Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

منتخب المغرب النسائي لكرة القدم حقق إنجازات كبيرة
منتخب المغرب النسائي لكرة القدم حقق إنجازات كبيرة

في متخيل معظمنا، كرة القدم للرجال. النساء قد تمارسن رياضة التنس. العدو. التزحلق على الجليد. لكن، كرة القدم؟ لا... هي حصريا للرجال. في طفولتهم، يلعبونها في الحي، في ملاعب حقيقية أو بين الأزقة والدروب. يصنعون مرمى الفريق بأحجار صغيرة، يلتف حولها الجمهور الصغير يشجع هذا الفريق أو ذاك. يتدبرون أمر قميص الفريق. وكابتن الفريق. وحارس مرمى الفريق.

الفتيات، من جهتن، قد يمارسن ألعابا أخرى، بالدمى أو المطابخ الصغيرة.... وأحيانا لعبة الحجلة أو القفز على الحبل. رياضات مقسمة حسب الجنس ولا يجوز للطفلات أو الأطفال أن يعتدوا على ألعاب بعضهم البعض. 

لذلك، فحين وصل الفريق النسوي لكرة القدم المغربية، منذ بضعة أسابيع، لنهائيات كأس إفريقيا لكرة القدم النسوية، فقد كان هذا إنجازا حقيقيا. إنجاز ليس فقط رياضيا، بل إنجاز يتحدى التصورات المجتمعية المبنية، منذ أجيال، في أذهان الرجال والنساء على حد السواء.

كما أنه إنجاز استثنائي لأنه غير مسبوق، فالفريق المغربي النسوي فتي وكرة القدم النسوية بمجملها فتية. ومع ذلك، فلبؤات الأطلس، في تصفيات نصف النهاية مثلا، فُزْن أمام الفريق النيجيري الحاصل، منذ انطلاق المسابقة عام 1991، على 11 لقب من أصل 13! 

بالفعل، لم يحصل الفريق المغربي على كأس إفريقيا، لكنه وصل لمباراة النهاية بتألق لم يتوقعه المتابعون في المغرب، ممن كانوا يعتبرون كرة القدم شأنا رجاليا بشكل حصري. الكثيرون بيننا يتذكرون تعليق صحافي رياضي في إحدى الإذاعات، رد على متصلة كانت تعلق على مباراة لكرة القدم قائلا: "اهتمي بشؤون مطبخك، هذا سيكون أفضل"، وهي المداخلة التي دفعت الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري (الهاكا) لتوجيه عقوبة للإذاعة المعنية ولحجب البث نهائيا خلال فترة بث البرنامج، وذلك لمدة 15 يوما.

لذلك، فخارج البعد الرياضي، هذه المشاركة المغربية ووصول الفريق لنهائيات كأس إفريقيا لكرة القدم النسوية، هو ليس إنجازا رياضيا فقط، بل "ثقافيا" أيضا. إنجاز سيكون له ما قبله وما بعده. إنجاز سينهي أسطورة "كرة القدم للرجال والمطبخ للنساء". 

خلال المباراة، امتلأ الملعب بالنساء في رقعة الملعب وفي المدرج. تابع المباراة، في الملعب وعلى شاشات التلفزيون، عشرات الآلاف من الرجال والنساء ممن تحطم في ذهنهم، بشكل لا واعي ربما، الحاجز الذي كان يفصل في الماضي بين كرة القدم وبين النساء. وهذا يتجاوز كرة القدم نفسها ليؤثر على التصورات فيما يخص تقسيم الأدوار والكفاءات النسائية والميادين التي يمكن أن تكون بها النساء فاعلات. 

للأسف، لم تحدث المعجزة. لم يكتف الجميع بالحديث عن كرة القدم وعن الكفاءات الرياضية وعن أسلوب اللعب وعن الاستثمار اللازم، مستقبلا، في كرة القدم النسوية لكي تلعب أدوارا ريادية قادمة. لا... فقد خرج علينا البعض ممن لم يرَ في فريق كرة القدم النسوي إلا أفخاذا عارية. 

ما الذي يحدث مع بعض الذهنيات التي، من شدة "تدينها"، لا ترى إلا أفخاذ النساء؟ في مباراة لكرة القدم تشكل حدثا استثنائيا لبلد معين، لا يرى هؤلاء لا الكفاءات ولا القدرات الرياضية ولا الإنجاز الرياضي ولا قميص البلد ولا فخر سكانه... بل يقتصرون على أفخاذ النساء وسيقانهن، في تعبير عن هوس مرضي. تماما كما حدث في مصر حين شاركت رياضيات بطلات في مسابقات ألعاب القوى يوجين 2022، وحصلت بعضهن على ميداليات ذهبية، لتجدن أنفسهن وسط موجة هجوم بسبب لباس الرياضة. بدل أن تكنّ موضوع افتخار وتشجيع ودعم وتتويج؛ أصبحن محط اتهام وسب وشتيمة، حتى أن أم إحداهن خرجت تبرر ملابس ابنتها وكأنها ارتكبت جريمة... بينما هي في الواقع حصدت ميدالية ذهبية!

أليس في كل هذا دليلا آخر على كون العقليات المتحجرة التي تتهم العلمانيين بالرذيلة والفساد لا تعبر في الحقيقة إلا عن فساد عقلياتها المريضة؟

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).