Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

سناء العاجي

اسمه المستعار أحمد. يقيم في إحدى العواصم الأوروبية.  مهندس شاب عصري متدين. يصلي بانتظام في بيته، ويذهب للمسجد بين الفينة والأخرى. زوجته منى (اسم مستعار) تضع الحجاب. يصومان رمضان ويفكران في إتمام مراسم الحج عما قريب.

لكن أحمد ومنى قررا أن ينتقلا من الحي الذي يقيمان فيه بسبب الضجيج والشغب الذي يتسبب فيه عدد من مرتادي المسجد الذي يوجد بالقرب من بيتهما، بعد صلاة التراويح حين يغادرون المسجد في وقت متأخر، أو بعد صلاة الفجر حين يغادرونه باكرا بهرج وأصوات مرتفعة خلال المحادثات، دون مراعاة لنوم الآخرين (أطفال، مسنون...).

نحن هنا أمام شخصين متدينين وليسا "ملحدين" أو "معاديين للدين" كما قد يتحجج البعض درءا للتهمة. ومع ذلك، فقد سببت لهما السلوكيات غير المواطنة لمسلمين آخرين، إزعاجا جعلهما يفكران بشكل قطعي في تغيير السكن.

هنا، يجوز التساؤل: كيف يعيش هذا الوضعَ ذلك المواطن الأوروبي أو الأميركي الذي يعيش أساسا بتصورات مغلوطة عن الإسلام والمسلمين، وعن المهاجرين بشكل عام؟ إذا كان مهاجرون مسلمون يقتسمون مع هذه الشريحة الاجتماعية عددا من المعطيات الثقافية والدينية المشتركة، هم بدورهم لا يطيقون هذه السلوكيات، فكيف بغيرهم ممن قد يكون له تموقف مختلف من ثقافة غريبة عنه؟

مرة أخرى، سينتفض البعض معتبرا أن في الأمر مبالغة. لكن المراقب الموضوعي لسلوكيات عدد من المهاجرين في البلدان الأوروبية والأميركية يجعلنا نستنتج أن بعضها يساهم كثيرا في التضليل الذي يحدث حول دينهم وثقافتهم. ما معنى أن تتجول في الشوارع بحذاء رياضي وجلباب قصير لم يثبت يوما أنه كان دليل تدين؟ ما معنى أن تصلي الفجر في المسجد وتخرج في موعد مبكر أو من صلاة التراويح في وقت متأخر وأنت تتحدث بصوت مرتفع مع صديقك أو ابنك، والناس نيام؟ ما معنى أن تركب الميترو وتترك القرآن يصدح بصوت مرتفع من هاتفك؟ هل هكذا يكون التدين؟ أم أنها في الحقيقة أشكال من الاستفزاز التي تقول: "أنت تكره ديني. وأنا في أرضك وسأستفزك"؟

للأسف، بالنسبة للكثير من المهاجرين، أصبح التدين فلكلورا يرتبط باللباس، لكنه لا يؤثر كما يجب في السلوكيات والقيم. بعضهم، وهذه ممارسة انتشرت في السنوات الأخيرة، يتطلق من زوجته ثم يتزوجان في المسجد بصيغة دينية فقط، لكي تستفيد الزوجة من مساعدات اجتماعية أكبر، باعتبارها أما مطلقة تعيل أطفالا! أليست هذه سرقة للمال العام وكذبا على الدولة وعلى المواطنين وعلى الله؟ لكنهم يعتبرون ذلك حلالا لأنهم "يغنمون أموال الكفار". بعضهم يستغل المساعدات الاجتماعية ليس لتحسين ظروف أبنائه الذين يفترض أن يكونوا أول المستفيدين، بل لبناء بيوت في بلدانهم الأصلية مع ما يعنيه ذلك من حرمان للأطفال في بلدان المهجر وما قد يتسبب فيه من آثار لإدماجهم أو عدم إدماجهم في المجتمع الذي ينتمون إليه. بعضهم يصر على ذبح خروف العيد في بيته رغم أن معظم البلدان الأوروبية والأميركية توفر فضاءات مرخصة لإجراءات العيد وللتضحية. بعضهم يحرم بناته من التعليم أو السفر بدعوى الشرف في مجتمعات لا تتساهل مع قيم التمييز ضد النساء أو الحجر عليهن.

مرة أخرى، سيعتبر البعض هذا الأمر هجوما على المسلمين. وسيخرجون نماذج إيجابية لمسلمين مندمجين. هذه العينات موجودة بالفعل وهذا أمر إيجابي ومهم. لكننا لا نستطيع أن نلغي أن أعدادا كبيرة من المهاجرين حولت الدين لفلكلور ومشاهد استفزاز تأثر بشكل سلبي على صورة المسلمين بشكل عام. سلوكيات مستفزة لا تأثر فقط على من يقومون بها؛ لكن أيضا على غيرهم من المسلمين ممن يعيشون تدينهم في سلام، دون أن يؤثر ذلك على حقوقهم وواجباتهم واندماجهم كمواطنين في تلك البلدان. مسلمون يعانون هم أنفسهم من سلوكيات بعض المنتمين لدينهم... تماما مثل أحمد ومنى والمئات من أمثالهم!

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"
"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"

عمران سلمان

يعتبر نموذجا فيتنام والجزائر مادة خصبة للمقارنة والدراسة وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه الكثيرة بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات.

فكلا البلدين كان ينتمي للكتلة الاشتراكية وخاضا نزاعين كبيرين ومدمرين تقريبا في نفس الفترة (الحرب الفيتنامية الأميركية وحرب الاستقلال الجزائرية من فرنسا) وتكبدا خسائر هائلة في الأرواح (أكثر من مليون ونصف المليون قتيل)، ويعتبر البلدان حديثي النشأة وكان ينظر إليهما بوصفهما رمزين لحركات التحرر الوطني في العالم، ومع ذلك فبعد قرابة خمسة عقود من انتهاء النزاعين، تبدو الحصيلة مختلفة تماما.

فالجزائر بقيت تراوح في مكانها وهي تعتبر دولة فقيرة نسبيا وتعتمد أساسا على النفط وتعيش تحت رحمة أسعاره المتقلبة، ولديها واحد من أسوأ النماذج الاقتصادية، فيما فيتنام تبرز كدولة صاعدة اقتصاديا مع واحد من أسرع معدلات النمو في العالم، وقد ساعدتها سياسات الانفتاح الاقتصادي على جذب الاستثمارات الخارجية وانتقال العديد من الشركات الأميركية الكبرى إليها.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2021 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لفيتنام حوالي 366 مليار دولار بينما بلغ إجمالي الناتج المحلي للجزائر حوالي 163 مليار دولار.

ترى ما السبب في ذلك؟ لماذا تمكنت فيتنام من التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة وفي طريقها كي تصبح نمرا آسيويا، بينما تعثرت التنمية في الجزائر وبات أكثر من نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر؟

بالطبع توجد اختلافات بين البلدين سواء من ناحية الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وعدد السكان.. إلخ، وهذا كان يفترض أن يرجح كفة الجزائر وليس فيتنام.

الإجابة هي الاختلاف في رد الفعل على التحدي الذي واجهته فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وذاك الذي أبدته الجزائر بعد الحرب مع فرنسا.

كان يمكن لفيتنام أن تظل حبيسة ظروف تلك الحرب ومواصلة لعب دور الضحية واعتبار نفسها رأس حربة في العداء للولايات المتحدة والإمبريالية والاستعمار والرأسمالية.. إلخ، ومواصلة حشو أدمغة طلابها وشبابها بالشعارات الخاوية واجترار الماضي والعيش على بطولاته!

لكن الفيتناميين كانوا أذكى من ذلك، وقد أظهروا حكمة كبيرة جعلتهم يتفادون الوقوع في شباك "الفخاخ الثورية"، حيث رفضوا السير في ذلك الطريق المظلم (طريق الخلف در) وفضلوا أن يتبعوا نماذج ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، التي مرت هي الأخرى بظروف مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابتها متقاربة.

ما هو هذا النموذج؟

ترك الماضي للماضي والتصالح التاريخي مع الولايات المتحدة وبناء علاقات وثيقة وشراكة معها والاستفادة القصوى من نموذجها في الاقتصاد والسياسة والحداثة وما تتمتع به من إمكانيات هائلة في جميع المجالات.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذته فيتنام مهد الطريق لقرار تاريخي أميركي بالتطبيع الشامل للعلاقات بين البلدين، في عام 1995، ورفع العقوبات عن فيتنام التي دامت 20 عاما.

وفي عام 1997، تم تبادل السفراء وقام الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، بزيارة فيتنام، عام 2000، كأول رئيس أميركي يقوم بذلك منذ انتهاء الحرب.

ووقعت هانوي وواشنطن اتفاقية تجارية ثنائية في نفس العام سمحت لفيتنام بدخول السوق الأميركي مع تخفيض نسب كبيرة من التعريفات الجمركية. ثم ساهمت واشنطن في تسهيل دخول فيتنام منظمة التجارة العالمية عام 2007، وهو ما أتاح لها الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومع اطراد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، شهدت العلاقات السياسية أيضا تطورا لافتا مع قيام زعماء البلدين بتبادل الزيارات خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2015، قام رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي بزيارة إلى واشنطن اعتبرت "تاريخية"، فيما زار كل من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب فيتنام عامي 2016 و2017 على التوالي.

وتنظر غالبية الشعب الفيتنامي اليوم إيجابيا إلى كل ما يتعلق بأميركا والغرب عموما، إذ يشير استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث عام 2017 إلى أن 76 في المئة من الفيتناميين لهم رأي إيجابي في الولايات المتحدة، وارتفعت النسبة إلى 87 في المئة بين الشباب الفيتنامي من 18 إلى 29 عاما.

ويعتبر الطلاب الفيتناميون سادس أكبر مجموعة من الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك، بقيت الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط، وليس هناك أدل من ذلك مما جاء في استطلاع للرأي أجراه البارومتر العربي (2019) حيث أبدى قلة من الجزائريين رغبتهم في إقامة علاقات اقتصادية أقوى بين بلادهم والولايات المتحدة.

وبلغت هذه النسبة 24 في المئة فقط، بينما سجلت تأييدا بحوالي 50 في المئة لصالح العلاقات مع تركيا و36 في المئة مع الصين و35 في المئة مع روسيا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).