Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عامل نظافة
عامل نظافة

سناء العاجي

-         ابنتها خادمة في البيوت

-         والده عامل نظافة

-         هو مجرد حارس أمن

 

كثيرا ما نجد أنفسنا، عن وعي أو دون وعي، نحتقر ممارسي بعض المهن التي نراها بسيطة أو "مهينة"، رغم حاجتنا لها: عمال النظافة، حراس الأمن، السائقون، وغيرهم.

حتى المتدثرون بلغات حقوق الإنسان، قد يجدون أنفسهم يوما غارقين في هذا التنميط وفي تصنيف الأشخاص بناء على مهنهم، وبالتالي على مدخولهم المحتمل ومستواهم الاجتماعي.

لماذا لا نجد نفس التصنيفات المهنية، أو على الأقل ليس بنفس الحدة، في معظم المجتمعات الغربية؟ من المؤكد أن عاملة النظافة الألمانية لا تعيش نفس رغد الطبيبة، وأن حارس الأمن في هولندا لا يأكل في نفس المطاعم التي سيأكل فيه مهندس أو رجل أعمال... لكن الأكيد أيضا أن عاملة النظافة الألمانية وحارس الأمن الهولندي لا يعانون القهر النفسي والمادي والاجتماعي الذي قد يعيشه أمثالهم في المغرب أو مصر أو السعودية!

هناك، تغطيتهم الصحية تضمن لهم ولأسرهم العلاج المجاني، وبذلك لا تتهدد كرامتهم ولا حياتهم كما قد يحصل في معظم بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث لا حقوق صحية لهؤلاء وحيث القطاع الصحي العمومي سيء والقطاع الخصوصي مستنزِف ماديا ونفسيا.

هناك، يحظى أولاد الطبقات الهشة بتعليم عمومي يسمح لهم بالتعلم في ظروف جيدة ويسمح لهم، في أحيان كثيرة، بالاختلاط الاجتماعي، بينما تدنّى مستوى التعليم العمومي في معظم مجتمعاتنا بحيث أصبح مجرد التمدرس فيه يعني الفصل بين الطبقات. لم يعد ابن المدير يدرس مع ابن حارس المدرسة، كما كان يحدث إلى غاية تسعينيات القرن الماضي. لم يعد للفقراء نفس حظوظ ترقي السلم الاجتماعي عبر التعليم، كما كان يحدث منذ عقدين من الزمن، في المغرب مثلا!

الكثيرون بيننا يحتقرون ممارسي هذه المهن لأن مهنتهم تترجم هشاشتهم، أميتهم أحيانا؛ وفقرهم بالتأكيد. لكن، هل منا من يسائل دور مؤسسات الدولة في ضمان حقوق هذه الفئات؟

حراس الأمن أمام مكاتبنا وإقاماتنا، والذين يشتغلون في ظروف غير إنسانية قد تجعل بعض الشركات تُشَغِّلهم لمدة 12 ساعة متتالية، خارج أي مراقبة قانونية (بينما الحد الأقصى قانونيا، في المغرب مثلا، هو 8 ساعات). كما قد يشتغلون في أحيان كثيرة دون تغطية صحية... هل نفكر في وضعيتهم حين نعتبرهم فصيلة دنيا من البشر؟ هل نفكر في ميكانيزمات تضمن لهم حقوقهم، خارج لغات الصدقة والشفقة؟ ثم، وهذا الأهم: هل نتذكر أن نبتسم في وجوههم أثناء دخولنا وخروجنا؟ هل نلقي تحية الصباح والمساء أم أنهم، في أعيننا، يتحولون لأثاث يزين مداخل العمارات والمكاتب؟

نفس الشيء بالنسبة لعاملات النظافة: هل نسعى لضمان حقوقهن الاجتماعية والصحية؟ هل نفكر في تغطيتهن الصحية؟ هل نفكر مثلا أنهن، مثلنا تماما، لم يحلمن يوما بأن يصبحن عاملات نظافة؟ وأننا، لو كنا في بلد يحترم كرامة الجميع وحقوق جميع الفئات، لكانت مهنة عامل وعامل النظافة كأي مهنة أخرى، تقدم خدمة للآخرين وللمجتمع، تتقاضى أجرة، تدفع ضرائبا ولها حقوق اجتماعية وصحية وأسرية؟

باختصار، شعاراتنا الجميلة ستكون دائما مجرد شعارات... ما لم نسعَ باستمرار لجعلها على محك الممارسة... ما لم نتعلم احترام هذه الفئات الاجتماعية وعدم تكريس هشاشتها ودونيتها. أولا، بعدم احتقارهم بسبب مِهنهم. إنهم ينظفون ويحرسون بيوتنا ومساكننا في النهاية. خارج أجرتهم، فالابتسام في وجوههم ليس صدقة، بل واجبا. احترام كرامتهم واجب. احترام حقوقهم واجب.

كما أن دولنا وحكوماتنا لا يمكن أن تقتصر في حديثها عن حقوق الإنسان، على الحقوق السياسية. مادامت كرامة فئات عريضة من المواطنين تُهان لمجرد أنهم في الدرجات الدنيا من السلم الاجتماعي، وحقوقهم الاجتماعية تهضم دون مراقبة.. فسيتعذر علينا كثيرا أن نتحدث عن الدولة الاجتماعية أو عن حقوق الإنسان.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).