Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

حارس سجن القنيطرة قرب العاصمة المغربية يحمل مفاتيح زنزانات (أرشيف)
صورة من داخل سجن بالمغرب- أرشيف

عبد الرحيم التوراني

في العقود الأخيرة، صار السجن موضوعا حاضرا بقوة في الأحاديث المتداولة بين الناس في المجتمع المغربي. حتى لا تكاد تجد شارعا بحيٍّ من الأحياء السكنية الشعبية في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، لا يمثله عشرات الشباب داخل السجون. فإن لم يكونوا دخلوه بسبب السرقة البسيطة، أو التورط في عراك ينتج عنه ضرب وجرح، أو بسبب السكر العلني، فقد يحدث بسبب استهلاك وترويج المخدرات، أو الاغتصاب، أو النصب والاحتيال، وأحيانا بسبب الهجرة السرية، إلى ما هنالك من "الجرائم الصغيرة" التي تتنامى بصورة  تكاد تتحول إلى نمط عيش أو أسلوب حياة لدى الشباب العاطلين في المغرب. 

وحسب تقرير رسمي نشر قبل أيام قليلة، صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، يوجد أكثر من ربع الشباب في المغرب ما بين 15 و24 سنة، أي ما يمثل 2 ,16 % من الساكنة الإجمالية خلال 2021، "لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين". وبالتالي ليس أمامهم سوى الضياع والانخراط في دروب المجهول وسبل الجريمة المؤدية إلى بوابات السجون. 

ناهيك عن المحكوم عليهم من المعتقلين على خلفية الحراك الاجتماعي، مثل الحراك الشعبي في الحسيمة وجرادة وزاكورة، أو بسبب آراء ومواقف معارضة، إلا أن معظم هؤلاء المعتقلين يقبعون اليوم في الزنازين بملفات جنائية لا صلة لها بحقيقة حرمانهم من الحرية. 

كل هذا يفسر عزم الدولة بناء سجون جديدة، لتدبير ظاهرة الاكتظاظ في السجون، من أجل استيعاب أعداد السجناء الذين عرف عددهم ارتفاعا بنسبة حوالي 40 في المائة خلال العقد الأخير.  

حسب إفادة أدلى بها المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، بشأن الاكتظاظ، فإن الاستثناء الحاصل في انخفاض عدد السجناء، حدث خلال تفشي جائحة كورونا، ما بين نهاية ديسمبر 2019 ونهاية أبريل 2022. أي خلال أربعة أشهر سجل فيها انخفاضا من 84 ألف و393 معتقلا إلى 78 ألف و256 معتقلا. وهو استثناء "لم يسبق تسجيل مثيل له منذ أواخر سنة 2016"، كما أكد المسؤول الأول عن سجون المملكة. إذ إن الانخفاض النسبي لمعدلات الجريمة جاء نتيجة مباشرة لفرض الحجر الصحي، في المدة التي عرفت فيها المحاكم تعليق أنشطتها مقتصرة على القضاء الاستعجالي. لكن ما إن تم رفع الإجراءات الاحترازية وإنهاء الحجر الصحي، حتى استأنفت المحاكم عملها، لتعود  ماكينة أرقام الساكنة السجنية إلى الارتفاع، عائدة إلى الأرقام المسجلة سابقا قبل جائحة "كوفيد- 19".  

رافق هذا الوضع العام، تزايد الاهتمام بالشأن السجني من طرف هيئات المجتمع المدني خلال الألفية الحالية، بإنشاء جمعيات محلية ووطنية متخصصة تعنى بأوضاع السجناء، خاصة الفئات المستضعفة، النساء والأحداث منهم مع الشباب، إذ تسعى هذه الجمعيات لمساعدة هؤلاء المساجين وإعادة إدماجهم في المجتمع بعد استرجاع حريتهم. 

هذا إضافة إلى مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء (رسمية)، تم إنشاؤها ﺳﻧﺔ 2002 "ﺗﻧﻔﯾذا ﻻﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺔ ﺟﻼﻟﺔ الملك ﻣﺣﻣد اﻟﺳﺎدس اﻟراﻣﯾﺔ إﻟﯽ ﺗوﻓﯾر اﻟدﻋم واﻟﻣواﮐﺑﺔ ﻟﻔﺎﺋدة اﻟﺳﺟﻧﺎء اﻟﻣﻔرج ﻋﻧﮭم". تأسست في سياق حيوية المجتمع المدني في المغرب جمعيات حقوقية غير حكومية ومستقلة. منها "جمعية حلقة وصل سجن/ مجتمع"، أنشئت في سنة 2005،  لـ"مكافحة ارتداد السجناء إلى حياة الجريمة، ومن أجل توفير المساعدة وتقديم خدمات إعادة التأهيل والعمل على إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد مغادرة السجن، مع أنشطة تدريب للسجناء السابقين وتوفير الخدمات للسجناء الحاليين". 

قبلها، في سنة 1999 تأسست منظمة "المرصد المغربي للسجون"، بهدف "حماية وتعزيز حقوق السجينات والسجناء". 

 وفي الأعوام الأخيرة شرع المرصد في إصدار دراسات وتقارير سنوية حول أوضاع المؤسسات السجنية والسجناء في المغرب.  

وقد تميز الأسبوع المنصرم بتقديم التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون للعام 2021، تحت شعار: "حالة السجون مرآة المجتمع، فكيف نريدها؟"، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت بالعاصمة الرباط، صباح الخميس 4 أغسطس 2022.  

اشتمل التقرير على مجموعة من البيانات والمعطيات الإحصائية الخاصة بالمؤسسات وبالساكنة السجنية، ووضعية الفئات الهشة وذوي الإعاقة والأحداث والأجانب، ومعالجة وتحليل ومتابعة الشكايات والتظلمات الواردة على المرصد، وانتهى بخلاصات وتوصيات. 

حسب التقرير وصل عدد المعتقلين في المؤسسات السجنية في المغرب نهاية سنة 2021، ما مجموعه 88914 معتقلا، 2.34% منهم نساء. من بينهن 69 سجينة أجنبية.  

- 43 %  من الساكنة السجنية تتراوح أعمارهم ما بين 20 و 30 سنة. 

-  30 % أعمارهم ما بين 30 و40 سنة. وعدد الأحداث دون سن 18 سنة 1028 حدثا.  

-  79 % من الصادر في حقهم حكم الإعدام، بينهم امرأتان. علما أن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف منذ  ثلاثة عقود. 

- 1132 أجنبيا سجينا.  

تتصدر جهة الدار البيضاء- سطات المرتبة الأولى بـ 19% من عدد السجناء، تليها جهة الرباط - سلا - القنيطرة بنسبة 18%. 

يسجل انخفاض في عدد المؤسسات السجنية مقابل ارتفاع عدد السجناء، مع تقليص في المساحة المخصصة لكل سجين، التي وصلت إلى 2.0 متر مربع، دون أن تستجيب للمعاير الدولية الموصى بها والاتفاقيات المصادق عليها (4 متر مربع)، والتي توفر لكل سجين مرفقا صحيا معزولا.  

كما تتكرر ظاهرة احتجاج آلاف السجناء على سوء أوضاع حبسهم والمعاملات اللإنسانية التي يتلقونها، بلجوئهم إلى خوض الإضراب عن الطعام، إضافة إلى ارتفاع الوفيات وحالات الانتحار بين السجناء، علما أن بعض تلك الحالات لا يتم إجلاء الحقيقة كاملة بشأن ملابساتها. 

*** 

يحاول المرصد المغربي للسجون الإشارة إلى ما تحقق من مكتسبات لفائدة السجناء والأوضاع داخل السجون عموما، إلا أن مهمته الأساسية تتجلى في رصد النواقص والمشاكل وكشف الاختلالات، بلفت الانتباه إلى وضعية المؤسسات السجنية ومدى احترامها للمعايير المعمول بها، في أفق البحث في إمكانيات النهوض بها لجعلها تلعب أدوارا رئيسية في التأهيل وإعادة الإدماج، وانتقاد كل ما يحول دون تحقيق مصلحة السجناء وحفظ كرامتهم الإنسانية، وفق المبادئ الأساسية الكونية وانسجاما مع التشريع الوطني ذي الصلة بالسجون. 

ويعد التقرير السنوي للمرصد وثيقة هامة تتضمن أرقاما دقيقة وتفاصيل محققة حول ما يجري داخل السجون المغربية. وكثير من معطياته هي رد مباشر على الصورة الزاهية التي تقدم حول السجون بالمغرب، صورة جعلت أحدهم يقول بسخرية مريرة: "علينا الانتقال جميعا إذن للعيش بـ"منتزهات التامك"، التي يعيش فيها "النزلاء" في عز ونعيم أين منه نزلاء الفنادق المصنفة ضمن الخمس نجوم". 

يحمل التقرير مجموعة من التوصيات العملية، الموجهة إلى الحكومة والبرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقضاء والنيابة العامة، وإلى كل المتدخلين في الشأن السجني، إذ تمحورت توصيات تقرير المرصد حول إصلاح المنظومة القانونية الجنائية والعمل على ملائمتها مع المعايير الدولية ذات الصلة بالشأن السجني، ورسم سياسة عقابية إنسانية وملائمة للالتزامات التعاقدية للمغرب، والتسريع في تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وتعزيز دور القضاء في الرقابة على تدبير السجون ووضعية السجناء، وتجسيد المقاربة التشاركية في تدبير القطاع السجني، وضمان وتعزيز الحقوق الأساسية للسجناء، بما فيها الحق في التكوين والتعليم والتواصل والاندماج. 

ولا يفوت مسؤولو المرصد مناسبة تقديم تقريره السنوي دون المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي والاحتجاجات السلمية والإفراج عن النساء السجينات المرفقات بأطفالهن، والسجناء في وضعية إعاقة وذوي الأمراض المزمنة والمسنين للتقليص من ظاهرة الاكتظاظ  داخل المؤسسات السجنية، وتقليص عدد السجناء الاحتياطيين. 

وقد سبق للأستاذ عبد الرحيم الجامعي (نقيب سابق لهيأة المحامين، ومن مؤسسي مرصد السجون) توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ينتقد فيها ما أعلن بشأن إجراءات تعتزم الحكومة تفعيلها للحد من اكتظاظ السجون، ومن بينها التوجه إلى بناء 11 مؤسسة سجنية. مؤكدا ضمن رسالته أن "بناء السجون ليس الحل الحقيقي"، مضيفا أن مشكلة الاكتظاظ "لا تعود إلى قلة عدد السجون، ولا تجد حلها في بناء السجون، لكن تعود للأوضاع المزرية للمحاكم، ولظروف اشتغال القضاة، والضغوط التي يتحملها الرجال والنساء منهم". 

***  

يقول المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، أول الفلاسفة الذين ناقشوا ظاهرة السجن: "بالنسبة إلى السجن، لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون.. وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية (...) صادرة عن أناس عاشوا داخل تلك المؤسسات وقاموا بتسييرها".  

كما لو أن فوكو يتحدث هنا عن المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك (69 عاما)، الذي كتب له في حياته أن يكون سجينا ثم سجّانا، بعد أن كان ضمن المعتقلين الصحراويين بسجن "سيدي سعيد" في مدينة مكناس. وفي سنة 2013 تم تعيينه للإشراف على تسيير سجون المملكة. خصوصا إذا ما علمنا أن التامك حاصل على شهادة دكتوراه في مجال تحليل الخطاب.  

فمن أين سيبدأ يا ترى السجَان الأكاديمي للإقناع بحالة السجون التي يديرها ولا نريدها؟! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).