Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته
يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته

عبد الرحيم التوراني

منذ أيام تراجع الاهتمام نسبيا بمتابعة أخبار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها، المرتبطة أساسا بأزمة الطاقة والغذاء، بالابتعاد عن الأخبار ذات التأثيرات السلبية على الصحة النفسية والعقلية.

لقد فاض الناس بالملل والتبرم، خصوصا ونحن نعيش فصل الصيف والعطل. لكن الأخبار السيئة لم تتوقف عن ملاحقة الهاربين من صهد الحرارة والأسعار، وأتت هذه المرة في صيغة جريمة قتل معلن، أو محاولة قتل حدثت في غرب ولاية نيويورك، في محفل أدبي وثقافي أمام الكاميرات، مع خلفية تاريخية ترجع لأكثر من ثلاثة عقود، مسبوقة بالتحريض على القتل. لذلك ترددت أصداؤها عبر أركان العالم أجمع. 

رغم شناعته اشتمل الخبر على كل عناصر الإثارة والتشويق وأكثر. كأننا بصدد قراءة رواية من "السلسلة السوداء"، بل إنها قصة تصلح لإنتاج فيلم سينمائي قد يحقق بلا شك نجاحا جماهيريا مبهرا.  

تمر أمامنا على الشاشة مشاهد لحشود مدثرة بالسواد، تنزف منها الدماء، أناس منغمرون في عملية "جلد ذاتي" لأجسادهم بالسلاسل. يلوحون بالسيوف، وهم جاهزون للتضحية بأرواحهم.

إنه مشهد من إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين.

يتناهى إلى الأسماع صوت جهوري قوي، يقول: 

"الدم شيء قليل على الحسين.. في سبيل الشفاعة يوم الورود".

ثم يظهر شاب يرتدي ملابس سوداء وبيده سلاح أبيض، يتقدم متحمسا نحو منصة يجلس بها أديب عالمي. يتابع الحضور خطوات الشاب السريعة، يظنونه واحدا من القراء المفتونين، جاء ليهدي كاتبه المفضل باقة ورود.

وأمام دهشة الجميع، تتناثر باقة الورود الحمراء وتتحول إلى دماء نازفة، لتملأ الشاشة بالدم الذي يسيل من جسد الكاتب المغدور على شكل كلمات وحروف وصفحات مخطوطات صارخة.

***

نعود إلى المشهد الأول، مشهد عاشوراء ورايات الحسين الداعية إلى ثأر قديم يرجع إلى أكثر من ألف سنة.

ثم تتصاعد أصوات نقرات الأجهزة الإلكترونية، وتلمع أضواء الكاميرات، في تسابق محموم لنقل حدث محاولة اغتيال الكاتب العالمي. هذا حدث يكسر رتابة الأخبار. تختلط صيحات ذعر الحاضرين في اللقاء الأدبي بضجات هدير مطابع الروتاتيف وهي تلفظ جرائد ورقية إيرانية، تتصدر صفحاتها الأولى تفاصيل الهجوم، بمانشيتات عريضة تهلل للانتقام التاريخي الذي تأخر (يمهل ولا يهمل)، وقد نال شرف تنفيذه شاب شيعي ولد بعد فتوى الإمام المبجل بتسع سنوات كاملة. 

نقرأ على شاشة كمبيوتر شخصي عبارة فيسبوكية مقتبسة من المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي: "إن الفتوى أطلقت كالرصاصة التي لن تهدأ حتى تصيب هدفها".
 وتغريدة أخرى، ظهرت في حساب خامنئي على تويتر في ثلاث سنوات، قال فيها: إن فتوى الخميني ضد سلمان رشدي كانت "صلبة وغير قابلة للنقض". 

*** 

تظهر صورة شيخ معمم بالأسود، يلوح بيده راسما على شفتيه نصف ابتسامة جوكندية، تؤطر وجهه النحيل لحية بيضاء أضفت على محياه شيئا من الهدوء والمهابة والجلال. لكن لما عمد أحد الأخصائيين في تقنية الصورة إلى حلق لحية الرجل، كشف لنا عن ملامح حادة ووجه ستاليني بالغ القساوة. 

تُسمع ضحكات فرح هيستيرية من مكان معتم، سرعان ما تطغى كلمات التكبير: "الله أكبر".
تمتلئ الشاشة بمانشيتات ومقالات باللغة الفارسية: 

"برافو لهذا الرجل الشجاع الواعي بالواجب الذي هاجم المرتد والفاسد سلمان رشدي في نيويورك". 

"لنقبل يدي من مزق رقبة عدو الله بالسكين". 

ويظهر الشاب الذي سعى لاقتطاف المجد الاستشهادي الموصل إلى باب الجنة من غير حساب.

تنتقل الكاميرا إلى غرفة بمركز جراحي في بنسلفانيا. لوحة حمراء كتب عليها "ممنوع الزيارة". ثم نشاهد آلات للتنفس الاصطناعي، مع سماع دقات قلب بطيئة للجريح، ما تلبث أن تنتظم، لتتحول إلى ما يشبه دقات طبول تقرع، تتبعها أصوات طائرات وقذائف صاروخية ومدفعية ولعلعة رصاص. دمار وعمليات اختطاف وذبح وقتل أطفال ونساء ورجال. إنها الحرب.. تتوالى مشاهدها من أفغانستان وسوريا وفلسطين والعراق وليبيا إلى مالي واليمن والصومال.. ومناطق أخرى غير محددة في العالم.

***

تنتقل بنا الكاميرا إلى غرفة تحقيق لشرطة "الإف. بي. أي." الأمريكية.

يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته..  

-  لكن هل أنا من أخذت بيدي سكينا وطعنت الكاتب؟ تسأله محققة.

يرد عليها على الفور:
 - إنها يد الله من قضت أمرها. و"كان أمر الله قدرا مقدورا". صدق الله العظيم.
يلتفت المحققون إلى بعضهم، يتبادلون الاستغراب.

يستغرب الشاب أكثر من ردة فعلهم، وقبل أن يتلقى سؤالا جديدا، يبادر هو بسؤالهم:
-  كيف لا تؤمنون بأنها يد الله، أتصدقون فقط اللاعب القصير الماكر.. عندما أخبركم أن هدفه سجل بيد الله، وكان هدفا مغشوشا...!! (هدف مارادونا بمرمى الانجليز، في كأس العالم لكرة القدم عام 1986).

يتساءل المحققون، هل هم إزاء متهم يتذاكى عليهم محاولا لعب لعبة المصاب بخلل عقلي.

يعيدون عليه طرح السؤال:
-  لماذا أقدمت على طعن الكاتب؟
-  لأنه ارتكب جريمة "آيات شيطانية".
-  ما الذي تؤاخذه على الكاتب في هذه الرواية؟
-  إنها رواية تافهة ومملة.. تدعو إلى الكفر. هذه هي الحقيقة.. رواية مسيئة لرسول ونبي الإسلام وللمسلمين كافة.
-  هل ممكن أن تدلنا على بعض مواطن التفاهة والملل في هذه الرواية.. رواية "آيات شيطانية"... حسب رأيك...؟
-  لا أستطيع.. لا أعرف..
-  غير معقول، كيف تقول هذا؟
-  لأني لم أقرأ الرواية، ولا اطلعت يوما على ما يكتبه صاحبها...
-  إذن من أين يأتيك الممل.. وكيف تحكم على قيمة كتاب وأنت لم يسبق لك أن قرأته؟
-  لأن الحكم الإلهي صدر.. وقد بلغه إلى العالم آية الله العظمى وروح الله الإمام الخميني... عليه رضوان الله وصلواته ورحمته الواسعة...
-  ألم يكن عليك على الأقل قراءة الرواية..؟!
-  لماذا تريدونني أن أفعل ذلك؟؟!! ثم إن قراءة كتاب كله إساءات شيطانية، يعد من المكروهات ومن مبطلات الوضوء...
يغادر المحققون القاعة، وقبل أن يغلقوا عليه بابها.. يقف الشاب يسألهم:
-  لكن، طمئنوني، هل لفظ الكافر أنفاسه؟ هل.. أم أنكم أنقذتموه لتمنحوه عمرا جديدا لاستكمال إساءاته الشيطانية؟؟  أريد أن أعرف حتى أستكمل التعاون معكم وإلا سأمتنع...
يخبرونه أنه تم إنقاذ الكاتب من موت.
يتطلع غير مصدق من خلف الزجاج المضبب لغرفة التحقيق. ثم ينخرط في نوبة بكاء..
يتوقف سائلا نفسه:
-  لماذا يا ترى أبكي الآن.. ألأني خائف..؟
يجيب نفسه:
-  حاشى لله.. أنا لست بخائف، ولكني أبكي فشلي.. فاتني أن أكون شهيدا وأن أنال جنة الرضوان... غفرانك يا رب.. لن تكون آخر إساءة لديننا ولرسولنا الكريم طالما أن الفتوى المقدسة لإمامنا المحبوب لم تنفذ.. إن إعدام الكافر المرتد سلمان رشدي هو العمل الذي سيوقف كل أعداء الإسلام الحاقدين من مرتكبي الرسوم الكاريكاتورية وحارقي المصحف الشريف، ومقترفي الأفلام المسيئة لسيد العالمين ولأمتة الإسلام العظيمة...
*** 
صوت الإمام الخميني يتلو فتوى إهدار دم سلمان رشدي من على أمواج إذاعة طهران، بتاريخ 14 فبراير- شباط 1989. 
ومشهد مزايدات في "بورصة الاستشهاد" بمضاعفة القيمةً الماليةً الكبيرةً المرصودة لمنفذ قتل سلمان رشدي. تجاوزت ثلاثة ملايين والنصف مليون دولار.
مظاهرات صاخبة في إيران والهند وباكستان وبنغلاديش... لمحتجين ضد سلمان رشدي، وضد الرسوم الدنماركية للرسول، وضد حرق المصحف..
ومشاهد اغتيال مترجمين أقدموا على نقل رواية "آيات شيطانية" إلى لغات أخرى..
***  
حوار في مقهى:
-  هل تابعت الضجة حول كتاب بعنوان "آيات شيطانية" لكاتب بريطاني من أصل مسلم؟
 - حاشى أن يكون الكاتب من أصل إسلامي ولا جرت في عروقه يوما دماء الإسلام.. لا شك أن الكتاب من تأليف شيطان وسوس للكاتب وأملى عليه ما يكتب... عليه اللعنة إلى يوم الدين..
-  لماذا تلعنه؟
-  لأنه كاتب لعين وابن زنى ولا يستحق أكثر من اللعن. 
-  هل قرأت الكتاب؟ 
-  كلا! بل سمعت عنه!
***
تتجول بنا الكاميرا في مناطق من شرق المتوسط وشمال إفريقيا. 
نشاهد صورا متلاحقة لمفكرين ومناضلين بارزين، من مشرق البلاد العربية إلى مغربها، جميعهم غدر بهم على يد حراس دين الله...
(حسين مروة، حسن حمدان "مهدي عامل"، فرج فودة، عمر بنجلون، صبحي الصالح، جورج حاوي، سمير قصير، شكري بلعيد، محمد الابراهيمي، ناهض حتر، علاء مشذوب، لقمان سليم...)...
 واللائحة مفتوحة على مزيد من الغدر والدم باسم الله...
*** 
مشاهد متسارعة لحركة إقبال عالمية واسعة على اقتناء أعمال سلمان رشدي، وتحميل روايته "آيات شيطانية" من محركات البحث بالانترنيت. 
ولقطة قديمة لسلمان رشدي يقول فيها: 
"شكرا سيدي الإمام الجليل آية الله الخميني، فقد أوصلتني إلى مكانة وشهرة لم أكن أحلم بهما في يوم من الأيام، لك الفضل الأول والأخير بهما، وأنا مدين لك طوال عمري".
***
خبر مراسل تلفزيوني: إن سلمان رشدي تم رفعه عن جهاز التنفس الصناعي، وهو الآن يستطيع التحدث، بل إنه أطلق مزحة وهزء..
وعلى شريط الأخبار أسفل الشاشة نقرأ:
إحياء مفاوضات الاتفاق النووي بين الغرب وإيران.
 ثم على شاشة ثانية نرى صور ابتسامات ضاحكة من أعضاء الوفد الإيراني، كما لو أنها تستجيب لنكتة سلمان رشدي الجريح...
تصريح لمتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بشأن مسودة الاتفاق النووي: "نحن في مرحلة متقدمة من المفاوضات والتوصل لاتفاق يرتبط بتحقيق مطالبنا".
***   
مصري يغني على إيقاع موسيقى الراب:
(فى زمن الردة و البهتان../ اكتب ما شئت ولا تخجل فالكفر مباح .. يا سلمان/ فزمان الردة نعرفه/ زمن المعصية بلا غفران/ إن ضل القلب فلا تعجب أن يسكن فيه الشيطان..
(...)
فاكفر ما شئت ولا تخجل/ ميعادك آتٍ يا سلمان/ دع باب المسجد يا زنديق/ وقم واسكر بين الأوثان/ سيجيئك صوت أبى بكر/ ويصيح بخالد: قم واقطع رأس الشيطان..
 اقطع.. اقطع 
رأس
الشيطاااان...
ميعادك آتٍ يا سلمان...
***
سماء رمادية كلها أدخنة.. صوت حشرجة تخنق قتيلا... ومشهد عام لأنابيب غاز وبراميل نفط مليانة بالدم.
 لاشيء غير الدم.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).