Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يعيش اللبنانيون أزمات اقتصادية وسياسية أدت إلى خلق صعوبات في الحصول على أدى متطلبات الحياة
يعيش اللبنانيون أزمات اقتصادية وسياسية أدت إلى خلق صعوبات في الحصول على أدى متطلبات الحياة

حسين عبد الحسين

بعد مئة عام بالتمام على إقرار ”عصبة الأمم“ المادة 22 من ميثاقها، والتي نصّبت بموجبها ”الدول المتقدمة“ كسلطات ”انتداب بالنيابة عن العصبة“، وكلفتها بتحقيق ”رفاهية وتقدم لبعض الشعوب“، ما تزال هذه الشعوب، منها ”بعض الجماعات التي كانت تابعة للإمبراطورية التركية“، قاصرة عن حكم نفسها وغير ”قادرة على الوقوف وحدها“، بل أن الدول التي أقامتها سلطات الانتداب لهذه الشعوب تلاشت، وتحولت الى أراض لا قانون فيها، تعيش فيها قبائل متناحرة وفق شريعة الغاب، حيث الحكم للأقوى. 

تقرير المصير حق تكفله الشرائع الدولية، لكنه ليس ضمانة أن الشعوب تعرف كيف تحكم نفسها متى نالت استقلالها، والعراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية مثال واضح، لا على قصور هذه الشعوب عن حكم نفسها فحسب، بل على عدم إدراكها أنها تعاني من هذا القصور، وقيامها بإلقاء اللائمة في مصائبها على الآخرين، من الغرب الإمبريالي و“عملاء الداخل“ إلى إسرائيل والماسونية. 

الدولة العراقية اندثرت منذ الانقلاب الذي أطاح بحكم الأسرة الهاشمية في العام 1958 إذ هي لم تعد دولة قائمة على المؤسسات، يناقش فيها البرلمان المنتخب شؤون إدارتها وتنمية اقتصادها، وتحولت إلى أجهزة عسكرية واستخباراتية تحكم بالحديد والنار، وتدير ماكينة دعاية إعلامية، وتسعى لتشتيت انتباه قصورها بشتم الاستعمار وسايكس بيكو وإسرائيل. ومع تضخم عائدات النفط، استخدم صدام حسين الأموال لتمويل جنونه العالمي والإقليمي، ولبناء جيش جرار اجتاح به الكويت، ثم انهار، وعاش العراق تحت حصار ومجاعة.

ولأن البعض اعتقد أن صدام هو مشكلة العراق، لم تؤثر الإطاحة به كثيرا، إذ أن العراقيين الذين خلفوه في السلطة لم يختلفوا عنه في جهلهم فلسفة الحكم، ومعنى الدولة، وأهمية القانون فيها، وكيفية عمل المؤسسات. ومع أن الأمم المتحدة وأميركا تركت للعراقيين دستورا، ركيكا وإنما لا بأس به، وقانون انتخابات نسبي عصري جعل من العراق دائرة واحدة، إلا أن نيل العراقيين استقلالهم من أميركا في العام 2011 سمح للحكام الجدد بقيادة البلاد نحو الهاوية مجددا، فأدار رئيس الحكومة السابق نوري المالكي — والذي تحول إلى كابوس يطارد العراق حتى اليوم — شبكة من الفساد والمحسوبية القبلية، فدمر الجيش، الذي انهار في ساعات إمام ميليشيا داعش في الموصل في 2014، وعبث بالقانون الانتخابي، ووضع المصرف المركزي في خدمة نظام إيران، وذاع صيت ابنه أحمد كأحد أثرى أثرياء بغداد، فيما المالكي أمضى سني نفيه خارج العراق يبيع مسابح أمام مقام السيدة زينب في دمشق.

ولم يكن المالكي وحيدا في فساده أو ارتزاقه لدى إيران، ولم يكن وحيدا في جهله شؤون الحكم، بل أن أبرز معارضيه، مقتدى الصدر، ثبت أنه يعاني من نفس المشاكل، فالصدر لا يفهم معنى الحريات الفردية ولا المؤسسات، بل هو يخال العراق قبائل، وأن وحدة القبائل وتبنيها رأي واحد هو الوطنية. 

وبسبب ضحالته الفكرية وانعدام خبرته السياسية، برز الصدر كأكثر زعيم عراقي شعبوي يحب الأضواء وإثارة الضوضاء، غالبا بقيامه باتخاذ خطوات مفاجئة وضخمة، ففي يوم يشكل ميليشيا جيش المهدي، وفي اليوم التالي يحلّها وينقلب على الميليشيات، ثم يرسل بلطجيته لممارسة العنف ضد متظاهري ثورة تشرين، ثم يتحالف مع الثوار، ثم يفوز بأكبر كتلة نيابية، لكنه يأمر كتلته بالاستقالة، فيفتح الباب أمام أزلام إيران الخاسرين للفوز بمقاعد الكتلة الصدرية، وهي خطوة يبدو أن مقتدى ندم على القيام بها، فأرسل مناصريه لتعطيل الدولة برمتها باحتلالهم مبنى البرلمان. 

ثم أطل الصدر على العراقيين بمطالب معقولة، وإن لا يمكن معرفة متى ينقلب ضدها. أما مطالب الصدر، فتتضمن حل البرلمان، وإجراء انتخابات، وتراجع المحكمة العليا عن قرارها غير الدستوري، والذي حوّل حكم الغالبية البسيطة إلى حكم غالبية الثلثين، وهو ما يناقض فسلفة الحكم الديموقراطي لأن الحكم يكون بالغالبية البسيطة وتعديل الدستور بالثلثين.

ومثل في العراق، كذلك في لبنان، الذي كان استقلاله أفضل حالا حتى العام 1969، يوم قرر المصري جمال عبدالناصر التعويض عن هزيمته أمام إسرائيل بإطلاقه حرب العصابات الفلسطينية ضدها، وتم اختيار لبنان كمركز للميليشيات الفلسطينية، ما قوّض سيادة دولة لبنان واقتصادها حتى اليوم مع رفض ”حزب الله“، آخر الميليشيات المتبقية، التخلي عن حكمه لبنان بقوة سلاحه.

ومثل الصدر في العراق، يعاني زعيم ”حزب الله“ حسن نصرالله من ضحالة هائلة في علومه السياسية والاقتصادية، فلا هو يفهم فلسفة الدول ولا الليبرالية ولا الديموقراطية، ولا هو يؤمن بحكم القانون المدني والقضاء، بل يعيش نصرالله في العصور الوسطى حيث الرأي هو دائما رأي القبيلة لا الفرد، وحيث الوطن يعني إجماع القبائل، أو فرض القوي رأيه عليها وباسمها، وحيث العدالة هي القضاء العشائري أو الاسلامي. 

أما الطامة الكبرى فهي أن نصرالله لا يفهم ارتباط السياستين الخارجية والدفاعية بشؤون الداخل والاقتصاد، ويعتقد أنه يمكن الفصل بينهما وتسليم شؤون الداخل لمؤيديه من زعماء الطوائف واحتكاره شؤون الخارج. لا يعرف نصرالله أن السياستين الخارجية والدفاعية — ومعهما الأرض — هي أدوات في خدمة الاقتصاد ورفاه المواطنين، وأن الشعوب تستميت من أجل مصالحها، ولا تموت في سبيل حماية مشاعرها وعواطفها المسماة كرامة وعنفوان.

فلسطين مثل العراق ولبنان: شعب لا يعرف كيف يحكم نفسه أو يدير شؤونه أو يتصرف بين الأمم. اتفقت القيادة الفلسطينية مع اسرائيل على سلام مقابل أجزاء من الأرض وسيادة على مراحل. منذ العام 1993، كلّما التزم الاسرائيليون مرحلة من الاتفاق، قامت حماس بقتل إسرائيليين هنا أو هناك وأظهرت أن لا سلطة للسلطة الفلسطينية، ففشلت عملية السلام وتحولت السلطة الفلسطينية إلى شرطي محلي يغرق في الفساد أكثر منه في إقامة مؤسسات فلسطينية تضمن استمرار الدولة بعد موت الزعيم.

الحكم الذاتي الفلسطيني بقي بدائيا وبحاجة إلى تطوير كبير في مساحات واسعة لا ترتبط بالسيادة. مثلا، قضاء السلطة الفلسطينية متهالك لا قيمة له، ويلجأ الناس غالبا إلى القضاء العشائري المتخلّف. أما الانتخابات الفلسطينية، فهي لم تجر منذ العام 2006. الاقتصاد الفلسطيني كذلك يعاني من شعبوية الحكام وشعارات مقاطعة إسرائيل. كان يمكن للفلسطينيين في الضفة وغزة دعوة العرب إلى السياحة والاستثمار عندهم، بالاتفاق مع إسرائيل، لكن الهوس بالمقاطعة والانتقام من إسرائيل والسعي لتدميرها واستعادة كل الأرض التي تقوم عليها، كلها عوامل حرمت الفلسطينيين فرصة بناء اقتصاد معرفة وخدمات لإقناع العالم أن للفلسطينيين قدرة على تسلم سيادة وإدارة دولة.

الشعوب العربية التي كانت خاضعة لانتداب كانت مهمته إعدادها لتحكم نفسها أثبتت أنها لم تكن قادرة على حكم نفسها قبل الانتداب، ولا بعده. هي شعوب تنعدم لديها الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وفي طليعتها انتشار مبادئ الحرية الفردية والديموقراطية بين الناس قبل الحكام، لأن الحكام ليسوا استثناء، بل هم انعكاس لناسهم والثقافة السائدة. لا مؤسسة، ولا نادي، ولا منظمة واحدة في هذه الدول العربية يمكن الإشارة إليها كقصة نجاح ونموذج يحتذى في الحكم. 

أما السؤال فهو: كيف تتسلم السيادة والحكم شعوب لا يمكنها أن تقدم نموذجا واحدا عصريا وناجحا في الحياة العامة؟ هي شعوب قاصرة، ولسوء حظها لم تعد ”الدول المتقدمة“ مهتمة بانتداب أو وصاية، بل أن هذه الدول العربية تستجدي الغرب ليسعفها في قرض لشراء القمح من هنا أو تدخل من هناك، وعندما يتدخل الغرب، تثور ثائرة هذه الشعوب العربية عليه، وتقتله بدلا من أن تشكره. هي مشكلة عربية فادحة تبدو حلولها معدومة. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).