Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يعيش اللبنانيون أزمات اقتصادية وسياسية أدت إلى خلق صعوبات في الحصول على أدى متطلبات الحياة
يعيش اللبنانيون أزمات اقتصادية وسياسية أدت إلى خلق صعوبات في الحصول على أدى متطلبات الحياة

حسين عبد الحسين

بعد مئة عام بالتمام على إقرار ”عصبة الأمم“ المادة 22 من ميثاقها، والتي نصّبت بموجبها ”الدول المتقدمة“ كسلطات ”انتداب بالنيابة عن العصبة“، وكلفتها بتحقيق ”رفاهية وتقدم لبعض الشعوب“، ما تزال هذه الشعوب، منها ”بعض الجماعات التي كانت تابعة للإمبراطورية التركية“، قاصرة عن حكم نفسها وغير ”قادرة على الوقوف وحدها“، بل أن الدول التي أقامتها سلطات الانتداب لهذه الشعوب تلاشت، وتحولت الى أراض لا قانون فيها، تعيش فيها قبائل متناحرة وفق شريعة الغاب، حيث الحكم للأقوى. 

تقرير المصير حق تكفله الشرائع الدولية، لكنه ليس ضمانة أن الشعوب تعرف كيف تحكم نفسها متى نالت استقلالها، والعراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية مثال واضح، لا على قصور هذه الشعوب عن حكم نفسها فحسب، بل على عدم إدراكها أنها تعاني من هذا القصور، وقيامها بإلقاء اللائمة في مصائبها على الآخرين، من الغرب الإمبريالي و“عملاء الداخل“ إلى إسرائيل والماسونية. 

الدولة العراقية اندثرت منذ الانقلاب الذي أطاح بحكم الأسرة الهاشمية في العام 1958 إذ هي لم تعد دولة قائمة على المؤسسات، يناقش فيها البرلمان المنتخب شؤون إدارتها وتنمية اقتصادها، وتحولت إلى أجهزة عسكرية واستخباراتية تحكم بالحديد والنار، وتدير ماكينة دعاية إعلامية، وتسعى لتشتيت انتباه قصورها بشتم الاستعمار وسايكس بيكو وإسرائيل. ومع تضخم عائدات النفط، استخدم صدام حسين الأموال لتمويل جنونه العالمي والإقليمي، ولبناء جيش جرار اجتاح به الكويت، ثم انهار، وعاش العراق تحت حصار ومجاعة.

ولأن البعض اعتقد أن صدام هو مشكلة العراق، لم تؤثر الإطاحة به كثيرا، إذ أن العراقيين الذين خلفوه في السلطة لم يختلفوا عنه في جهلهم فلسفة الحكم، ومعنى الدولة، وأهمية القانون فيها، وكيفية عمل المؤسسات. ومع أن الأمم المتحدة وأميركا تركت للعراقيين دستورا، ركيكا وإنما لا بأس به، وقانون انتخابات نسبي عصري جعل من العراق دائرة واحدة، إلا أن نيل العراقيين استقلالهم من أميركا في العام 2011 سمح للحكام الجدد بقيادة البلاد نحو الهاوية مجددا، فأدار رئيس الحكومة السابق نوري المالكي — والذي تحول إلى كابوس يطارد العراق حتى اليوم — شبكة من الفساد والمحسوبية القبلية، فدمر الجيش، الذي انهار في ساعات إمام ميليشيا داعش في الموصل في 2014، وعبث بالقانون الانتخابي، ووضع المصرف المركزي في خدمة نظام إيران، وذاع صيت ابنه أحمد كأحد أثرى أثرياء بغداد، فيما المالكي أمضى سني نفيه خارج العراق يبيع مسابح أمام مقام السيدة زينب في دمشق.

ولم يكن المالكي وحيدا في فساده أو ارتزاقه لدى إيران، ولم يكن وحيدا في جهله شؤون الحكم، بل أن أبرز معارضيه، مقتدى الصدر، ثبت أنه يعاني من نفس المشاكل، فالصدر لا يفهم معنى الحريات الفردية ولا المؤسسات، بل هو يخال العراق قبائل، وأن وحدة القبائل وتبنيها رأي واحد هو الوطنية. 

وبسبب ضحالته الفكرية وانعدام خبرته السياسية، برز الصدر كأكثر زعيم عراقي شعبوي يحب الأضواء وإثارة الضوضاء، غالبا بقيامه باتخاذ خطوات مفاجئة وضخمة، ففي يوم يشكل ميليشيا جيش المهدي، وفي اليوم التالي يحلّها وينقلب على الميليشيات، ثم يرسل بلطجيته لممارسة العنف ضد متظاهري ثورة تشرين، ثم يتحالف مع الثوار، ثم يفوز بأكبر كتلة نيابية، لكنه يأمر كتلته بالاستقالة، فيفتح الباب أمام أزلام إيران الخاسرين للفوز بمقاعد الكتلة الصدرية، وهي خطوة يبدو أن مقتدى ندم على القيام بها، فأرسل مناصريه لتعطيل الدولة برمتها باحتلالهم مبنى البرلمان. 

ثم أطل الصدر على العراقيين بمطالب معقولة، وإن لا يمكن معرفة متى ينقلب ضدها. أما مطالب الصدر، فتتضمن حل البرلمان، وإجراء انتخابات، وتراجع المحكمة العليا عن قرارها غير الدستوري، والذي حوّل حكم الغالبية البسيطة إلى حكم غالبية الثلثين، وهو ما يناقض فسلفة الحكم الديموقراطي لأن الحكم يكون بالغالبية البسيطة وتعديل الدستور بالثلثين.

ومثل في العراق، كذلك في لبنان، الذي كان استقلاله أفضل حالا حتى العام 1969، يوم قرر المصري جمال عبدالناصر التعويض عن هزيمته أمام إسرائيل بإطلاقه حرب العصابات الفلسطينية ضدها، وتم اختيار لبنان كمركز للميليشيات الفلسطينية، ما قوّض سيادة دولة لبنان واقتصادها حتى اليوم مع رفض ”حزب الله“، آخر الميليشيات المتبقية، التخلي عن حكمه لبنان بقوة سلاحه.

ومثل الصدر في العراق، يعاني زعيم ”حزب الله“ حسن نصرالله من ضحالة هائلة في علومه السياسية والاقتصادية، فلا هو يفهم فلسفة الدول ولا الليبرالية ولا الديموقراطية، ولا هو يؤمن بحكم القانون المدني والقضاء، بل يعيش نصرالله في العصور الوسطى حيث الرأي هو دائما رأي القبيلة لا الفرد، وحيث الوطن يعني إجماع القبائل، أو فرض القوي رأيه عليها وباسمها، وحيث العدالة هي القضاء العشائري أو الاسلامي. 

أما الطامة الكبرى فهي أن نصرالله لا يفهم ارتباط السياستين الخارجية والدفاعية بشؤون الداخل والاقتصاد، ويعتقد أنه يمكن الفصل بينهما وتسليم شؤون الداخل لمؤيديه من زعماء الطوائف واحتكاره شؤون الخارج. لا يعرف نصرالله أن السياستين الخارجية والدفاعية — ومعهما الأرض — هي أدوات في خدمة الاقتصاد ورفاه المواطنين، وأن الشعوب تستميت من أجل مصالحها، ولا تموت في سبيل حماية مشاعرها وعواطفها المسماة كرامة وعنفوان.

فلسطين مثل العراق ولبنان: شعب لا يعرف كيف يحكم نفسه أو يدير شؤونه أو يتصرف بين الأمم. اتفقت القيادة الفلسطينية مع اسرائيل على سلام مقابل أجزاء من الأرض وسيادة على مراحل. منذ العام 1993، كلّما التزم الاسرائيليون مرحلة من الاتفاق، قامت حماس بقتل إسرائيليين هنا أو هناك وأظهرت أن لا سلطة للسلطة الفلسطينية، ففشلت عملية السلام وتحولت السلطة الفلسطينية إلى شرطي محلي يغرق في الفساد أكثر منه في إقامة مؤسسات فلسطينية تضمن استمرار الدولة بعد موت الزعيم.

الحكم الذاتي الفلسطيني بقي بدائيا وبحاجة إلى تطوير كبير في مساحات واسعة لا ترتبط بالسيادة. مثلا، قضاء السلطة الفلسطينية متهالك لا قيمة له، ويلجأ الناس غالبا إلى القضاء العشائري المتخلّف. أما الانتخابات الفلسطينية، فهي لم تجر منذ العام 2006. الاقتصاد الفلسطيني كذلك يعاني من شعبوية الحكام وشعارات مقاطعة إسرائيل. كان يمكن للفلسطينيين في الضفة وغزة دعوة العرب إلى السياحة والاستثمار عندهم، بالاتفاق مع إسرائيل، لكن الهوس بالمقاطعة والانتقام من إسرائيل والسعي لتدميرها واستعادة كل الأرض التي تقوم عليها، كلها عوامل حرمت الفلسطينيين فرصة بناء اقتصاد معرفة وخدمات لإقناع العالم أن للفلسطينيين قدرة على تسلم سيادة وإدارة دولة.

الشعوب العربية التي كانت خاضعة لانتداب كانت مهمته إعدادها لتحكم نفسها أثبتت أنها لم تكن قادرة على حكم نفسها قبل الانتداب، ولا بعده. هي شعوب تنعدم لديها الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وفي طليعتها انتشار مبادئ الحرية الفردية والديموقراطية بين الناس قبل الحكام، لأن الحكام ليسوا استثناء، بل هم انعكاس لناسهم والثقافة السائدة. لا مؤسسة، ولا نادي، ولا منظمة واحدة في هذه الدول العربية يمكن الإشارة إليها كقصة نجاح ونموذج يحتذى في الحكم. 

أما السؤال فهو: كيف تتسلم السيادة والحكم شعوب لا يمكنها أن تقدم نموذجا واحدا عصريا وناجحا في الحياة العامة؟ هي شعوب قاصرة، ولسوء حظها لم تعد ”الدول المتقدمة“ مهتمة بانتداب أو وصاية، بل أن هذه الدول العربية تستجدي الغرب ليسعفها في قرض لشراء القمح من هنا أو تدخل من هناك، وعندما يتدخل الغرب، تثور ثائرة هذه الشعوب العربية عليه، وتقتله بدلا من أن تشكره. هي مشكلة عربية فادحة تبدو حلولها معدومة. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).