Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

حارس سجن القنيطرة قرب العاصمة المغربية يحمل مفاتيح زنزانات (أرشيف)
صورة من داخل سجن بالمغرب- أرشيف

عبد الرحيم التوراني

في العقود الأخيرة، صار السجن موضوعا حاضرا بقوة في الأحاديث المتداولة بين الناس في المجتمع المغربي. حتى لا تكاد تجد شارعا بحيٍّ من الأحياء السكنية الشعبية في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، لا يمثله عشرات الشباب داخل السجون. فإن لم يكونوا دخلوه بسبب السرقة البسيطة، أو التورط في عراك ينتج عنه ضرب وجرح، أو بسبب السكر العلني، فقد يحدث بسبب استهلاك وترويج المخدرات، أو الاغتصاب، أو النصب والاحتيال، وأحيانا بسبب الهجرة السرية، إلى ما هنالك من "الجرائم الصغيرة" التي تتنامى بصورة  تكاد تتحول إلى نمط عيش أو أسلوب حياة لدى الشباب العاطلين في المغرب. 

وحسب تقرير رسمي نشر قبل أيام قليلة، صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، يوجد أكثر من ربع الشباب في المغرب ما بين 15 و24 سنة، أي ما يمثل 2 ,16 % من الساكنة الإجمالية خلال 2021، "لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين". وبالتالي ليس أمامهم سوى الضياع والانخراط في دروب المجهول وسبل الجريمة المؤدية إلى بوابات السجون. 

ناهيك عن المحكوم عليهم من المعتقلين على خلفية الحراك الاجتماعي، مثل الحراك الشعبي في الحسيمة وجرادة وزاكورة، أو بسبب آراء ومواقف معارضة، إلا أن معظم هؤلاء المعتقلين يقبعون اليوم في الزنازين بملفات جنائية لا صلة لها بحقيقة حرمانهم من الحرية. 

كل هذا يفسر عزم الدولة بناء سجون جديدة، لتدبير ظاهرة الاكتظاظ في السجون، من أجل استيعاب أعداد السجناء الذين عرف عددهم ارتفاعا بنسبة حوالي 40 في المائة خلال العقد الأخير.  

حسب إفادة أدلى بها المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، بشأن الاكتظاظ، فإن الاستثناء الحاصل في انخفاض عدد السجناء، حدث خلال تفشي جائحة كورونا، ما بين نهاية ديسمبر 2019 ونهاية أبريل 2022. أي خلال أربعة أشهر سجل فيها انخفاضا من 84 ألف و393 معتقلا إلى 78 ألف و256 معتقلا. وهو استثناء "لم يسبق تسجيل مثيل له منذ أواخر سنة 2016"، كما أكد المسؤول الأول عن سجون المملكة. إذ إن الانخفاض النسبي لمعدلات الجريمة جاء نتيجة مباشرة لفرض الحجر الصحي، في المدة التي عرفت فيها المحاكم تعليق أنشطتها مقتصرة على القضاء الاستعجالي. لكن ما إن تم رفع الإجراءات الاحترازية وإنهاء الحجر الصحي، حتى استأنفت المحاكم عملها، لتعود  ماكينة أرقام الساكنة السجنية إلى الارتفاع، عائدة إلى الأرقام المسجلة سابقا قبل جائحة "كوفيد- 19".  

رافق هذا الوضع العام، تزايد الاهتمام بالشأن السجني من طرف هيئات المجتمع المدني خلال الألفية الحالية، بإنشاء جمعيات محلية ووطنية متخصصة تعنى بأوضاع السجناء، خاصة الفئات المستضعفة، النساء والأحداث منهم مع الشباب، إذ تسعى هذه الجمعيات لمساعدة هؤلاء المساجين وإعادة إدماجهم في المجتمع بعد استرجاع حريتهم. 

هذا إضافة إلى مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء (رسمية)، تم إنشاؤها ﺳﻧﺔ 2002 "ﺗﻧﻔﯾذا ﻻﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺔ ﺟﻼﻟﺔ الملك ﻣﺣﻣد اﻟﺳﺎدس اﻟراﻣﯾﺔ إﻟﯽ ﺗوﻓﯾر اﻟدﻋم واﻟﻣواﮐﺑﺔ ﻟﻔﺎﺋدة اﻟﺳﺟﻧﺎء اﻟﻣﻔرج ﻋﻧﮭم". تأسست في سياق حيوية المجتمع المدني في المغرب جمعيات حقوقية غير حكومية ومستقلة. منها "جمعية حلقة وصل سجن/ مجتمع"، أنشئت في سنة 2005،  لـ"مكافحة ارتداد السجناء إلى حياة الجريمة، ومن أجل توفير المساعدة وتقديم خدمات إعادة التأهيل والعمل على إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد مغادرة السجن، مع أنشطة تدريب للسجناء السابقين وتوفير الخدمات للسجناء الحاليين". 

قبلها، في سنة 1999 تأسست منظمة "المرصد المغربي للسجون"، بهدف "حماية وتعزيز حقوق السجينات والسجناء". 

 وفي الأعوام الأخيرة شرع المرصد في إصدار دراسات وتقارير سنوية حول أوضاع المؤسسات السجنية والسجناء في المغرب.  

وقد تميز الأسبوع المنصرم بتقديم التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون للعام 2021، تحت شعار: "حالة السجون مرآة المجتمع، فكيف نريدها؟"، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت بالعاصمة الرباط، صباح الخميس 4 أغسطس 2022.  

اشتمل التقرير على مجموعة من البيانات والمعطيات الإحصائية الخاصة بالمؤسسات وبالساكنة السجنية، ووضعية الفئات الهشة وذوي الإعاقة والأحداث والأجانب، ومعالجة وتحليل ومتابعة الشكايات والتظلمات الواردة على المرصد، وانتهى بخلاصات وتوصيات. 

حسب التقرير وصل عدد المعتقلين في المؤسسات السجنية في المغرب نهاية سنة 2021، ما مجموعه 88914 معتقلا، 2.34% منهم نساء. من بينهن 69 سجينة أجنبية.  

- 43 %  من الساكنة السجنية تتراوح أعمارهم ما بين 20 و 30 سنة. 

-  30 % أعمارهم ما بين 30 و40 سنة. وعدد الأحداث دون سن 18 سنة 1028 حدثا.  

-  79 % من الصادر في حقهم حكم الإعدام، بينهم امرأتان. علما أن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف منذ  ثلاثة عقود. 

- 1132 أجنبيا سجينا.  

تتصدر جهة الدار البيضاء- سطات المرتبة الأولى بـ 19% من عدد السجناء، تليها جهة الرباط - سلا - القنيطرة بنسبة 18%. 

يسجل انخفاض في عدد المؤسسات السجنية مقابل ارتفاع عدد السجناء، مع تقليص في المساحة المخصصة لكل سجين، التي وصلت إلى 2.0 متر مربع، دون أن تستجيب للمعاير الدولية الموصى بها والاتفاقيات المصادق عليها (4 متر مربع)، والتي توفر لكل سجين مرفقا صحيا معزولا.  

كما تتكرر ظاهرة احتجاج آلاف السجناء على سوء أوضاع حبسهم والمعاملات اللإنسانية التي يتلقونها، بلجوئهم إلى خوض الإضراب عن الطعام، إضافة إلى ارتفاع الوفيات وحالات الانتحار بين السجناء، علما أن بعض تلك الحالات لا يتم إجلاء الحقيقة كاملة بشأن ملابساتها. 

*** 

يحاول المرصد المغربي للسجون الإشارة إلى ما تحقق من مكتسبات لفائدة السجناء والأوضاع داخل السجون عموما، إلا أن مهمته الأساسية تتجلى في رصد النواقص والمشاكل وكشف الاختلالات، بلفت الانتباه إلى وضعية المؤسسات السجنية ومدى احترامها للمعايير المعمول بها، في أفق البحث في إمكانيات النهوض بها لجعلها تلعب أدوارا رئيسية في التأهيل وإعادة الإدماج، وانتقاد كل ما يحول دون تحقيق مصلحة السجناء وحفظ كرامتهم الإنسانية، وفق المبادئ الأساسية الكونية وانسجاما مع التشريع الوطني ذي الصلة بالسجون. 

ويعد التقرير السنوي للمرصد وثيقة هامة تتضمن أرقاما دقيقة وتفاصيل محققة حول ما يجري داخل السجون المغربية. وكثير من معطياته هي رد مباشر على الصورة الزاهية التي تقدم حول السجون بالمغرب، صورة جعلت أحدهم يقول بسخرية مريرة: "علينا الانتقال جميعا إذن للعيش بـ"منتزهات التامك"، التي يعيش فيها "النزلاء" في عز ونعيم أين منه نزلاء الفنادق المصنفة ضمن الخمس نجوم". 

يحمل التقرير مجموعة من التوصيات العملية، الموجهة إلى الحكومة والبرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقضاء والنيابة العامة، وإلى كل المتدخلين في الشأن السجني، إذ تمحورت توصيات تقرير المرصد حول إصلاح المنظومة القانونية الجنائية والعمل على ملائمتها مع المعايير الدولية ذات الصلة بالشأن السجني، ورسم سياسة عقابية إنسانية وملائمة للالتزامات التعاقدية للمغرب، والتسريع في تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وتعزيز دور القضاء في الرقابة على تدبير السجون ووضعية السجناء، وتجسيد المقاربة التشاركية في تدبير القطاع السجني، وضمان وتعزيز الحقوق الأساسية للسجناء، بما فيها الحق في التكوين والتعليم والتواصل والاندماج. 

ولا يفوت مسؤولو المرصد مناسبة تقديم تقريره السنوي دون المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي والاحتجاجات السلمية والإفراج عن النساء السجينات المرفقات بأطفالهن، والسجناء في وضعية إعاقة وذوي الأمراض المزمنة والمسنين للتقليص من ظاهرة الاكتظاظ  داخل المؤسسات السجنية، وتقليص عدد السجناء الاحتياطيين. 

وقد سبق للأستاذ عبد الرحيم الجامعي (نقيب سابق لهيأة المحامين، ومن مؤسسي مرصد السجون) توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ينتقد فيها ما أعلن بشأن إجراءات تعتزم الحكومة تفعيلها للحد من اكتظاظ السجون، ومن بينها التوجه إلى بناء 11 مؤسسة سجنية. مؤكدا ضمن رسالته أن "بناء السجون ليس الحل الحقيقي"، مضيفا أن مشكلة الاكتظاظ "لا تعود إلى قلة عدد السجون، ولا تجد حلها في بناء السجون، لكن تعود للأوضاع المزرية للمحاكم، ولظروف اشتغال القضاة، والضغوط التي يتحملها الرجال والنساء منهم". 

***  

يقول المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، أول الفلاسفة الذين ناقشوا ظاهرة السجن: "بالنسبة إلى السجن، لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون.. وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية (...) صادرة عن أناس عاشوا داخل تلك المؤسسات وقاموا بتسييرها".  

كما لو أن فوكو يتحدث هنا عن المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك (69 عاما)، الذي كتب له في حياته أن يكون سجينا ثم سجّانا، بعد أن كان ضمن المعتقلين الصحراويين بسجن "سيدي سعيد" في مدينة مكناس. وفي سنة 2013 تم تعيينه للإشراف على تسيير سجون المملكة. خصوصا إذا ما علمنا أن التامك حاصل على شهادة دكتوراه في مجال تحليل الخطاب.  

فمن أين سيبدأ يا ترى السجَان الأكاديمي للإقناع بحالة السجون التي يديرها ولا نريدها؟! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).