Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

عبد الرحيم التوراني

أحيا موتُ ضابط في جهاز الأمن المغربي، أحزانا طافحة بالآلام والانكسار، وقلَّب مواجع دفينة طفت جلية فوق وجوه المغاربة، وبالأخص منهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الأحياء وذويهم. ذكريات فظيعة موشومة تتمنع على المحو، تجري في العروق مجرى الدم لتصب في الذاكرة والروح، ممتدة كلظى حارق يعلو أمواجا بلا سواحل.

تفاجأ كثيرون أن رئيس "معتقل درب مولاي الشريف"، المتهم بخرق حقوق الإنسان إبان "سنوات الجمر والرصاص"، وأشهر مطور لمناهج التعذيب في المغرب، قد فارق الحياة ولم يمت قبل هذا التاريخ.

وعلق آخرون في إشارة إلى قساوته الشديدة:

 - متى كان المعني حيا، أو كان يملك قلبا يمكن أن تتوقف نبضاته؟ 

تأخر وصول الخبر، ولم ينتشر حتى اليوم الثالث من غيابه، وقد صادف ذكرى جلوس محمد السادس على عرش المملكة.  

كما لم يتسرب الشيء الكثير عن مراسيم الجنازة، سوى صورة راجت على الفيس بوك، لقبر حديث، وضعت فوقه وردة حمراء (!)، مع لوحة حجرية صغيرة، كتب عليها بصباغة زرقاء: تاريخ الدفن واسم الميت مع دعاء له بالرحمة. وجاءت بالشكل التالي:

["28: 7: 2022- الفقيد- قدور اليوسفي- تغمده الله برحمته- الواسعة امن"].. (هكذا). 

ومن المصادفات أن تزامن التاريخ المذكور مع اليوم العالمي لالتهاب الكبد الوبائي، وقد أصيب قدور اليوسفي قُبيْل تقاعده بأمراض عدة، منها التشمع الكبدي.

 لم تصل معلومات عمن مشوا في الجنازة ولا عن مكان الدفن. علما أن الدار البيضاء المدينة الميتروبولية تكثر مدافنها وتتصدر معدل الوفيات في البلاد، وتتوزع مقابرها بين موتى المسلمين واليهود والنصارى. وبعد امتلاء "مقبرة الشهداء"، صار الدفن بها نادرا إلا بتدخلات استثنائية من سلطات ولاية المدينة. كما اقتربت مقبرتا "الرحمة" و"الغفران" من الاكتظاظ الكامل.

من المؤكد أنه قد لا يوافق كثيرون، إذا ما استشيروا، على أن يدفن قدور اليوسفي بمقبرة "الشهداء"، التي تضم رفات شهداء الوطن، والمناضلين من أجل الديمقراطية، وضمنهم من نال منهم الجلاد وعذبهم حتى الهلاك.

ولا يقبلون أن تحتضن مقبرة "الغفران" رفاته، وقد أفلت من العقاب دون اعتذار أو طلب الغفران من ضحاياه...

صرح لنا موظف أمني بأن جثمان قدور اليوسفي دفن بمسقط رأسه مدينة "أوطاط الحاج"، شرق المغرب. (تبعد عن الدار البيضاء بحوالي 600 كلم). في الوقت الذي تردد فيه أيضا احتمال دفنه بمقبرة صغيرة ببلدة بوسكورة بضاحية الدار البيضاء.

وعلى الأرجح أن مراسيم دفن "بطل سنوات الرصاص" تمت سرا وبسرعة، كما لو جرت تحت جنح الظلام.

يقول رجل: "بعد إفلاته من المساءلة والعقاب.. ها هو يحظى في الأخير بقبر معلوم، خلافا للعديد من ضحاياه من مجهولي مصير، ممن لقوا الموت على يديه بعد أن عذبهم بوحشية".

وتضيف امرأة: "لا تجوز الرحمة على من لم تكن في قلوبهم رحمة".

وكتب آخرون على الفيس بوك والتويتر: "إلى الجحيم.. إلى مزبلة التاريخ..". إلى جانب عبارات مماثلة حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار نعيه، مع سيل من اللعنات. ولأنَّ "الموت" يكون للإنسان، فقد فضل آخرون هنا تصريف فعل "نَفَقَ" الذي يخص الحيوانات، عوض "مات".

مما دفع البعض إلى التساؤل: "ألهذه الدرجة وصلت حدة التشفي والشماتة والحقد والسخط والغضب، مع رغبة جارفة في الانتقام من شخص قضى، لم يعد له وجود ليدافع عن نفسه".

لا أعتقد أن المغاربة أجمعوا في السابق على موقف مماثل ومشابه...

يحصل هذا بالرغم من انتشار القيم الدينية وثقافة التسامح مع الموتى في المجتمع المغربي، وتداول عبارات مثل "اذكروا محاسن موتاكم"، و"اذكروا موتاكم بخير"، وغيرها من الأحاديث المنسوبة لنبي الإسلام.

بغضب واضح ترد أمينة، وهي ابنة واحد من ضحايا سنوات الرصاص:

- "أي محاسن يا ترى تركها هذا المائت؟ ثم من قال لكم إنه من موتانا حتى نأتي على سيرته بالخير؟!". 

عاش المغاربة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني عقودا ثقيلة تحت وطأة الاستبداد. لقي العديد مصائر مجهولة بالاختفاء القسري. واقتيد الآلاف إلى المعتقلات، السري منها والمعلوم، وتم تعريضهم لصنوف من التعذيب حتى الموت، بـ"هجمية احترافية". وردم آلاف المغدورين في مقابر جماعية، هذا وغيره من الفظائع التي لا يمكن للمرء مشاهدتها سوى في أفلام الرعب السينمائية. كما صدرت أحكام بالإعدام تم تنفيذها في حق معارضين من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ونطقت المحاكم بقرون من السجن في حق الاتحاديين، ومناضلي "إلى الأمام، ومنظمة "23 مارس"، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وبعد فشل انقلابي 1971 و1972، جرى اختطاف مجموعة من العسكريين من السجن المركزي بالقنيطرة وترحيلهم إلى المعتقل السري الرهيب "تازمامارت"، بغاية ألا يغادروه أحياء، وبالفعل مات نصف عددهم. ولم يفرج عن البقية إلا بعد حوالي عقدين من الأعوام. إثرها تم الكشف في التسعينيات عن خريطة جديدة للبلاد مرصعة بعلامات حمراء تشير إلى مواقع المعتقلات السرية، التي ظل النظام ينفي وجودها نفيا قاطعا، مبعدا عنه اتهامات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي.

رغم فظاعة جحيم "تازمامارت"، مع باقي المعتقلات السرية، فقد حاز المعتقل السري "درب مولاي الشريف" الصدارة، وبرز اسم مديره بين "زملائه" من جلادي سنوات الرصاص. فقدور اليوسفي، وفق ما صرح به حقوقي، لم يقتصر عمله فقط على "درب مولاي الشريف"، بل كان يحرر أحكاما ينطقها قضاة المحاكم ضد المعارضين. وبوصفه من أبرز قادة المخابرات المميزين، قدم خبراته الميدانية في أغلب المعتقلات السرية والعلنية بالمملكة، منها مراكز التعذيب في "دار المقري"، وسراديب "كومسارية المعاريف"، و"الدائرة السابعة" بالدار البيضاء. لقد كان للرجل "دور محوري في الجهاز المافيوزي المكلف بانتهاك خصوصية الأفراد، والاختطاف، والاعتقالات العشوائية، والاحتجاز والتعذيب الذي كثيرا ما أدى إلى وفيات، والإرسال إلى المعاقل السرية التي كانت في الغالب كهوفا للقتل البطيء لا يتوقع أن ينجو منها من دخلها"، كما يؤكد الحقوقي والمعتقل السياسي السابق فؤاد عبد المومني.

 لهذا لا يذكر المعتقل السري "درب مولاي الشريف" إلا مقرونا باسم المسؤول الأول عنه، منعوتا بـ "سيء الذكر"، وما إلى ذلك من قواميس الشتائم والبذاءات.

إننا ولا شك إزاء شخصية استثنائية، بالمعنى السلبي للكلمة، جلاد عذب آلاف الرجال والنساء والأطفال، شخصية تتجاوز أحيانا شخصيات سادية شبيهة عرفها التاريخ. تزخر بكل مقومات العمل الروائي المبهر، بل تصلح لإنجاز فيلم سينمائي ناجح. بهذا الصدد يقترح الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد الشرقاوي، إخراج فيلم بمواصفات هوليودية حول سيرة قدور اليوسفي، فيلم "قد يتجاوز معاناة المحبوسين في سجن "ألكاتراز"، الذي احتكر لقب السمعة السيئة القياسية"، بسردية آسرة حول مغرب الجمر والرصاص، يعرض "يوميات المعاناة وضيق أنفاس مئات ممن مرّوا عبر عتمة درب مولاي الشريف".

ليس من باب المصادفة أن تلجأ واشنطن، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى الاستفادة من "الخبرة المغربية"، وتستأجر من الإدارة العامة لمراقبة التراب المغربي "خدماتها" بالمركز السري في "تمارة" (ضاحية الرباط). وقد كشف الغطاء في 2004 عن وجود معتقلات سرية في المغرب وأوروبا الشرقية، نقل إليها معتقلون للتحقيق معهم في "جرائم الإرهاب الدولي". وتأكد حدوث حالات تعذيب واستنطاق جرت بالمعتقل السري "تمارة"، شملت مغاربة وأجانب نقلوا إلى المغرب بعد إيقافهم في بلدان أخرى، قبل ترحيلهم لاحقا إلى معتقل غوانتانامو.

هو "النبوغ المغربي" بالمقلوب، الذي يعد قدور اليوسفي من أعلامه الكبار في فنون التعذيب، مترجما مقولة جان بول سارتر: "الإنسان هو أكثر الحيوانات فُحشاً وضراوة وجبناً". فقبل حوالي عقد ونصف من إقدام الأميركيين على الاستنجاد بـ"الخبرة المغربية" في التحقيق مع الموقوفين بواسطة الجلد والتعليق والصعق الكهربائي، سعت الدولة المغربية للاستفادة من خبرة قدور اليوسفي، حين وضعته ضمن الوفد الرسمي المشارك في المؤتمر الدولي لمناهضة التعذيب سنة 1995. لكن المفاجأة التي لم تكن السلطات العليا في المغرب وضعتها بالحسبان كانت بالانتظار، لما كُشِفَت هوية الجلاد الخطير، رئيس أكبر مراكز التعذيب في المغرب، متخفيا وراء قناع حقوقي متمرس، بقبعة دبلوماسي هادئ ولبق يرطن بلغة أناتول ديبلار (أشهر جلاد فرنسي في القرن العشرين)، ومتأهب للدفاع عن المغرب "الذي يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ويجرم التعذيب والاختطاف والاحتجاز!".

حضر المؤتمر منظمات غير حكومية مع بعض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. يومها تكفل إدريس بنزكري المعتقل السياسي السابق، (سيرأس لاحقا هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب)، ورفيقه جمال بنعمر، أيضا معتقل سياسي سابق، ودبلوماسي لاحقا بالأمم المتحدة، (عمل وسيطا أمميا في الأزمة اليمنية).

وكانت "فضيحة بجلاجل" كما يقولون في مصر، وهزيمة دبلوماسية قاسية لمن كان ينتظر في الرباط تلقي ورود تثني على جهود مزعومة تبذلها الدولة "من أجل ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المغرب".

في اتصال خاص، يستعيد الحقوقي المغربي الحبيب بلكوش القصة ويختصرها:

"بخصوص حكاية إشراك قدور اليوسفي في مؤتمر جنيف، كنت شاهدا وفاعلا في لحظة الحدث، كمسؤول في المكتب الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ورفيقٍ متطوع لإدريس بنزكري في إدارة مقر المنظمة بالرباط. وكانت أول مرة يتم فيها اعتماد إدريس بنزكري لتمثيل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أمام لجنة مناهضة التعذيب في جنيف، حيث قدمت المنظمة تقريرا موازيا لتقرير الحكومة المغربية. في صباح ذلك اليوم بعث لي إدريس بنزكري فاكس يخبرني فيه أن قدور اليوسفي يوجد ضمن الوفد الحكومي للدفاع عن التقرير الرسمي، وأنه تأكد من الأمر مع جمال بن عمر، الذي كان يشتغل وقتها بلجنة حقوق الإنسان بجنيف. أخبرتُ رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان آنذاك، الأستاذ عبد العزيز بناني، وبعد أن تداولنا الأمر مع أعضاء المكتب الوطني للمنظمة، قررنا إصدار بيان خاص، هو الذي اعتمدته المنظمات الدولية، وأصدرت إثره في نفس اليوم بيانات تضامن ومساندة في الموضوع، ثم طرح البعض تحريك المتابعة في حق الجلاد قدور اليوسفي، الذي اختفى وغادر في نفس اليوم جنيف".

هكذا انتصر الضحايا على الجلاد.

ومن تداعيات القضية، احتجاج اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب على "الإهانة"، والإحراج الكبير للحكومة المغربية، واضطرارها لتقديم اعتذار رسمي واضح.

نكأت وفاة قدور اليوسفي الجراحات الغائرة، فرفعت لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب مطلب "الإسراع بإقرار الآلية الوطنية المستقلة للحقيقة قبل وفاة كل المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب وفي مقدمتهم الجلادين". والقطيعة النهائية مع الاعتقال السياسي.

فهل فعلا اختفى شبح اليوسفي قدور بموته الأبدي؟ 

تصل الإجابة مشتعلة بحرائق النفي. ما دام الإفلات من العقاب قائما يشجع على تكرار الانتهاكات، وما دامت الدولة توفر الحصانة للجلادين، وما دام تلامذة نجباء يكملون ما بدأه "معلمهم" قدور، يؤسسون لفصل جديد من "سنوات الرصاص"، ويعيدون إنتاج ممارسات القمع بتقنيات جديدة ومتجددة، كتلك التي ذكرتها "هيومان رايت ووتش" مؤخرا...

في أخريات أيامه، حاول الجلاد أن يفتش عن مجد يداري به هزيمته، بعد أن نبذه الجميع، فلم يعثر سوى على جسده الكسيح، وقد صار ثقيلا عليه أكثر مما أضحى عبئا على من انتهى بين أيديهم، شخص هرم مريض مصاب بالخرف.

من شاهدوه سنة 2019 بمسقط رأسه بأوطاط الحاج، يروون أنه "كان يجلس فوق كرسي متحرك تدفعه امرأة، وكلما دنا منه شخص يحاول قدور، وهو يبكي، الإمساك بيده لتقبيلها طالبا منه الصفح". لقد صار الجلاد يعتقد أنه أوقع الأذى والعذاب بكل الناس، وليس بضيوفه فقط في "درب مولاي الشريف". لكنها هي الحقيقة الساطعة التي ليست في حاجة لشروح.

هكذا، لا يصدق الجلاد كيف يتحول في النهاية هو أيضا إلى ضحية... فيصاب بالذعر والخرف وبالجنون.. ويموت وحيدا ويندم...

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).