Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شكلت الثورة التونسية محركا لثورات في دول عربية كثيرة
شكلت الثورة التونسية محركا لثورات في دول عربية كثيرة

نضال منصور

النتيجة المثيرة للجدل التي توصل لها "الباروميتر العربي" في استطلاعه الأخير أن الديمقراطية ليست الحل السحري لمشاكل العالم العربي.

قبل 10 سنوات وأكثر بقليل، كانت أصوات الناس هادرة في العواصم العربية تُطالب بإسقاط الأنظمة المستبدة، ورافعة شعارات تُنادي بالحرية.

كان ذلك فيما سُمي لاحقا "الربيع العربي"، وفي كل الساحات، والميادين التي اندفع إليها الشباب الثائر، كانت الشعارات تربط بين الحرية ورغيف الخبز، وهذا يعني بالتأكيد استحضار قيم العدالة الاجتماعية.

العقد الماضي لم يكن مُبشرا لمن يرون أن الديمقراطية هي البلسم الشافي للأمراض التي تنخر البلدان العربية، فسقوط حكومات ديكتاتورية ربما لم يُصاحبه تحولات جذرية في البنى المجتمعية، فالمشهد الواقعي أكثر تعقيدا من تغيير صور الشخوص التي تحكم، ولندقق في صورة الوضع في اليمن على سبيل المثال؛ هل كان يكفي مقتل الرئيس علي عبد الله صالح لبدء تبلور، ونشوء دولة ديمقراطية، حتى لو استبعدنا العوامل، والتدخلات الخارجية؟، هل يكفي إزاحة الرئيس من سدة الحكم حتى نشهد تحولات، ويمضي اليمن نحو إنهاء دور القبيلة التي تتقدم على دور الحزب الحاكم؟

المقاربة التي يمكن أن تُقرأ في اليمن، يمكن أن نجدها في ليبيا كذلك، فمقتل الزعيم معمر القذافي لم يكن قادرا على إنهاء سطوة القبائل على الحكم، والسباق نحو الانتخابات، وصناديق الاقتراع لا يمكن أن يصنع دولة كان القذافي قد اختزلها بشخصه، وفي منظومة فلسفته "الكتاب الأخضر".

إذن الديمقراطية في العالم العربي رغم أهميتها، وضرورتها، فإنها لا تحمل كل الإجابات، فأسئلة الوضع الراهن الاقتصادي، والبنية الاجتماعية المتشابكة، والمعقدة، واحتياجات الناس للأمان، والاستقرار، وشعورهم بالاطمئنان إلى مستقبلهم لا يمكن أن تصنعه الانتخابات وحدها، وحتى لو كانت نزيهة مئة بالمئة، ولا يقدمه حاكم، أو حزب حاكم على طبق من ذهب إلى شعبه الذي يعيش حالة من البؤس.

ثلاثة استخلاصات هامة توصل لها استطلاع الباروميتر العربي تحتاج إلى مراجعات؛ أولها أن الديمقراطية ليست وصفة قاطعة للتغلب على ضعف الأداء الاقتصادي، والثاني أن النظم الديمقراطية غير حاسمة، ومترددة، والثالث أن الديمقراطية لا تجلب بالضرورة الاستقرار، والأمان.

الملاحظة المهمة أن التحولات في مزاج، وآراء الناس في البلدان العربية كانت تتغير منذ بدء الربيع العربي عام 2010، وصولا إلى عام 2022، ونموذج صارخ على هذه النتيجة أن 17 بالمئة من العينة المستطلعة آراؤهم كانت تقول إن الديمقراطية ترتبط بضعف الأداء الاقتصادي، وتزايد هذا المؤشر حتى وصل إلى 70 بالمئة، وبالتفصيل في الأردن كانت النسبة 39 بالمئة عام 2010، وبلغت 57 بالمئة عام 2022، وفي المغرب كانت 8 بالمئة عام 2018، وصارت 43 بالمئة هذا العام.

استطلاع الديمقراطية الذي أنجزه الباروميتر العربي، وهي شبكة بحثية مقرها جامعة برنستون، وشريكها الإعلامي شبكة (BBC)، يستشعر تراجع حالة التفاؤل بفرص بناء الديمقراطية في العالم العربي، والأهم قدرتها على التغيير، وصناعة الأمل بحياة أفضل عند الناس.

حتى الآن تشعر الغالبية في المجتمعات العربية أن الديمقراطية النموذج الأفضل للحكم، ولكن فقه الأولويات مختلف، فهم يدركون أن الديمقراطية لا تطعمهم خبزا بشكل فوري، وعاجل، فالتحولات الديمقراطية التي سادت في بعض البلدان بعد عام 2010 لم تحل قضية الكساد لاقتصادي، ولم تتغلب على مشكلة تزايد معدلات البطالة، ولم توقف حالة التوحش في كُلف المعيشة.

قبل ثورة الياسمين في تونس التقيت بمستشار رئيس الجمهورية في عهد الرئيس الأسبق بن علي، وفي النقاش حدثته عن انطباعاتي أن تونس لا تواجه مشكلة نمو اقتصادي، وحتى حين تتجول في "الجهويات" - المناطق خارج العاصمة – لا تشعر بملامح الفقر واضحة، ولا ترى مظاهر التسول في الشوارع، ولا تسمع شكوى بصوت مرتفع من البطالة، وأن أكثر ما يُقلق التضييق على "حرية الكلام"، والإعلام، ومن الضروري فتح نوافذ لفضاء الحرية، فلا يجوز أن يُطبّق ما يقولوه السوريون في الغرف المغلقة "لا نفتح فمنا إلا عند طيبب الأسنان".

لم يُصغِ نظام بن علي لكل النصائح بتخفيف القبضة الأمنية، وبفتح كوة للحرية، فكان أول الساقطين في "الربيع العربي"، وكلمة "الآن فهمتكم" التي أباح بها بن علي في خطابه الشهير قبل هربه لم تنقذه، ولم تشفع له.

لكن الديمقراطية التي جاءت بعد بن علي لم تنقذ تونس، والفرح بفضاء الحريات الواسع، والبرلمانات التي تعج بالخطابات الرنّانة لم تقدم للتونسيين ما يُغيّر حالهم، فيشعرون أن متلازمة الحريات، والحياة الكريمة قد تحققت، بل على العكس ساد شعور بالخذلان، وتعمقت الأزمة الاقتصادية، وبدأ الجوع يحاصر بيوتا في تونس، وباتت جموع من التونسيين على قناعة أن زمرة ضيقة من المتنفعين جيّرت الديمقراطية لخدمة مصالحها السياسية، والاقتصادية، وزاد التزاوج بين السلطة السياسية بأطيافها المختلفة - إسلامية أو غير إسلامية – ورجال المال، ولهذا كانت البيئة مُهيأة، وخصبة لكل الإجراءات، والتدابير التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، والتي وصفت بأنها "انقلاب" على الديمقراطية، لكن كثيرا من الناس لم تكن تبالي، فالديمقراطية إذا لم يقطفوا ثمارها حياة كريمة فهم لن يدافعوا عنها، وربما يقول آخرون في تونس، وفي غيرها من البلاد، حاكم متفرد، أو مستبد يجلب المنافع لشعبه أفضل من شلة تحكم باسم الديمقراطية، ولا تحل مشاكل العباد.

المقاربة في تونس ما بين الديمقراطية التي لم تحل المشكلات، وبات نظامها مهددا اقتصاديا، قد تراها في دول أخرى تمتلك هوامش ديمقراطية، لكن الأزمات تنخرها، وتذهب بالبلاد للهلاك.

لبنان نموذج آخر، فالانتخابات تجري، ولكنها تُعيد إنتاج التوازنات الطائفية، والصراع على السلطة بين الأحزاب يُعطل مكنزمات عمل الدولة، وتقترب الدولة من حد الإفلاس، والعملة الوطني يُطاح بها، والناس لم تعد قادرة على تدبير احتياجاتها للحياة، ويُفاقم الأزمة انقطاع الكهرباء، وفقدان للمشتقات النفطية، وحتى الدواء بات توفره عسيرا، وبعد كل هذه الأوضاع من يبالي بهذه الديمقراطية التي تجلب الشقاء كل يوم؟

ويمكن أن تُسحب ذات المسطرة على العراق منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين قبل 20 عاما تقريبا، وفي ظل حكمه كانت أبجديات الديمقراطية غائبة، ولكن المجتمع لم يكن يُعاني - خاصة قبل الحصار – من أزمات اقتصادية، أو مخاوف، وهواجس أمنية، ولم تكن الطائفية حاضرة في المشهد السياسي.

بعد صدام جاءت الانتخابات، ووصلت حرية التعبير حدود الفوضى، وانتشرت الأحزاب بعباءات طائفية، وبعد أن كان هناك حاكم مستبد واحد، تعددت المرجعيات، والسلطات الحاكمة التي تدثرت بالديمقراطية، غير أنها لم تنقذ البلاد الغارقة في الأزمات.

الحقيقة أن العالم يتغير، والديمقراطية تنحسر، ليس في الإقليم العربي الذي يُصنف بأنه الأكثر استبدادا، بل تتمدد الأنظمة الشعبوية التي لا تهتم بقيم الديمقراطية، وتغزو حتى البلدان الغربية، ويطفو على مشهد الأحداث السياسية زعماء لا يؤمنون بحرية التعبير والإعلام، ولا يحترمون قواعد حقوق الإنسان، ولا ينسى العالم الظاهرة "الترامبية" التي كادت أن تكتسح حتى في أوروبا مع صعود اليمين المتطرف.

والنقاش في العالم الآن إن كانت الديمقراطية السبيل الوحيد لتحقيق التنمية الاقتصادية، ويأتي النظام الصيني ليضرب هذه النظرية بمقتل، فهو الأكثر نموا في ظل حزب لا تحكم سيرته، وممارساته آليات العمل الديمقراطي، وفي ذات الطريق يُحكم بوتين قبضته على روسيا، ويحاول أن يتمدد ليُعيد بناء الإمبراطورية القيصرية بلا كلام مُنمق، ومعسول عن الديمقراطية، وحكم الشعب.

النتائج التي كشفها استطلاع الباروميتر العربي ليست مفاجئة، ولا صادمة لمن يعيشون الواقع في العالم العربي، وقد تقود هذه الحقائق التي ترسخت في عيون الناس، ووجدانهم إلى سؤال إشكالي؛ ما العمل، وما هو الطريق لتنجو بلادنا من أزماتها، ألا يحق لشعوب هذه المنطقة أن يعيشوا حياتهم دون رعب؟، ويتمتعوا بثروات بلدانهم، ويجربوا معنى رغد العيش؟

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).