Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

سياح يسيرون قرب تمثال يجسد الفيلسوف أرسطو في اليونان
سياح يسيرون قرب تمثال يجسد الفيلسوف أرسطو في اليونان

محمد المحمود

حاول الفيلسوف اليوناني العظيم، أرسطو، فَرْزَ المجتمعات القديمة على أساس المكانة التي تحتلها "الحرية" فيها.

فعنده، هناك مجتمعات جمعانية، بحيث تكون مجتمعات عبودية، باستثناء فرد فيها، هو  وحده الحر، الذي يتمتع بالحرية الكاملة. كما أن هناك مجتمعات عبودية تكون الحرية فيها من نصيب القلة القليلة من أفرادها، أولئك الذين يتمتعون، كأسياد أو متنفذين، بنصيب كبير من الحرية مقارنة ببقية الناس. وهناك في الأخير مجتمعات حرّة، يكون فيها الجميع أحرارا على قدم المساواة، ومثالها، في تقريره، هو المجتمع الغربي آنذاك: اليوناني. 

عندما كان أرسطو يُحَلِّل المجتمعاتِ السائدةَ في عصره على أساس مبدأ الحرية، كان يقارب هذا المبدأ بوصفه جوهر المبدأ الإنساني ذاته. أي أن المجتمعات الأكثر توهجا بالحرية الفردية هي أكثر المجتمعات إنسانية. والعكس صحيح، فعندما يكون المجتمعُ مجتمعَ عبودية باستثناء فرد واحد، فهو المجتمع الذي تم تصفيره إنسانيا. ومن المعلوم أن أرسطو مَثَّل لهذا المجتمع المفرغ إنسانيا بالمجتمع الشرقي القديم.  

على الدوام، كان ثمة انزعاج شرقي من هذا، منذ 2300 عام تقريبا، ومفكرو الشرق يُحَاولون دفعَ هذا الكلام بأنه انحياز أرسطو لقوميته أو لجغرافيته، وأنه تعميم قاصر عن الاستقراء، وأنه تمركز عنصري حول الذات...إلخ، المحاولات اليائسة التي كانت، ولا تزال حتى اليوم، تتغيا نقضَ ما قاله الفيلسوف العظيم، أو  في أقل الأحوال، تحاول الالتفاف عليه بشواهد ثانوية وعابرة، وبتأويلات ليس لها من الحقيقة إلا براعة الشغب المعرفي ذي الطابع الدفاعي. 

للأسف، الحقيقة مؤلمة. فقد شهدت المجتمعات التي نشأت وازدهرت في الشرق على امتداد القرون التالية لكلام أرسطو، أن ما قاله الفيلسوف الغربي عن العالم الشرقي كان حقا في المجمل.

فعلى مدى ثلاثة وعشرين قرنا، وعلى امتداد جغرافيا الشرق الواسع المتنوعة، لم تستطع إمبراطورية شرقية واحدة، بل ولا مجتمع شرقي واحد (أي مجتمع متماسك يعكس وحدة ثقافية) أن يُقرِّر، ثقافةً وقانوناً، حرياتِ الأفراد ولو بالحد الأدنى لما توفّر للمجتمع اليوناني آنذاك، فضلا عن الحد المتوفر للغربي اللاحق الذي يُعَدّ امتدادا طبيعيا (جغرافيا وعرقيا وثقافيا بالدرجة الكافية لتحقق النَّسَب الحضاري) للمجتمع اليوناني أو الغربي القديم.

ربما يُحَاول المعترضون على كلامي هذا الاستشهاد بتيارات تحرّرية ظهرت في الشرق (وعلى الأرجح، وفي معظم الأحوال، بتأثير غربي آنذاك)، وأكدت، بصورة ما، على بعض محاور الحرية الفردية. لكن، تبقى الحقيقة تؤكد أن ما أُنْجِز في هذا المجال كان باهتا في عمومه.

ثم يبقى أن ما هو لامع ومبدع لا يصدر عن جوهر الثقافة، بل ولا عن تيار أصيل فيها، بل هو فردي، ومنقطع، و، في النهاية، محاصر بـ"دوائر ثقافية وواقعية" ذات طابع جمعاني كلي تُقْصِي الفردَ لصالح المجموع أو لصالح فرد واحد يختصر، أو يهتصر، بحريته اللاَّمحدودة كلَّ صور الحرية الطبيعية (الطبيعية، وبالتالي، المستحقة أصالة، بصرف النظر عن الظروف والسياقات) للأفراد. 

لهذا، بقيت الخيارات الجماهيرية، خاصة الخيارات التي تعكس توجّهاً ثقافيا عميقا أو عريقا، مُنْحَازةً ضدَّ مسارات الحرية الفردية لصالح أوهام الحرية الجمعانية التي تلغي حقائق الحرية. ما يعني أنها منحازة ضد ذاتها، شعرت بذلك أم لم تشعر، لأن الانصهار الروحي والعقلي للفرد في الجماعة، لا يعني إلا تلاشي الفرد بالكامل، وانعدام وجوده حقيقة.

ومن ثَمَّ، وبالضرورة، تَحلّل الجماعة وتلاشيها وانعدامها في نهاية المطاف، مع أنها هي الجماعة ذاتها التي قُدِّمَ الفَردُ قُرْبانا لبقائها، أو، بتعبير أدق، قُدِّمت حريته قربانا لتماسكها وصمودها الموهوم.  

إن الأساطيرَ والرموزَ والتواريخَ والسِّيَرَ والزعامات التي تعشقها جماهير الشرقيين، تعشقها منذ القديم وإلى اليوم، هي تلك التي تنضح دلالاتها، المباشرة وغير المباشرة، بتقديس النَّفَس الجمعاني الذي يمحو الفردانية بالكامل، ويؤكد على هذا المحو عندما يَحضر ويُسْتَحضر بوصفه المثل الأعلى والأزلي للوجود ذاته، أو، بصورة أقل تجريدا، بوصفه طوقَ النجاة الذي يحمي الجماعة من طوارق الليل والنهار ومن كيد الأشرار.  

هل تعكس هذه الاستجابة ذات النَّفَس الجمعاني، بفعاليتها العالية والمتواصلة، مِزَاجاً شرقيا عاما يستهين بالفرد ويَزدَرِي الفردانية، في الوقت الذي يُقَدِّس فيه الجماعة (الجماعة كمفهوم موهوم وليس كأفراد وقائعيين)، بحيث يمكن تغيير المزاج بِتدرّجات تربوية طويلة الأمد، أم الأمر تحوّل إلى ظاهرة "عِرْق ثقافي" راسخ، يصعب تغييره إلا بتحويرات ثقافية جذرية تَتساوق مع تعديلات جِينِيّة (الانفتاح على التناسل مع الأعراق الأخرى مثلا)، بحيث ينشأ خلقٌ آخر لا يمت إلى المجتمعات الشرقية الراهنة إلا بأوهن الصلات، وربما لا يمت إليه بشيء ذي بال؟ 

في تصوري أن الأمر مزيج من هذا وذاك، على اختلاف في بعض السياقات التي قد يكون بعضها أكثر مرونة من الآخر. ما يعني أن إجراء متغيرات ذات طابع تحرري على قاعدة الفردانية، ليس بالأمر اليسير، ولا بالمتوقع أن تأتي نتائجه المأمولة في المستقبل المنظور.

ولكنه، في الوقت ذاته، ليس بالمستحيل؛ بحيث يصبح رفض العربي لتحرّره (في صورة الفرد الحر) قدرا لازما، ما بقي بالهُوية ذاتها: عِرْقاً وثقافةً وجغرافيا، ولا فكاك له منه إلا بالخروج الكامل من كل ذلك جملة وتفصيلا.  

إن الوعي بالحرية (في صورتها المُتَحقِّقة: الفردية) والسعي في مسارات تحققها ليس ترفا إنسانيا، بل هو شرط جوهري للتحقق الإنساني ذاته، التحقق الذي يجد اكتمال معناه في تجاوز الإكراه بنوعيه: مُحَدّدات الطبيعي، وضروريات الغرائزي.

فبتجاوزهما النسبي ينعتق المرء بذات المقدار أو النّسْبة من حَدِّه الطبيعي أو المادي ومن أصله الحيواني، في رحلة ارتقاءٍ تكاملية، هي ذاتها رحلة الاختيار الحر، رحلة تحقق الإرادة الحرة بوصفها الوجه الآخر لجبرية الأقدار.  

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).