهل ما نراه على أرض الواقع هو تأكيد لما أراده وتمناه؟ 

 بعد 23 سنة على رحيله، لم تتطور الأوضاع في المغرب باتجاه الأفضل. رغم كل ما ينثر أحيانا من ورود مجاملات لإعلاميين وسياسيين أجانب على النظام المغربي، حين يصنفونه كـ"نظام مستقر"، إلا أنهم في حقيقة الأمر يدركون أنه "استقرار ناتج عن شراسة القمع العنيف"، كما خلصت إلى ذلك الصحفية آن سنكلير في كتابها المشار إليه.  

فليس مستغربا إصرار الإعلام الرسمي على صباغة الحقيقة، بواسطة التلميع السياسي والمغالاة في الكلام عن "المنجزات والأوراش الكبرى التي شملت مجالات الديمقراطية والحداثة في البلاد، وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستديمة، وإنصاف العمال والفلاحين الصغار، وحقوق الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة، وضمان الصحة والتعليم، واستقلالية القضاء... وأن المغرب مضرب المثل في التنمية الاقتصادية، وفي تكريس ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة"، وما إلى ذلك من الجمل الجاهزة، التي تدخل في حملات تسويق خطاب الارتياح، لكن لا أحد يصدقها.    

هكذا تلوك ألسنة الخشب أسلوبا مقتبسا من أشهر وزير إعلام عرفه القرن الماضي (غوبلز)، لخصه في: "اِكذب، ثم اِكذب حتى يصدقك الناس". رغم أن هذه التقنية باتت مفضوحة في العصر الرقمي، بانتشار المعلومة وتوفرها بشكل واسع ومتاح، هكذا يجري التعتيم على المناطق المظلمة، والتستر على التضييق على الحريات، وعدم اتخاذ مبادرات حقيقيية لتصحيح الاختلالات، وتحسين ظروف العيش الكريم للمواطنين. 

*** 

في السنوات الأولى من حكمه، انتعشت آمال المغاربة بحدوث تغيير إيجابي عميق، والأمل في مواصلة الملك الجديد للإصلاحات التي قام بها والده في سنواته الأخيرة. أيامها حمل محمد السادس لقب"ملك الفقراء"، وأنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبعد أن ساد الاعتقاد أن المغاربة قطعوا مسافات بمنأى عن تكرار تلك الممارسات الفظيعة، ما لبثوا أن فوجئوا بتنشيط الماكينة القمعية، باعتقال وتنكيل وسجن المحتجين من نشطاء الانتفاضات الشعبية، وزجر ومحاكمة صحفيين ومدونين.  

كان إحياء صادما لـروح "سنوات الرصاص". وحسب العبارة الشهيرة: "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، وفي الحالة المغربية تتجلى المهزلة ساطعة، إذ لم يعد بإمكان المعارضين والنشطاء الحقوقيين أن يحظوا بمجد اتهامهم بـ "ارتكاب جريمة" حرية الرأي وحق التعبير، بعدما أصبحت تلفق لهم ملفات مستنسخة يتم تكييفها بتهم لاأخلاقية، وتجري "إدانتهم في قضايا جنائية، أغلبها "اعتداءات جنسية"، وسط حملات تشهير شرسة تطال حتى عائلات المستهدفين، و"مراقبة مباشرة"، أو "عبر كاميرات مخبأة في البيوت" و"برمجيات تجسس" رقمية، وغير ذلك من الأساليب التي وصفت بـ"تقنية القمع" في المغرب، كما جاء في آخر تقرير  صدر قبل أيام عن المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش". 

كان لافتا أهمية المضامين الإصلاحية التي تحفل بها خطب الملك محمد السادس، بدءا من خطاب "المفهوم الجديد للسلطة"، مرورا بـ"خطاب تاسع مارس 2011" حول الاستجابة لبعض مطالب "حركة 20 فبراير"، إلى خطاب "أين الثروة؟"، ثم خطاب "فشل النموذج التنموي". ما جعل المراقبين ينعتون محمد السادس بتجاوزه للأحزاب المترهلة، وبأن الملك يسير بسرعة أكبر من سرعة الطبقة السياسية في البلاد.  

لكن إذا ما بحث المرء عن مدى تأثير تلك "الخطب الملكية السامية"، فقد لا يجد شيئا ذا أهمية من تلك المعاني على أرض الواقع. فالفقراء يزيد فقرهم، وأرتال العاطلين عن العمل تتعزز بشكل مطرد، والظلم الاجتماعي بادٍ على الملامح ويثقل الصدور.  

لقد حرصت اللجنة الملكية التي أعدت دستور 2011 على إقرار "ملكية يسود فيها الملك ويحكم"، بين يديه كل السلط، بخلاف المطالب التي دعا إليها يساريون وحقوقيون وشباب من "حركة 20 فبراير"، ممن ينشدون ملكية برلمانية، توازي الملكيات الديمقراطية في إسبانيا وبريطانيا وغيرها. إلا أن معدي الدستور الجديد الممنوح، كانت مهمتهم التركيز على "استعادة الهيبة" للدولة، بالمفهوم "المخزني". و"المخزن" اصطلاح لا يستعمل سوى في المغرب، ويفهم على أنه مجموعة من التقاليد والقوانين غير المكتوبة التي تنظم الطقوس والعلاقات المعقدة في القصر، وتحافظ على استقرار الدولة، وتضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.   

لكن في ظل استراتجيات التهميش والتفقير، ترتفع نسب التجهيل والأمية بأنواعها، وتنمو البطالة والهجرة غير الشرعية، ويتم المحو التدريجي للطبقات الوسطى، ليصبح التشكيل الاجتماعي مكونا من نخبة قليلة جدا من عائلات تسيطر على الثروات، والملايين من "الناس اللي تحت"، يصارعون من أجل تأمين أبسط ضروريات العيش، أو في أقبية الحضيض منحشرين في القاع تحت عتبة الفقر. 

ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل التي تعكس حقيقة بعض ما أتينا على ذكره، فأحلام التغيير طلعت كوابيس من صناعة نفوذ لوبيات المصالح والفساد المتسربة في أجهزة الدولة، ومن نسيج ممارسات النهب والرشوة والتهريب، وشبكات المخدرات المدعمة من طرف جهات في هرم المسؤولية. 

ولإعطاء صورة راهنة عن مغرب محمد السادس، نكتفي بالكلام عن أغنى رجل في المغرب بعد الملك، غارق في الصفقات النفطية عبر شركته "إفريقيا غاز"، أكبر سلسلة محطات وقود في البلاد، التي يراكم بواسطتها أرباحا باهظة، إذ هو محتكر قطاع المحروقات، رئيس الحكومة الحالية، رجل الأعمال عزيز أخنوش (61 سنة)، من يتعنت اليوم في الاستجابة للمطالب الشعبية بتخفيض أسعار الديزل والبنزين، رغم عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية. وبدل امتصاص الاحتقان، يزعم أخنوش أن من يطالبون برحيله هم "أشباح وحسابات فيسبوكية مزورة". وأضاف أعضاء قياديون من حزبه التجمع الوطني للأحرار، أن أخنوش وصل بفضل صناديق الاقتراع وليس عبر "الهاشتاغات"، لكن يتم تذكيرهم بتزوير الانتخابات بالاستخدام المكثف للمال، وأنه يوصف بكونه "رجل أعمال محاط بالشبهات، يملك المال ويحتكر الغاز، لكنه لا يملك ذكاء سياسيا ولا مرجعية إيديولوجية ولا ماض تاريخي". وبارتباط اسمه بفشل القطاعات الوزارية التي أشرف عليها منذ 2007، في الصيد البحري والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات. وأن العمل الوزاري لأخنوش "بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجيا". كما يرتبط اسمه بشكل مباشر بمقتل الشاب محسن فكري، بائع السمك الذي طحن داخل حاوية أزبال في مدينة الحسيمة (2016)، وأشعلت حادثة مصرعه المأساوي الحراك الشعبي في الريف. 

بعده أطل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وهو من قادة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه أخنوش، ليصف من أطلقوا هاشتاغ "أخنوش.. ارحل" بـ"المرضى النفسيين"، وقد تذكر المواطنون تهديدات عزيز أخنوش بـ"إعادة تلقينهم التربية" في حملة المقاطعة الاقتصادية (2018)، ووصفهم بـ"المدوايخ" من قبل وزير "تجمعي" آخر، هو وزير المالية السابق محمد بوسعيد. وشتيمة "الدبخشي"، التي اختلف في تفسير معناها من ألقيت في وجوههم من داخل البرلمان بواسطة إدريس الأزمي، (وزير وبرلماني سابق من حكومة حزب العدالة والتنمية)، في الوقت الذي استعاد فيه آخرون وصف الحسن الثاني لسكان منطقة الريف، في أعقاب احتجاجات 1984،  بـ"الأوباش" و"المتاجرين في المخدرات". 

ومؤخرا بلغ الأمر حصول تبادل الشتائم بين رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، وبين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وصف الأول الثاني بـ"الذئب الهرم"، ورد الثاني عليه بنعته بـ"الحمار" وبـ"الميكروب".  

علق أستاذ ثانوي من مراكش: "لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كلُّ مفلس"، وأنه لا غرابة في ما يحصل من انحطاط سياسي، وما دام "الشعب عندهم مجرد "بوزبّال"، فعليك ألا تتنظر من هذه الطبقة السياسية احترام اللعبة الديمقراطية".  

*** 

في 1976، أطلق الحسن الثاني ما أسماه بـ"المسلسل الديمقراطي". وبعد قرابة نصف قرن لا زال "المسلسل" يحبو متعثرا يراوح خطواته الأولى، والبذرة التي رعاها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري تنمو باستمرار، بالتنظيمات الحزبية والنقابية وبالوجوه ذاتها، لتؤجل الأسئلة المصيرية الحاضر والمستقبل، ولا سبيل للانتقال الديمقراطي، ما دام الفساد راسخا، والأساليب القمعية شاخصة بملامحها البشعة.  

يحدث هذا في ظل غياب معارضة قوية، بعد "تأميم" المخزن للأحزاب التي كانت تمثل في الماضي معارضة حقيقية تتمتع ببعض المصداقية. 

بعد كل هذا لا مجال للبحث في أسباب فقدان ثقة المغاربة في العمل السياسي، وفي اتهامهم للطبقة السياسية بأحزابها ونقابتها بالتواطؤ، لأن المجال الوحيد أمام تلك التنظيمات هو الاجتهاد في ترجمة البرنامج الملكي: "النموذج التنموي الجديد"، الذي ترفع شعاراته كل الأحزاب. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).