Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

حارس سجن القنيطرة قرب العاصمة المغربية يحمل مفاتيح زنزانات (أرشيف)
صورة من داخل سجن بالمغرب- أرشيف

عبد الرحيم التوراني

في العقود الأخيرة، صار السجن موضوعا حاضرا بقوة في الأحاديث المتداولة بين الناس في المجتمع المغربي. حتى لا تكاد تجد شارعا بحيٍّ من الأحياء السكنية الشعبية في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، لا يمثله عشرات الشباب داخل السجون. فإن لم يكونوا دخلوه بسبب السرقة البسيطة، أو التورط في عراك ينتج عنه ضرب وجرح، أو بسبب السكر العلني، فقد يحدث بسبب استهلاك وترويج المخدرات، أو الاغتصاب، أو النصب والاحتيال، وأحيانا بسبب الهجرة السرية، إلى ما هنالك من "الجرائم الصغيرة" التي تتنامى بصورة  تكاد تتحول إلى نمط عيش أو أسلوب حياة لدى الشباب العاطلين في المغرب. 

وحسب تقرير رسمي نشر قبل أيام قليلة، صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، يوجد أكثر من ربع الشباب في المغرب ما بين 15 و24 سنة، أي ما يمثل 2 ,16 % من الساكنة الإجمالية خلال 2021، "لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين". وبالتالي ليس أمامهم سوى الضياع والانخراط في دروب المجهول وسبل الجريمة المؤدية إلى بوابات السجون. 

ناهيك عن المحكوم عليهم من المعتقلين على خلفية الحراك الاجتماعي، مثل الحراك الشعبي في الحسيمة وجرادة وزاكورة، أو بسبب آراء ومواقف معارضة، إلا أن معظم هؤلاء المعتقلين يقبعون اليوم في الزنازين بملفات جنائية لا صلة لها بحقيقة حرمانهم من الحرية. 

كل هذا يفسر عزم الدولة بناء سجون جديدة، لتدبير ظاهرة الاكتظاظ في السجون، من أجل استيعاب أعداد السجناء الذين عرف عددهم ارتفاعا بنسبة حوالي 40 في المائة خلال العقد الأخير.  

حسب إفادة أدلى بها المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، بشأن الاكتظاظ، فإن الاستثناء الحاصل في انخفاض عدد السجناء، حدث خلال تفشي جائحة كورونا، ما بين نهاية ديسمبر 2019 ونهاية أبريل 2022. أي خلال أربعة أشهر سجل فيها انخفاضا من 84 ألف و393 معتقلا إلى 78 ألف و256 معتقلا. وهو استثناء "لم يسبق تسجيل مثيل له منذ أواخر سنة 2016"، كما أكد المسؤول الأول عن سجون المملكة. إذ إن الانخفاض النسبي لمعدلات الجريمة جاء نتيجة مباشرة لفرض الحجر الصحي، في المدة التي عرفت فيها المحاكم تعليق أنشطتها مقتصرة على القضاء الاستعجالي. لكن ما إن تم رفع الإجراءات الاحترازية وإنهاء الحجر الصحي، حتى استأنفت المحاكم عملها، لتعود  ماكينة أرقام الساكنة السجنية إلى الارتفاع، عائدة إلى الأرقام المسجلة سابقا قبل جائحة "كوفيد- 19".  

رافق هذا الوضع العام، تزايد الاهتمام بالشأن السجني من طرف هيئات المجتمع المدني خلال الألفية الحالية، بإنشاء جمعيات محلية ووطنية متخصصة تعنى بأوضاع السجناء، خاصة الفئات المستضعفة، النساء والأحداث منهم مع الشباب، إذ تسعى هذه الجمعيات لمساعدة هؤلاء المساجين وإعادة إدماجهم في المجتمع بعد استرجاع حريتهم. 

هذا إضافة إلى مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء (رسمية)، تم إنشاؤها ﺳﻧﺔ 2002 "ﺗﻧﻔﯾذا ﻻﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺔ ﺟﻼﻟﺔ الملك ﻣﺣﻣد اﻟﺳﺎدس اﻟراﻣﯾﺔ إﻟﯽ ﺗوﻓﯾر اﻟدﻋم واﻟﻣواﮐﺑﺔ ﻟﻔﺎﺋدة اﻟﺳﺟﻧﺎء اﻟﻣﻔرج ﻋﻧﮭم". تأسست في سياق حيوية المجتمع المدني في المغرب جمعيات حقوقية غير حكومية ومستقلة. منها "جمعية حلقة وصل سجن/ مجتمع"، أنشئت في سنة 2005،  لـ"مكافحة ارتداد السجناء إلى حياة الجريمة، ومن أجل توفير المساعدة وتقديم خدمات إعادة التأهيل والعمل على إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد مغادرة السجن، مع أنشطة تدريب للسجناء السابقين وتوفير الخدمات للسجناء الحاليين". 

قبلها، في سنة 1999 تأسست منظمة "المرصد المغربي للسجون"، بهدف "حماية وتعزيز حقوق السجينات والسجناء". 

 وفي الأعوام الأخيرة شرع المرصد في إصدار دراسات وتقارير سنوية حول أوضاع المؤسسات السجنية والسجناء في المغرب.  

وقد تميز الأسبوع المنصرم بتقديم التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون للعام 2021، تحت شعار: "حالة السجون مرآة المجتمع، فكيف نريدها؟"، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت بالعاصمة الرباط، صباح الخميس 4 أغسطس 2022.  

اشتمل التقرير على مجموعة من البيانات والمعطيات الإحصائية الخاصة بالمؤسسات وبالساكنة السجنية، ووضعية الفئات الهشة وذوي الإعاقة والأحداث والأجانب، ومعالجة وتحليل ومتابعة الشكايات والتظلمات الواردة على المرصد، وانتهى بخلاصات وتوصيات. 

حسب التقرير وصل عدد المعتقلين في المؤسسات السجنية في المغرب نهاية سنة 2021، ما مجموعه 88914 معتقلا، 2.34% منهم نساء. من بينهن 69 سجينة أجنبية.  

- 43 %  من الساكنة السجنية تتراوح أعمارهم ما بين 20 و 30 سنة. 

-  30 % أعمارهم ما بين 30 و40 سنة. وعدد الأحداث دون سن 18 سنة 1028 حدثا.  

-  79 % من الصادر في حقهم حكم الإعدام، بينهم امرأتان. علما أن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف منذ  ثلاثة عقود. 

- 1132 أجنبيا سجينا.  

تتصدر جهة الدار البيضاء- سطات المرتبة الأولى بـ 19% من عدد السجناء، تليها جهة الرباط - سلا - القنيطرة بنسبة 18%. 

يسجل انخفاض في عدد المؤسسات السجنية مقابل ارتفاع عدد السجناء، مع تقليص في المساحة المخصصة لكل سجين، التي وصلت إلى 2.0 متر مربع، دون أن تستجيب للمعاير الدولية الموصى بها والاتفاقيات المصادق عليها (4 متر مربع)، والتي توفر لكل سجين مرفقا صحيا معزولا.  

كما تتكرر ظاهرة احتجاج آلاف السجناء على سوء أوضاع حبسهم والمعاملات اللإنسانية التي يتلقونها، بلجوئهم إلى خوض الإضراب عن الطعام، إضافة إلى ارتفاع الوفيات وحالات الانتحار بين السجناء، علما أن بعض تلك الحالات لا يتم إجلاء الحقيقة كاملة بشأن ملابساتها. 

*** 

يحاول المرصد المغربي للسجون الإشارة إلى ما تحقق من مكتسبات لفائدة السجناء والأوضاع داخل السجون عموما، إلا أن مهمته الأساسية تتجلى في رصد النواقص والمشاكل وكشف الاختلالات، بلفت الانتباه إلى وضعية المؤسسات السجنية ومدى احترامها للمعايير المعمول بها، في أفق البحث في إمكانيات النهوض بها لجعلها تلعب أدوارا رئيسية في التأهيل وإعادة الإدماج، وانتقاد كل ما يحول دون تحقيق مصلحة السجناء وحفظ كرامتهم الإنسانية، وفق المبادئ الأساسية الكونية وانسجاما مع التشريع الوطني ذي الصلة بالسجون. 

ويعد التقرير السنوي للمرصد وثيقة هامة تتضمن أرقاما دقيقة وتفاصيل محققة حول ما يجري داخل السجون المغربية. وكثير من معطياته هي رد مباشر على الصورة الزاهية التي تقدم حول السجون بالمغرب، صورة جعلت أحدهم يقول بسخرية مريرة: "علينا الانتقال جميعا إذن للعيش بـ"منتزهات التامك"، التي يعيش فيها "النزلاء" في عز ونعيم أين منه نزلاء الفنادق المصنفة ضمن الخمس نجوم". 

يحمل التقرير مجموعة من التوصيات العملية، الموجهة إلى الحكومة والبرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقضاء والنيابة العامة، وإلى كل المتدخلين في الشأن السجني، إذ تمحورت توصيات تقرير المرصد حول إصلاح المنظومة القانونية الجنائية والعمل على ملائمتها مع المعايير الدولية ذات الصلة بالشأن السجني، ورسم سياسة عقابية إنسانية وملائمة للالتزامات التعاقدية للمغرب، والتسريع في تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وتعزيز دور القضاء في الرقابة على تدبير السجون ووضعية السجناء، وتجسيد المقاربة التشاركية في تدبير القطاع السجني، وضمان وتعزيز الحقوق الأساسية للسجناء، بما فيها الحق في التكوين والتعليم والتواصل والاندماج. 

ولا يفوت مسؤولو المرصد مناسبة تقديم تقريره السنوي دون المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي والاحتجاجات السلمية والإفراج عن النساء السجينات المرفقات بأطفالهن، والسجناء في وضعية إعاقة وذوي الأمراض المزمنة والمسنين للتقليص من ظاهرة الاكتظاظ  داخل المؤسسات السجنية، وتقليص عدد السجناء الاحتياطيين. 

وقد سبق للأستاذ عبد الرحيم الجامعي (نقيب سابق لهيأة المحامين، ومن مؤسسي مرصد السجون) توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ينتقد فيها ما أعلن بشأن إجراءات تعتزم الحكومة تفعيلها للحد من اكتظاظ السجون، ومن بينها التوجه إلى بناء 11 مؤسسة سجنية. مؤكدا ضمن رسالته أن "بناء السجون ليس الحل الحقيقي"، مضيفا أن مشكلة الاكتظاظ "لا تعود إلى قلة عدد السجون، ولا تجد حلها في بناء السجون، لكن تعود للأوضاع المزرية للمحاكم، ولظروف اشتغال القضاة، والضغوط التي يتحملها الرجال والنساء منهم". 

***  

يقول المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، أول الفلاسفة الذين ناقشوا ظاهرة السجن: "بالنسبة إلى السجن، لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون.. وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية (...) صادرة عن أناس عاشوا داخل تلك المؤسسات وقاموا بتسييرها".  

كما لو أن فوكو يتحدث هنا عن المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك (69 عاما)، الذي كتب له في حياته أن يكون سجينا ثم سجّانا، بعد أن كان ضمن المعتقلين الصحراويين بسجن "سيدي سعيد" في مدينة مكناس. وفي سنة 2013 تم تعيينه للإشراف على تسيير سجون المملكة. خصوصا إذا ما علمنا أن التامك حاصل على شهادة دكتوراه في مجال تحليل الخطاب.  

فمن أين سيبدأ يا ترى السجَان الأكاديمي للإقناع بحالة السجون التي يديرها ولا نريدها؟! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب
التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب

حسين عبد الحسين

قبل عشرين عاما، بدا الطغيان قدرا محتوما على العرب. كان مفهوما أن يورث ملكا الأردن الحسين والمغرب الحسن عرشيهما لابنيهما عبدالله ومحمد. لكن لم يكن مفهوما أن تتحول أنظمة الطغيان الثوري إلى جمالك (جمهوريات ممالك) مع انتقال رئاسة حافظ الأسد السوري لولده بشّار واعداد حسني مبارك نجله جمال لوراثة الرئاسة المصرية. ومثلهما كان طاغية العراق صدام حسين يعدّ ابنه قصي لوراثته في مجلس قيادة الثورة ورئاسة البلاد، بعدما تبين أن بِكره عدي فاشل.

ثم اجتاحت الولايات المتحدة العراق وبدا أن الليل العربي بدأ ينجلي وأن القيد بدأ ينكسر.

قبل حرب العراق، أمضت النخبة العربية عقودا وهي تهاجم الولايات المتحدة لدعمها طغاة العرب الذين يبقون الدول العربية متخلفة. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، اعتقدت أميركا أن الطغيان يولّد البؤس، وأن البؤس يولّد الارهاب الذي يصل شواطئها، فقررت إعطاء العراقيين فرصة لبناء ديمقراطية.

الشعب الأميركي لا يهتم كثيرا لشقاء العرب ولا يرى مبررا لإنهائه الذي يكلف الأميركيين أموالا ودماء. لأقناع الأميركيين بضرورة الحرب في العراق، اضطرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش إلى تضخيم خطر صدام بإعلان أن بحوزته ترسانة أسلحة دمار شامل. لم تكترث واشنطن لمصداقيتها لأنها ظنّت أن نتيجة التغيير في العراق كانت ستكون إيجابية حتما لأن في العراق شعب يعجّ بحملة الشهادات والكفاءات، وثروة نفطية ضخمة يمكنها تمويل إعادة البناء والتنمية.

جاءت القوة الأميركية بجبروتها لتبدأ عملية التغيير العراقي، فاكتشفت أميركا والعالم أن العرب ليسوا بحاجة لتغيير حكامهم فحسب، بل لتغيير ثقافتهم التي لا تسمح للحريات الفردية ولا تفهم معنى المواطنية. اكتشفت أميركا أنه يستحيل بناء دولة ديمقراطية مع أفراد لا يرون أنفسهم مواطنين، بل أعضاء في قبائل لكل منها زعيم، ما يجعل الدولة مجلس قادة قبائل. والقبائل هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل هي شبكات ريعية يقودها قبضايات يقدمون الرعاية المالية والأمنية لتابعيهم، مقابل ولاء التابعين الأعمى لزعمائهم.

مع اكتشاف أميركا الخواء العربي، وسيطرة الثقافة القبلية التي تمنع قيام دولة حديثة، سعت واشنطن لإعادة تركيب العراق كيفما اتفق، غالبا بتكرار النموذج اللبناني الفاشل حيث يتقاسم الزعماء موارد الدولة ويثرون، ويوزعون بعض المغانم على الأزلام والمحاسبين، الذين يضمنون إعادة انتخاب الزعيم وبقائه في الحكم. كل ذلك يتم في غياب الحريات، تحت طائلة التصفية الجسدية لأي معارضين لا ينتمون لأي واحدة من شبكات الزعماء الحاكمين.

في لبنان، اغتال "حزب الله" رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حسب محكمة الأمم المتحدة، فأدى ذلك لاهتزاز وانسحاب قوات الأسد من لبنان بعد ثلاثة عقود على احتلاله وحكمه. ومثل العراق، لم تؤد فرصة التغيير التي سنحت للبنانيين برعاية دولية الى تغيير، بل انتقل لبنان من طغيان الأسد الى طغيان زعيم "حزب الله" حسن نصرالله.

تكررت مشاهد الفشل في الانتقال إلى الأفضل في كل الدول التي طالها الربيع العربي بعد ذلك، وأن بوتيرة متفاوتة. في تونس، أطاحت الثورة الشعبية بزين العابدين بن علي، فغرقت البلاد في شلل دام عقد إلى أن تسلّق استاذ جامعي الحكم على سلّم الديمقراطية، ثم وصل الحكم فعدّل الدستور ونصّب نفسه حاكما أوحدا ودائما.

وفي مصر، أدى نسف الجيش لعملية توريث جمال مبارك لانقسامه الى أجنحة. في فترة انقسام الجيش، انتخب المصريون محمد مرسي وحزب "الإخوان المسلمين" حكاما. لكن على غرار الانتخابات العربية المشابهة، بدا أن الإخوان تسلقوا سلّم الديمقراطية لتغيير شكل الدولة وتحويلها الى ثيوقراطية تمارس الانتخابات وانما بدون أي تقبّل للحريات العامة أو الفردية.

وكذلك في الجزائر، حيث أطاحت ثورة بحكم عبدالعزيز بوتفليقة واستبدلته بأشباه له. أما ليبيا واليمن، فأدى التغيير الى حروب دموية طاحنة لم تلق وزرها حتى اليوم. وفي السودان، أدت الثورة إلى تلاشي الدولة التي كانت تقوم على أجهزة استخبارات عمر البشير.

في لبنان، قامت ثورة مجددا ضد الانهيار الشامل للدولة والاقتصاد. لكن على عكس ثورات العرب التي سبقتها، لم تنجح ثورة 17 تشرين اللبنانية في كسر القائم، فتحولت إلى انتفاضة انتخابية صغيرة، وحتى هذه، أنتجت نوابا تغييريين نصفهم يحسدون السياسيين الحاكمين ويتمنون أن يحلّوا مكانهم في رئاسات الجمهورية والنواب الحكومة. ومثل اللبنانيين قام العراقيون بثورة لم تنسف الحكم، ولا قدمت أفكارا خلاقة ولا خطط تغييرية قابلة للحياة، فقط اجترار للأفكار المتداولة الفاشلة نفسها.

بعد عشرين عاما على حرب العراق، و12 عاما على الربيع العربي، وبعد ثلاثة أعوام على ثورتي تشرين اللبنانية والعراقية، صار مؤكدا أن نسف القائم في دنيا العرب لا يؤدي لاستبداله بما هو أفضل منه، بل أن القائم صار يبدو أفضل، على علّاته، على حسب القول المشرقي القائل "خلّيك على قديمك فجديدك لن يدوملك". 

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب، وما لم تتشرب الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وهي ثقافة يتصدرها تقديس الحرية الفردية، خصوصا حرية من يخالف رأينا، وفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني رأيا واحدا لكل المواطنين، بل تعني التفافا حول الدستور الذي يسمح بتعدد الآراء، وإدراك أن من يخالفنا الرأي ليس خائنا، وأن رأينا ليس مقدسا، ولا صحيحا، ولا ثابتا.

كما لن تقوم قائمة للعرب قبل إدراكهم أن الانتخابات تنيط بالمنتخبين فرض سياسات، ولكنها لا تسمح لهم بتغيير شكل الدولة، ولا بفرض هندسة اجتماعية، ولا بتعديل شكل الحيز العام حتى يشبه الغالبية دون الأقلية.

ولن تقوم دولا عربية حديثة ما لم يدرك العرب أن الأكثرية والأقلية هي في الرأي السياسي فحسب، لأن الرأي يمكن أن يتغير بحسب نتائج السياسات التي تمارسها الغالبية، فتخسر التأييد والحكم ما لم تقدم النتائج المرجوة. أما ربط الأكثرية والأقلية بالمذاهب والأعراق، كما في لبنان والعراق، فيقضي على الديمقراطية لأنه يخلق أكثريات وأقليات ثابتة في الحكم وغير قابلة للمحاسبة انتخابيا في حال فشلها.

مع تعذر امكانية بناء دول عربية حديثة، يصبح الأجدى التمسك بأي ما من شأنه أن يقدم سياسات وحياة أفضل للعرب. نموذج الإمارات والبحرين والسعودية ليس ديمقراطيا، ولكنه يقدم نتائج أفضل بكثير من أنظمة العرب الثورية وجمالكهم، إلى أن يغير الله في قوم ويغير ما في أنفسهم وتصبح الديمقراطية ممكنة، لا في قصور الحكم، وإنما في نفوس الناس وثقافتهم.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).