Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998
الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998

عبد الرحيم التوراني

في ربيع سنة 1993، استقبل الحسن الثاني في قصره الملكي بالرباط، نجمة التلفزيون الفرنسي بلا منازع، الإعلامية المرموقة آن سنكلير، برفقة طاقم برنامجها: "7/7"، بحضور وزراء حكومة جلالته، يتقدمهم وزير الداخلية والإعلام إدريس البصري، والمستشار الملكي أندريه أزولاي، الذي كان وراء ترتيب هذه المقابلة التي بثت مباشرة على قناة ""TF1. 

بعد حوالي ثلاثة عقود، ستعود آن سنكلير إلى هذه المقابلة التاريخية، في كتاب صدر لها العام الماضي  بعنوان Passé Composé، (الماضي المركب) ضمن منشورات "غراسي"، حيث استعرضت جوانب من سيرتها الذاتية، وأهم ذكرياتها في "بلاط صاحبة الجلالة". ومما ذكرته، أن تلك الحلقة من برنامجها التلفزيوني حققت نجاحا كبيرا في المغرب وفرنسا. لكن ما بقي راسخا في الأذهان أكثر هو إنكار الملك الحسن الثاني لوجود معتقلين سياسيين في المغرب، ونفيه المطلق أن يكون هناك بمدينة "قلعة مكونة" معتقل سري، بل إنه نصح محاورته، ساخرا من سؤالها، بزيارة سياحية إلى تلك المدينة، لكن السنوات والحقائق أثبتت نقيض ما صرح به الحسن الثاني، حين كُشف عن أهوال معتقل سري رهيب بـ"عاصمة الورود والمركز السياحي الجميل". 

كان آخر سؤال أنهت به سنكلير مقابلتها المثيرة، يهم المستقبل الذي يتصوره الحسن الثاني لحكم المغرب في عهد "ابنه سيدي محمد". قبل الإجابة، حرك الملك عينيه وزمّ شفتيه، وقال إنه يتمنى ألا يكون عهد من سيخلفه سهلا. وأردف إنه إذا كان كذلك، فهذا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى الملك. وسطر ثانية على "أتمنى ألا يكون عهده سهلا..."، بتكراره العبارة. 

يصادف اليوم، السبت 30 يوليو 2022، مرور 23 سنة من حكم محمد السادس، الثالث والعشرون في السلالة العلوية. فهل تحققت تلك الأمنية السلبية للملك الحسن الثاني؟ وهل ما نراه على أرض الواقع هو تأكيد لما أراده وتمناه؟ 

 بعد 23 سنة على رحيله، لم تتطور الأوضاع في المغرب باتجاه الأفضل. رغم كل ما ينثر أحيانا من ورود مجاملات لإعلاميين وسياسيين أجانب على النظام المغربي، حين يصنفونه كـ"نظام مستقر"، إلا أنهم في حقيقة الأمر يدركون أنه "استقرار ناتج عن شراسة القمع العنيف"، كما خلصت إلى ذلك الصحفية آن سنكلير في كتابها المشار إليه.  

فليس مستغربا إصرار الإعلام الرسمي على صباغة الحقيقة، بواسطة التلميع السياسي والمغالاة في الكلام عن "المنجزات والأوراش الكبرى التي شملت مجالات الديمقراطية والحداثة في البلاد، وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستديمة، وإنصاف العمال والفلاحين الصغار، وحقوق الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة، وضمان الصحة والتعليم، واستقلالية القضاء... وأن المغرب مضرب المثل في التنمية الاقتصادية، وفي تكريس ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة"، وما إلى ذلك من الجمل الجاهزة، التي تدخل في حملات تسويق خطاب الارتياح، لكن لا أحد يصدقها.    

هكذا تلوك ألسنة الخشب أسلوبا مقتبسا من أشهر وزير إعلام عرفه القرن الماضي (غوبلز)، لخصه في: "اِكذب، ثم اِكذب حتى يصدقك الناس". رغم أن هذه التقنية باتت مفضوحة في العصر الرقمي، بانتشار المعلومة وتوفرها بشكل واسع ومتاح، هكذا يجري التعتيم على المناطق المظلمة، والتستر على التضييق على الحريات، وعدم اتخاذ مبادرات حقيقيية لتصحيح الاختلالات، وتحسين ظروف العيش الكريم للمواطنين. 

*** 

في السنوات الأولى من حكمه، انتعشت آمال المغاربة بحدوث تغيير إيجابي عميق، والأمل في مواصلة الملك الجديد للإصلاحات التي قام بها والده في سنواته الأخيرة. أيامها حمل محمد السادس لقب"ملك الفقراء"، وأنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبعد أن ساد الاعتقاد أن المغاربة قطعوا مسافات بمنأى عن تكرار تلك الممارسات الفظيعة، ما لبثوا أن فوجئوا بتنشيط الماكينة القمعية، باعتقال وتنكيل وسجن المحتجين من نشطاء الانتفاضات الشعبية، وزجر ومحاكمة صحفيين ومدونين.  

كان إحياء صادما لـروح "سنوات الرصاص". وحسب العبارة الشهيرة: "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، وفي الحالة المغربية تتجلى المهزلة ساطعة، إذ لم يعد بإمكان المعارضين والنشطاء الحقوقيين أن يحظوا بمجد اتهامهم بـ "ارتكاب جريمة" حرية الرأي وحق التعبير، بعدما أصبحت تلفق لهم ملفات مستنسخة يتم تكييفها بتهم لاأخلاقية، وتجري "إدانتهم في قضايا جنائية، أغلبها "اعتداءات جنسية"، وسط حملات تشهير شرسة تطال حتى عائلات المستهدفين، و"مراقبة مباشرة"، أو "عبر كاميرات مخبأة في البيوت" و"برمجيات تجسس" رقمية، وغير ذلك من الأساليب التي وصفت بـ"تقنية القمع" في المغرب، كما جاء في آخر تقرير  صدر قبل أيام عن المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش". 

كان لافتا أهمية المضامين الإصلاحية التي تحفل بها خطب الملك محمد السادس، بدءا من خطاب "المفهوم الجديد للسلطة"، مرورا بـ"خطاب تاسع مارس 2011" حول الاستجابة لبعض مطالب "حركة 20 فبراير"، إلى خطاب "أين الثروة؟"، ثم خطاب "فشل النموذج التنموي". ما جعل المراقبين ينعتون محمد السادس بتجاوزه للأحزاب المترهلة، وبأن الملك يسير بسرعة أكبر من سرعة الطبقة السياسية في البلاد.  

لكن إذا ما بحث المرء عن مدى تأثير تلك "الخطب الملكية السامية"، فقد لا يجد شيئا ذا أهمية من تلك المعاني على أرض الواقع. فالفقراء يزيد فقرهم، وأرتال العاطلين عن العمل تتعزز بشكل مطرد، والظلم الاجتماعي بادٍ على الملامح ويثقل الصدور.  

لقد حرصت اللجنة الملكية التي أعدت دستور 2011 على إقرار "ملكية يسود فيها الملك ويحكم"، بين يديه كل السلط، بخلاف المطالب التي دعا إليها يساريون وحقوقيون وشباب من "حركة 20 فبراير"، ممن ينشدون ملكية برلمانية، توازي الملكيات الديمقراطية في إسبانيا وبريطانيا وغيرها. إلا أن معدي الدستور الجديد الممنوح، كانت مهمتهم التركيز على "استعادة الهيبة" للدولة، بالمفهوم "المخزني". و"المخزن" اصطلاح لا يستعمل سوى في المغرب، ويفهم على أنه مجموعة من التقاليد والقوانين غير المكتوبة التي تنظم الطقوس والعلاقات المعقدة في القصر، وتحافظ على استقرار الدولة، وتضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.   

لكن في ظل استراتجيات التهميش والتفقير، ترتفع نسب التجهيل والأمية بأنواعها، وتنمو البطالة والهجرة غير الشرعية، ويتم المحو التدريجي للطبقات الوسطى، ليصبح التشكيل الاجتماعي مكونا من نخبة قليلة جدا من عائلات تسيطر على الثروات، والملايين من "الناس اللي تحت"، يصارعون من أجل تأمين أبسط ضروريات العيش، أو في أقبية الحضيض منحشرين في القاع تحت عتبة الفقر. 

ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل التي تعكس حقيقة بعض ما أتينا على ذكره، فأحلام التغيير طلعت كوابيس من صناعة نفوذ لوبيات المصالح والفساد المتسربة في أجهزة الدولة، ومن نسيج ممارسات النهب والرشوة والتهريب، وشبكات المخدرات المدعمة من طرف جهات في هرم المسؤولية. 

ولإعطاء صورة راهنة عن مغرب محمد السادس، نكتفي بالكلام عن أغنى رجل في المغرب بعد الملك، غارق في الصفقات النفطية عبر شركته "إفريقيا غاز"، أكبر سلسلة محطات وقود في البلاد، التي يراكم بواسطتها أرباحا باهظة، إذ هو محتكر قطاع المحروقات، رئيس الحكومة الحالية، رجل الأعمال عزيز أخنوش (61 سنة)، من يتعنت اليوم في الاستجابة للمطالب الشعبية بتخفيض أسعار الديزل والبنزين، رغم عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية. وبدل امتصاص الاحتقان، يزعم أخنوش أن من يطالبون برحيله هم "أشباح وحسابات فيسبوكية مزورة". وأضاف أعضاء قياديون من حزبه التجمع الوطني للأحرار، أن أخنوش وصل بفضل صناديق الاقتراع وليس عبر "الهاشتاغات"، لكن يتم تذكيرهم بتزوير الانتخابات بالاستخدام المكثف للمال، وأنه يوصف بكونه "رجل أعمال محاط بالشبهات، يملك المال ويحتكر الغاز، لكنه لا يملك ذكاء سياسيا ولا مرجعية إيديولوجية ولا ماض تاريخي". وبارتباط اسمه بفشل القطاعات الوزارية التي أشرف عليها منذ 2007، في الصيد البحري والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات. وأن العمل الوزاري لأخنوش "بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجيا". كما يرتبط اسمه بشكل مباشر بمقتل الشاب محسن فكري، بائع السمك الذي طحن داخل حاوية أزبال في مدينة الحسيمة (2016)، وأشعلت حادثة مصرعه المأساوي الحراك الشعبي في الريف. 

بعده أطل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وهو من قادة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه أخنوش، ليصف من أطلقوا هاشتاغ "أخنوش.. ارحل" بـ"المرضى النفسيين"، وقد تذكر المواطنون تهديدات عزيز أخنوش بـ"إعادة تلقينهم التربية" في حملة المقاطعة الاقتصادية (2018)، ووصفهم بـ"المدوايخ" من قبل وزير "تجمعي" آخر، هو وزير المالية السابق محمد بوسعيد. وشتيمة "الدبخشي"، التي اختلف في تفسير معناها من ألقيت في وجوههم من داخل البرلمان بواسطة إدريس الأزمي، (وزير وبرلماني سابق من حكومة حزب العدالة والتنمية)، في الوقت الذي استعاد فيه آخرون وصف الحسن الثاني لسكان منطقة الريف، في أعقاب احتجاجات 1984،  بـ"الأوباش" و"المتاجرين في المخدرات". 

ومؤخرا بلغ الأمر حصول تبادل الشتائم بين رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، وبين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وصف الأول الثاني بـ"الذئب الهرم"، ورد الثاني عليه بنعته بـ"الحمار" وبـ"الميكروب".  

علق أستاذ ثانوي من مراكش: "لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كلُّ مفلس"، وأنه لا غرابة في ما يحصل من انحطاط سياسي، وما دام "الشعب عندهم مجرد "بوزبّال"، فعليك ألا تتنظر من هذه الطبقة السياسية احترام اللعبة الديمقراطية".  

*** 

في 1976، أطلق الحسن الثاني ما أسماه بـ"المسلسل الديمقراطي". وبعد قرابة نصف قرن لا زال "المسلسل" يحبو متعثرا يراوح خطواته الأولى، والبذرة التي رعاها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري تنمو باستمرار، بالتنظيمات الحزبية والنقابية وبالوجوه ذاتها، لتؤجل الأسئلة المصيرية الحاضر والمستقبل، ولا سبيل للانتقال الديمقراطي، ما دام الفساد راسخا، والأساليب القمعية شاخصة بملامحها البشعة.  

يحدث هذا في ظل غياب معارضة قوية، بعد "تأميم" المخزن للأحزاب التي كانت تمثل في الماضي معارضة حقيقية تتمتع ببعض المصداقية. 

بعد كل هذا لا مجال للبحث في أسباب فقدان ثقة المغاربة في العمل السياسي، وفي اتهامهم للطبقة السياسية بأحزابها ونقابتها بالتواطؤ، لأن المجال الوحيد أمام تلك التنظيمات هو الاجتهاد في ترجمة البرنامج الملكي: "النموذج التنموي الجديد"، الذي ترفع شعاراته كل الأحزاب. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).