Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998
الملك الحسن الثاني وولي العهد أنذاك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط 1998

عبد الرحيم التوراني

في ربيع سنة 1993، استقبل الحسن الثاني في قصره الملكي بالرباط، نجمة التلفزيون الفرنسي بلا منازع، الإعلامية المرموقة آن سنكلير، برفقة طاقم برنامجها: "7/7"، بحضور وزراء حكومة جلالته، يتقدمهم وزير الداخلية والإعلام إدريس البصري، والمستشار الملكي أندريه أزولاي، الذي كان وراء ترتيب هذه المقابلة التي بثت مباشرة على قناة ""TF1. 

بعد حوالي ثلاثة عقود، ستعود آن سنكلير إلى هذه المقابلة التاريخية، في كتاب صدر لها العام الماضي  بعنوان Passé Composé، (الماضي المركب) ضمن منشورات "غراسي"، حيث استعرضت جوانب من سيرتها الذاتية، وأهم ذكرياتها في "بلاط صاحبة الجلالة". ومما ذكرته، أن تلك الحلقة من برنامجها التلفزيوني حققت نجاحا كبيرا في المغرب وفرنسا. لكن ما بقي راسخا في الأذهان أكثر هو إنكار الملك الحسن الثاني لوجود معتقلين سياسيين في المغرب، ونفيه المطلق أن يكون هناك بمدينة "قلعة مكونة" معتقل سري، بل إنه نصح محاورته، ساخرا من سؤالها، بزيارة سياحية إلى تلك المدينة، لكن السنوات والحقائق أثبتت نقيض ما صرح به الحسن الثاني، حين كُشف عن أهوال معتقل سري رهيب بـ"عاصمة الورود والمركز السياحي الجميل". 

كان آخر سؤال أنهت به سنكلير مقابلتها المثيرة، يهم المستقبل الذي يتصوره الحسن الثاني لحكم المغرب في عهد "ابنه سيدي محمد". قبل الإجابة، حرك الملك عينيه وزمّ شفتيه، وقال إنه يتمنى ألا يكون عهد من سيخلفه سهلا. وأردف إنه إذا كان كذلك، فهذا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى الملك. وسطر ثانية على "أتمنى ألا يكون عهده سهلا..."، بتكراره العبارة. 

يصادف اليوم، السبت 30 يوليو 2022، مرور 23 سنة من حكم محمد السادس، الثالث والعشرون في السلالة العلوية. فهل تحققت تلك الأمنية السلبية للملك الحسن الثاني؟ وهل ما نراه على أرض الواقع هو تأكيد لما أراده وتمناه؟ 

 بعد 23 سنة على رحيله، لم تتطور الأوضاع في المغرب باتجاه الأفضل. رغم كل ما ينثر أحيانا من ورود مجاملات لإعلاميين وسياسيين أجانب على النظام المغربي، حين يصنفونه كـ"نظام مستقر"، إلا أنهم في حقيقة الأمر يدركون أنه "استقرار ناتج عن شراسة القمع العنيف"، كما خلصت إلى ذلك الصحفية آن سنكلير في كتابها المشار إليه.  

فليس مستغربا إصرار الإعلام الرسمي على صباغة الحقيقة، بواسطة التلميع السياسي والمغالاة في الكلام عن "المنجزات والأوراش الكبرى التي شملت مجالات الديمقراطية والحداثة في البلاد، وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستديمة، وإنصاف العمال والفلاحين الصغار، وحقوق الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة، وضمان الصحة والتعليم، واستقلالية القضاء... وأن المغرب مضرب المثل في التنمية الاقتصادية، وفي تكريس ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة"، وما إلى ذلك من الجمل الجاهزة، التي تدخل في حملات تسويق خطاب الارتياح، لكن لا أحد يصدقها.    

هكذا تلوك ألسنة الخشب أسلوبا مقتبسا من أشهر وزير إعلام عرفه القرن الماضي (غوبلز)، لخصه في: "اِكذب، ثم اِكذب حتى يصدقك الناس". رغم أن هذه التقنية باتت مفضوحة في العصر الرقمي، بانتشار المعلومة وتوفرها بشكل واسع ومتاح، هكذا يجري التعتيم على المناطق المظلمة، والتستر على التضييق على الحريات، وعدم اتخاذ مبادرات حقيقيية لتصحيح الاختلالات، وتحسين ظروف العيش الكريم للمواطنين. 

*** 

في السنوات الأولى من حكمه، انتعشت آمال المغاربة بحدوث تغيير إيجابي عميق، والأمل في مواصلة الملك الجديد للإصلاحات التي قام بها والده في سنواته الأخيرة. أيامها حمل محمد السادس لقب"ملك الفقراء"، وأنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبعد أن ساد الاعتقاد أن المغاربة قطعوا مسافات بمنأى عن تكرار تلك الممارسات الفظيعة، ما لبثوا أن فوجئوا بتنشيط الماكينة القمعية، باعتقال وتنكيل وسجن المحتجين من نشطاء الانتفاضات الشعبية، وزجر ومحاكمة صحفيين ومدونين.  

كان إحياء صادما لـروح "سنوات الرصاص". وحسب العبارة الشهيرة: "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، وفي الحالة المغربية تتجلى المهزلة ساطعة، إذ لم يعد بإمكان المعارضين والنشطاء الحقوقيين أن يحظوا بمجد اتهامهم بـ "ارتكاب جريمة" حرية الرأي وحق التعبير، بعدما أصبحت تلفق لهم ملفات مستنسخة يتم تكييفها بتهم لاأخلاقية، وتجري "إدانتهم في قضايا جنائية، أغلبها "اعتداءات جنسية"، وسط حملات تشهير شرسة تطال حتى عائلات المستهدفين، و"مراقبة مباشرة"، أو "عبر كاميرات مخبأة في البيوت" و"برمجيات تجسس" رقمية، وغير ذلك من الأساليب التي وصفت بـ"تقنية القمع" في المغرب، كما جاء في آخر تقرير  صدر قبل أيام عن المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش". 

كان لافتا أهمية المضامين الإصلاحية التي تحفل بها خطب الملك محمد السادس، بدءا من خطاب "المفهوم الجديد للسلطة"، مرورا بـ"خطاب تاسع مارس 2011" حول الاستجابة لبعض مطالب "حركة 20 فبراير"، إلى خطاب "أين الثروة؟"، ثم خطاب "فشل النموذج التنموي". ما جعل المراقبين ينعتون محمد السادس بتجاوزه للأحزاب المترهلة، وبأن الملك يسير بسرعة أكبر من سرعة الطبقة السياسية في البلاد.  

لكن إذا ما بحث المرء عن مدى تأثير تلك "الخطب الملكية السامية"، فقد لا يجد شيئا ذا أهمية من تلك المعاني على أرض الواقع. فالفقراء يزيد فقرهم، وأرتال العاطلين عن العمل تتعزز بشكل مطرد، والظلم الاجتماعي بادٍ على الملامح ويثقل الصدور.  

لقد حرصت اللجنة الملكية التي أعدت دستور 2011 على إقرار "ملكية يسود فيها الملك ويحكم"، بين يديه كل السلط، بخلاف المطالب التي دعا إليها يساريون وحقوقيون وشباب من "حركة 20 فبراير"، ممن ينشدون ملكية برلمانية، توازي الملكيات الديمقراطية في إسبانيا وبريطانيا وغيرها. إلا أن معدي الدستور الجديد الممنوح، كانت مهمتهم التركيز على "استعادة الهيبة" للدولة، بالمفهوم "المخزني". و"المخزن" اصطلاح لا يستعمل سوى في المغرب، ويفهم على أنه مجموعة من التقاليد والقوانين غير المكتوبة التي تنظم الطقوس والعلاقات المعقدة في القصر، وتحافظ على استقرار الدولة، وتضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.   

لكن في ظل استراتجيات التهميش والتفقير، ترتفع نسب التجهيل والأمية بأنواعها، وتنمو البطالة والهجرة غير الشرعية، ويتم المحو التدريجي للطبقات الوسطى، ليصبح التشكيل الاجتماعي مكونا من نخبة قليلة جدا من عائلات تسيطر على الثروات، والملايين من "الناس اللي تحت"، يصارعون من أجل تأمين أبسط ضروريات العيش، أو في أقبية الحضيض منحشرين في القاع تحت عتبة الفقر. 

ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل التي تعكس حقيقة بعض ما أتينا على ذكره، فأحلام التغيير طلعت كوابيس من صناعة نفوذ لوبيات المصالح والفساد المتسربة في أجهزة الدولة، ومن نسيج ممارسات النهب والرشوة والتهريب، وشبكات المخدرات المدعمة من طرف جهات في هرم المسؤولية. 

ولإعطاء صورة راهنة عن مغرب محمد السادس، نكتفي بالكلام عن أغنى رجل في المغرب بعد الملك، غارق في الصفقات النفطية عبر شركته "إفريقيا غاز"، أكبر سلسلة محطات وقود في البلاد، التي يراكم بواسطتها أرباحا باهظة، إذ هو محتكر قطاع المحروقات، رئيس الحكومة الحالية، رجل الأعمال عزيز أخنوش (61 سنة)، من يتعنت اليوم في الاستجابة للمطالب الشعبية بتخفيض أسعار الديزل والبنزين، رغم عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية. وبدل امتصاص الاحتقان، يزعم أخنوش أن من يطالبون برحيله هم "أشباح وحسابات فيسبوكية مزورة". وأضاف أعضاء قياديون من حزبه التجمع الوطني للأحرار، أن أخنوش وصل بفضل صناديق الاقتراع وليس عبر "الهاشتاغات"، لكن يتم تذكيرهم بتزوير الانتخابات بالاستخدام المكثف للمال، وأنه يوصف بكونه "رجل أعمال محاط بالشبهات، يملك المال ويحتكر الغاز، لكنه لا يملك ذكاء سياسيا ولا مرجعية إيديولوجية ولا ماض تاريخي". وبارتباط اسمه بفشل القطاعات الوزارية التي أشرف عليها منذ 2007، في الصيد البحري والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات. وأن العمل الوزاري لأخنوش "بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجيا". كما يرتبط اسمه بشكل مباشر بمقتل الشاب محسن فكري، بائع السمك الذي طحن داخل حاوية أزبال في مدينة الحسيمة (2016)، وأشعلت حادثة مصرعه المأساوي الحراك الشعبي في الريف. 

بعده أطل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وهو من قادة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه أخنوش، ليصف من أطلقوا هاشتاغ "أخنوش.. ارحل" بـ"المرضى النفسيين"، وقد تذكر المواطنون تهديدات عزيز أخنوش بـ"إعادة تلقينهم التربية" في حملة المقاطعة الاقتصادية (2018)، ووصفهم بـ"المدوايخ" من قبل وزير "تجمعي" آخر، هو وزير المالية السابق محمد بوسعيد. وشتيمة "الدبخشي"، التي اختلف في تفسير معناها من ألقيت في وجوههم من داخل البرلمان بواسطة إدريس الأزمي، (وزير وبرلماني سابق من حكومة حزب العدالة والتنمية)، في الوقت الذي استعاد فيه آخرون وصف الحسن الثاني لسكان منطقة الريف، في أعقاب احتجاجات 1984،  بـ"الأوباش" و"المتاجرين في المخدرات". 

ومؤخرا بلغ الأمر حصول تبادل الشتائم بين رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، وبين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وصف الأول الثاني بـ"الذئب الهرم"، ورد الثاني عليه بنعته بـ"الحمار" وبـ"الميكروب".  

علق أستاذ ثانوي من مراكش: "لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كلُّ مفلس"، وأنه لا غرابة في ما يحصل من انحطاط سياسي، وما دام "الشعب عندهم مجرد "بوزبّال"، فعليك ألا تتنظر من هذه الطبقة السياسية احترام اللعبة الديمقراطية".  

*** 

في 1976، أطلق الحسن الثاني ما أسماه بـ"المسلسل الديمقراطي". وبعد قرابة نصف قرن لا زال "المسلسل" يحبو متعثرا يراوح خطواته الأولى، والبذرة التي رعاها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري تنمو باستمرار، بالتنظيمات الحزبية والنقابية وبالوجوه ذاتها، لتؤجل الأسئلة المصيرية الحاضر والمستقبل، ولا سبيل للانتقال الديمقراطي، ما دام الفساد راسخا، والأساليب القمعية شاخصة بملامحها البشعة.  

يحدث هذا في ظل غياب معارضة قوية، بعد "تأميم" المخزن للأحزاب التي كانت تمثل في الماضي معارضة حقيقية تتمتع ببعض المصداقية. 

بعد كل هذا لا مجال للبحث في أسباب فقدان ثقة المغاربة في العمل السياسي، وفي اتهامهم للطبقة السياسية بأحزابها ونقابتها بالتواطؤ، لأن المجال الوحيد أمام تلك التنظيمات هو الاجتهاد في ترجمة البرنامج الملكي: "النموذج التنموي الجديد"، الذي ترفع شعاراته كل الأحزاب. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).