Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998
الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998

عبد الرحيم التوراني

في ربيع سنة 1993، استقبل الحسن الثاني في قصره الملكي بالرباط، نجمة التلفزيون الفرنسي بلا منازع، الإعلامية المرموقة آن سنكلير، برفقة طاقم برنامجها: "7/7"، بحضور وزراء حكومة جلالته، يتقدمهم وزير الداخلية والإعلام إدريس البصري، والمستشار الملكي أندريه أزولاي، الذي كان وراء ترتيب هذه المقابلة التي بثت مباشرة على قناة ""TF1. 

بعد حوالي ثلاثة عقود، ستعود آن سنكلير إلى هذه المقابلة التاريخية، في كتاب صدر لها العام الماضي  بعنوان Passé Composé، (الماضي المركب) ضمن منشورات "غراسي"، حيث استعرضت جوانب من سيرتها الذاتية، وأهم ذكرياتها في "بلاط صاحبة الجلالة". ومما ذكرته، أن تلك الحلقة من برنامجها التلفزيوني حققت نجاحا كبيرا في المغرب وفرنسا. لكن ما بقي راسخا في الأذهان أكثر هو إنكار الملك الحسن الثاني لوجود معتقلين سياسيين في المغرب، ونفيه المطلق أن يكون هناك بمدينة "قلعة مكونة" معتقل سري، بل إنه نصح محاورته، ساخرا من سؤالها، بزيارة سياحية إلى تلك المدينة، لكن السنوات والحقائق أثبتت نقيض ما صرح به الحسن الثاني، حين كُشف عن أهوال معتقل سري رهيب بـ"عاصمة الورود والمركز السياحي الجميل". 

كان آخر سؤال أنهت به سنكلير مقابلتها المثيرة، يهم المستقبل الذي يتصوره الحسن الثاني لحكم المغرب في عهد "ابنه سيدي محمد". قبل الإجابة، حرك الملك عينيه وزمّ شفتيه، وقال إنه يتمنى ألا يكون عهد من سيخلفه سهلا. وأردف إنه إذا كان كذلك، فهذا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى الملك. وسطر ثانية على "أتمنى ألا يكون عهده سهلا..."، بتكراره العبارة. 

يصادف اليوم، السبت 30 يوليو 2022، مرور 23 سنة من حكم محمد السادس، الثالث والعشرون في السلالة العلوية. فهل تحققت تلك الأمنية السلبية للملك الحسن الثاني؟ وهل ما نراه على أرض الواقع هو تأكيد لما أراده وتمناه؟ 

 بعد 23 سنة على رحيله، لم تتطور الأوضاع في المغرب باتجاه الأفضل. رغم كل ما ينثر أحيانا من ورود مجاملات لإعلاميين وسياسيين أجانب على النظام المغربي، حين يصنفونه كـ"نظام مستقر"، إلا أنهم في حقيقة الأمر يدركون أنه "استقرار ناتج عن شراسة القمع العنيف"، كما خلصت إلى ذلك الصحفية آن سنكلير في كتابها المشار إليه.  

فليس مستغربا إصرار الإعلام الرسمي على صباغة الحقيقة، بواسطة التلميع السياسي والمغالاة في الكلام عن "المنجزات والأوراش الكبرى التي شملت مجالات الديمقراطية والحداثة في البلاد، وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستديمة، وإنصاف العمال والفلاحين الصغار، وحقوق الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة، وضمان الصحة والتعليم، واستقلالية القضاء... وأن المغرب مضرب المثل في التنمية الاقتصادية، وفي تكريس ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة"، وما إلى ذلك من الجمل الجاهزة، التي تدخل في حملات تسويق خطاب الارتياح، لكن لا أحد يصدقها.    

هكذا تلوك ألسنة الخشب أسلوبا مقتبسا من أشهر وزير إعلام عرفه القرن الماضي (غوبلز)، لخصه في: "اِكذب، ثم اِكذب حتى يصدقك الناس". رغم أن هذه التقنية باتت مفضوحة في العصر الرقمي، بانتشار المعلومة وتوفرها بشكل واسع ومتاح، هكذا يجري التعتيم على المناطق المظلمة، والتستر على التضييق على الحريات، وعدم اتخاذ مبادرات حقيقيية لتصحيح الاختلالات، وتحسين ظروف العيش الكريم للمواطنين. 

*** 

في السنوات الأولى من حكمه، انتعشت آمال المغاربة بحدوث تغيير إيجابي عميق، والأمل في مواصلة الملك الجديد للإصلاحات التي قام بها والده في سنواته الأخيرة. أيامها حمل محمد السادس لقب"ملك الفقراء"، وأنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبعد أن ساد الاعتقاد أن المغاربة قطعوا مسافات بمنأى عن تكرار تلك الممارسات الفظيعة، ما لبثوا أن فوجئوا بتنشيط الماكينة القمعية، باعتقال وتنكيل وسجن المحتجين من نشطاء الانتفاضات الشعبية، وزجر ومحاكمة صحفيين ومدونين.  

كان إحياء صادما لـروح "سنوات الرصاص". وحسب العبارة الشهيرة: "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، وفي الحالة المغربية تتجلى المهزلة ساطعة، إذ لم يعد بإمكان المعارضين والنشطاء الحقوقيين أن يحظوا بمجد اتهامهم بـ "ارتكاب جريمة" حرية الرأي وحق التعبير، بعدما أصبحت تلفق لهم ملفات مستنسخة يتم تكييفها بتهم لاأخلاقية، وتجري "إدانتهم في قضايا جنائية، أغلبها "اعتداءات جنسية"، وسط حملات تشهير شرسة تطال حتى عائلات المستهدفين، و"مراقبة مباشرة"، أو "عبر كاميرات مخبأة في البيوت" و"برمجيات تجسس" رقمية، وغير ذلك من الأساليب التي وصفت بـ"تقنية القمع" في المغرب، كما جاء في آخر تقرير  صدر قبل أيام عن المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش". 

كان لافتا أهمية المضامين الإصلاحية التي تحفل بها خطب الملك محمد السادس، بدءا من خطاب "المفهوم الجديد للسلطة"، مرورا بـ"خطاب تاسع مارس 2011" حول الاستجابة لبعض مطالب "حركة 20 فبراير"، إلى خطاب "أين الثروة؟"، ثم خطاب "فشل النموذج التنموي". ما جعل المراقبين ينعتون محمد السادس بتجاوزه للأحزاب المترهلة، وبأن الملك يسير بسرعة أكبر من سرعة الطبقة السياسية في البلاد.  

لكن إذا ما بحث المرء عن مدى تأثير تلك "الخطب الملكية السامية"، فقد لا يجد شيئا ذا أهمية من تلك المعاني على أرض الواقع. فالفقراء يزيد فقرهم، وأرتال العاطلين عن العمل تتعزز بشكل مطرد، والظلم الاجتماعي بادٍ على الملامح ويثقل الصدور.  

لقد حرصت اللجنة الملكية التي أعدت دستور 2011 على إقرار "ملكية يسود فيها الملك ويحكم"، بين يديه كل السلط، بخلاف المطالب التي دعا إليها يساريون وحقوقيون وشباب من "حركة 20 فبراير"، ممن ينشدون ملكية برلمانية، توازي الملكيات الديمقراطية في إسبانيا وبريطانيا وغيرها. إلا أن معدي الدستور الجديد الممنوح، كانت مهمتهم التركيز على "استعادة الهيبة" للدولة، بالمفهوم "المخزني". و"المخزن" اصطلاح لا يستعمل سوى في المغرب، ويفهم على أنه مجموعة من التقاليد والقوانين غير المكتوبة التي تنظم الطقوس والعلاقات المعقدة في القصر، وتحافظ على استقرار الدولة، وتضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.   

لكن في ظل استراتجيات التهميش والتفقير، ترتفع نسب التجهيل والأمية بأنواعها، وتنمو البطالة والهجرة غير الشرعية، ويتم المحو التدريجي للطبقات الوسطى، ليصبح التشكيل الاجتماعي مكونا من نخبة قليلة جدا من عائلات تسيطر على الثروات، والملايين من "الناس اللي تحت"، يصارعون من أجل تأمين أبسط ضروريات العيش، أو في أقبية الحضيض منحشرين في القاع تحت عتبة الفقر. 

ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل التي تعكس حقيقة بعض ما أتينا على ذكره، فأحلام التغيير طلعت كوابيس من صناعة نفوذ لوبيات المصالح والفساد المتسربة في أجهزة الدولة، ومن نسيج ممارسات النهب والرشوة والتهريب، وشبكات المخدرات المدعمة من طرف جهات في هرم المسؤولية. 

ولإعطاء صورة راهنة عن مغرب محمد السادس، نكتفي بالكلام عن أغنى رجل في المغرب بعد الملك، غارق في الصفقات النفطية عبر شركته "إفريقيا غاز"، أكبر سلسلة محطات وقود في البلاد، التي يراكم بواسطتها أرباحا باهظة، إذ هو محتكر قطاع المحروقات، رئيس الحكومة الحالية، رجل الأعمال عزيز أخنوش (61 سنة)، من يتعنت اليوم في الاستجابة للمطالب الشعبية بتخفيض أسعار الديزل والبنزين، رغم عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية. وبدل امتصاص الاحتقان، يزعم أخنوش أن من يطالبون برحيله هم "أشباح وحسابات فيسبوكية مزورة". وأضاف أعضاء قياديون من حزبه التجمع الوطني للأحرار، أن أخنوش وصل بفضل صناديق الاقتراع وليس عبر "الهاشتاغات"، لكن يتم تذكيرهم بتزوير الانتخابات بالاستخدام المكثف للمال، وأنه يوصف بكونه "رجل أعمال محاط بالشبهات، يملك المال ويحتكر الغاز، لكنه لا يملك ذكاء سياسيا ولا مرجعية إيديولوجية ولا ماض تاريخي". وبارتباط اسمه بفشل القطاعات الوزارية التي أشرف عليها منذ 2007، في الصيد البحري والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات. وأن العمل الوزاري لأخنوش "بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجيا". كما يرتبط اسمه بشكل مباشر بمقتل الشاب محسن فكري، بائع السمك الذي طحن داخل حاوية أزبال في مدينة الحسيمة (2016)، وأشعلت حادثة مصرعه المأساوي الحراك الشعبي في الريف. 

بعده أطل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وهو من قادة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه أخنوش، ليصف من أطلقوا هاشتاغ "أخنوش.. ارحل" بـ"المرضى النفسيين"، وقد تذكر المواطنون تهديدات عزيز أخنوش بـ"إعادة تلقينهم التربية" في حملة المقاطعة الاقتصادية (2018)، ووصفهم بـ"المدوايخ" من قبل وزير "تجمعي" آخر، هو وزير المالية السابق محمد بوسعيد. وشتيمة "الدبخشي"، التي اختلف في تفسير معناها من ألقيت في وجوههم من داخل البرلمان بواسطة إدريس الأزمي، (وزير وبرلماني سابق من حكومة حزب العدالة والتنمية)، في الوقت الذي استعاد فيه آخرون وصف الحسن الثاني لسكان منطقة الريف، في أعقاب احتجاجات 1984،  بـ"الأوباش" و"المتاجرين في المخدرات". 

ومؤخرا بلغ الأمر حصول تبادل الشتائم بين رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، وبين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وصف الأول الثاني بـ"الذئب الهرم"، ورد الثاني عليه بنعته بـ"الحمار" وبـ"الميكروب".  

علق أستاذ ثانوي من مراكش: "لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كلُّ مفلس"، وأنه لا غرابة في ما يحصل من انحطاط سياسي، وما دام "الشعب عندهم مجرد "بوزبّال"، فعليك ألا تتنظر من هذه الطبقة السياسية احترام اللعبة الديمقراطية".  

*** 

في 1976، أطلق الحسن الثاني ما أسماه بـ"المسلسل الديمقراطي". وبعد قرابة نصف قرن لا زال "المسلسل" يحبو متعثرا يراوح خطواته الأولى، والبذرة التي رعاها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري تنمو باستمرار، بالتنظيمات الحزبية والنقابية وبالوجوه ذاتها، لتؤجل الأسئلة المصيرية الحاضر والمستقبل، ولا سبيل للانتقال الديمقراطي، ما دام الفساد راسخا، والأساليب القمعية شاخصة بملامحها البشعة.  

يحدث هذا في ظل غياب معارضة قوية، بعد "تأميم" المخزن للأحزاب التي كانت تمثل في الماضي معارضة حقيقية تتمتع ببعض المصداقية. 

بعد كل هذا لا مجال للبحث في أسباب فقدان ثقة المغاربة في العمل السياسي، وفي اتهامهم للطبقة السياسية بأحزابها ونقابتها بالتواطؤ، لأن المجال الوحيد أمام تلك التنظيمات هو الاجتهاد في ترجمة البرنامج الملكي: "النموذج التنموي الجديد"، الذي ترفع شعاراته كل الأحزاب. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب
التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب

حسين عبد الحسين

قبل عشرين عاما، بدا الطغيان قدرا محتوما على العرب. كان مفهوما أن يورث ملكا الأردن الحسين والمغرب الحسن عرشيهما لابنيهما عبدالله ومحمد. لكن لم يكن مفهوما أن تتحول أنظمة الطغيان الثوري إلى جمالك (جمهوريات ممالك) مع انتقال رئاسة حافظ الأسد السوري لولده بشّار واعداد حسني مبارك نجله جمال لوراثة الرئاسة المصرية. ومثلهما كان طاغية العراق صدام حسين يعدّ ابنه قصي لوراثته في مجلس قيادة الثورة ورئاسة البلاد، بعدما تبين أن بِكره عدي فاشل.

ثم اجتاحت الولايات المتحدة العراق وبدا أن الليل العربي بدأ ينجلي وأن القيد بدأ ينكسر.

قبل حرب العراق، أمضت النخبة العربية عقودا وهي تهاجم الولايات المتحدة لدعمها طغاة العرب الذين يبقون الدول العربية متخلفة. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، اعتقدت أميركا أن الطغيان يولّد البؤس، وأن البؤس يولّد الارهاب الذي يصل شواطئها، فقررت إعطاء العراقيين فرصة لبناء ديمقراطية.

الشعب الأميركي لا يهتم كثيرا لشقاء العرب ولا يرى مبررا لإنهائه الذي يكلف الأميركيين أموالا ودماء. لأقناع الأميركيين بضرورة الحرب في العراق، اضطرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش إلى تضخيم خطر صدام بإعلان أن بحوزته ترسانة أسلحة دمار شامل. لم تكترث واشنطن لمصداقيتها لأنها ظنّت أن نتيجة التغيير في العراق كانت ستكون إيجابية حتما لأن في العراق شعب يعجّ بحملة الشهادات والكفاءات، وثروة نفطية ضخمة يمكنها تمويل إعادة البناء والتنمية.

جاءت القوة الأميركية بجبروتها لتبدأ عملية التغيير العراقي، فاكتشفت أميركا والعالم أن العرب ليسوا بحاجة لتغيير حكامهم فحسب، بل لتغيير ثقافتهم التي لا تسمح للحريات الفردية ولا تفهم معنى المواطنية. اكتشفت أميركا أنه يستحيل بناء دولة ديمقراطية مع أفراد لا يرون أنفسهم مواطنين، بل أعضاء في قبائل لكل منها زعيم، ما يجعل الدولة مجلس قادة قبائل. والقبائل هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل هي شبكات ريعية يقودها قبضايات يقدمون الرعاية المالية والأمنية لتابعيهم، مقابل ولاء التابعين الأعمى لزعمائهم.

مع اكتشاف أميركا الخواء العربي، وسيطرة الثقافة القبلية التي تمنع قيام دولة حديثة، سعت واشنطن لإعادة تركيب العراق كيفما اتفق، غالبا بتكرار النموذج اللبناني الفاشل حيث يتقاسم الزعماء موارد الدولة ويثرون، ويوزعون بعض المغانم على الأزلام والمحاسبين، الذين يضمنون إعادة انتخاب الزعيم وبقائه في الحكم. كل ذلك يتم في غياب الحريات، تحت طائلة التصفية الجسدية لأي معارضين لا ينتمون لأي واحدة من شبكات الزعماء الحاكمين.

في لبنان، اغتال "حزب الله" رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حسب محكمة الأمم المتحدة، فأدى ذلك لاهتزاز وانسحاب قوات الأسد من لبنان بعد ثلاثة عقود على احتلاله وحكمه. ومثل العراق، لم تؤد فرصة التغيير التي سنحت للبنانيين برعاية دولية الى تغيير، بل انتقل لبنان من طغيان الأسد الى طغيان زعيم "حزب الله" حسن نصرالله.

تكررت مشاهد الفشل في الانتقال إلى الأفضل في كل الدول التي طالها الربيع العربي بعد ذلك، وأن بوتيرة متفاوتة. في تونس، أطاحت الثورة الشعبية بزين العابدين بن علي، فغرقت البلاد في شلل دام عقد إلى أن تسلّق استاذ جامعي الحكم على سلّم الديمقراطية، ثم وصل الحكم فعدّل الدستور ونصّب نفسه حاكما أوحدا ودائما.

وفي مصر، أدى نسف الجيش لعملية توريث جمال مبارك لانقسامه الى أجنحة. في فترة انقسام الجيش، انتخب المصريون محمد مرسي وحزب "الإخوان المسلمين" حكاما. لكن على غرار الانتخابات العربية المشابهة، بدا أن الإخوان تسلقوا سلّم الديمقراطية لتغيير شكل الدولة وتحويلها الى ثيوقراطية تمارس الانتخابات وانما بدون أي تقبّل للحريات العامة أو الفردية.

وكذلك في الجزائر، حيث أطاحت ثورة بحكم عبدالعزيز بوتفليقة واستبدلته بأشباه له. أما ليبيا واليمن، فأدى التغيير الى حروب دموية طاحنة لم تلق وزرها حتى اليوم. وفي السودان، أدت الثورة إلى تلاشي الدولة التي كانت تقوم على أجهزة استخبارات عمر البشير.

في لبنان، قامت ثورة مجددا ضد الانهيار الشامل للدولة والاقتصاد. لكن على عكس ثورات العرب التي سبقتها، لم تنجح ثورة 17 تشرين اللبنانية في كسر القائم، فتحولت إلى انتفاضة انتخابية صغيرة، وحتى هذه، أنتجت نوابا تغييريين نصفهم يحسدون السياسيين الحاكمين ويتمنون أن يحلّوا مكانهم في رئاسات الجمهورية والنواب الحكومة. ومثل اللبنانيين قام العراقيون بثورة لم تنسف الحكم، ولا قدمت أفكارا خلاقة ولا خطط تغييرية قابلة للحياة، فقط اجترار للأفكار المتداولة الفاشلة نفسها.

بعد عشرين عاما على حرب العراق، و12 عاما على الربيع العربي، وبعد ثلاثة أعوام على ثورتي تشرين اللبنانية والعراقية، صار مؤكدا أن نسف القائم في دنيا العرب لا يؤدي لاستبداله بما هو أفضل منه، بل أن القائم صار يبدو أفضل، على علّاته، على حسب القول المشرقي القائل "خلّيك على قديمك فجديدك لن يدوملك". 

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب، وما لم تتشرب الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وهي ثقافة يتصدرها تقديس الحرية الفردية، خصوصا حرية من يخالف رأينا، وفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني رأيا واحدا لكل المواطنين، بل تعني التفافا حول الدستور الذي يسمح بتعدد الآراء، وإدراك أن من يخالفنا الرأي ليس خائنا، وأن رأينا ليس مقدسا، ولا صحيحا، ولا ثابتا.

كما لن تقوم قائمة للعرب قبل إدراكهم أن الانتخابات تنيط بالمنتخبين فرض سياسات، ولكنها لا تسمح لهم بتغيير شكل الدولة، ولا بفرض هندسة اجتماعية، ولا بتعديل شكل الحيز العام حتى يشبه الغالبية دون الأقلية.

ولن تقوم دولا عربية حديثة ما لم يدرك العرب أن الأكثرية والأقلية هي في الرأي السياسي فحسب، لأن الرأي يمكن أن يتغير بحسب نتائج السياسات التي تمارسها الغالبية، فتخسر التأييد والحكم ما لم تقدم النتائج المرجوة. أما ربط الأكثرية والأقلية بالمذاهب والأعراق، كما في لبنان والعراق، فيقضي على الديمقراطية لأنه يخلق أكثريات وأقليات ثابتة في الحكم وغير قابلة للمحاسبة انتخابيا في حال فشلها.

مع تعذر امكانية بناء دول عربية حديثة، يصبح الأجدى التمسك بأي ما من شأنه أن يقدم سياسات وحياة أفضل للعرب. نموذج الإمارات والبحرين والسعودية ليس ديمقراطيا، ولكنه يقدم نتائج أفضل بكثير من أنظمة العرب الثورية وجمالكهم، إلى أن يغير الله في قوم ويغير ما في أنفسهم وتصبح الديمقراطية ممكنة، لا في قصور الحكم، وإنما في نفوس الناس وثقافتهم.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).