Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته
يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته

عبد الرحيم التوراني

منذ أيام تراجع الاهتمام نسبيا بمتابعة أخبار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها، المرتبطة أساسا بأزمة الطاقة والغذاء، بالابتعاد عن الأخبار ذات التأثيرات السلبية على الصحة النفسية والعقلية.

لقد فاض الناس بالملل والتبرم، خصوصا ونحن نعيش فصل الصيف والعطل. لكن الأخبار السيئة لم تتوقف عن ملاحقة الهاربين من صهد الحرارة والأسعار، وأتت هذه المرة في صيغة جريمة قتل معلن، أو محاولة قتل حدثت في غرب ولاية نيويورك، في محفل أدبي وثقافي أمام الكاميرات، مع خلفية تاريخية ترجع لأكثر من ثلاثة عقود، مسبوقة بالتحريض على القتل. لذلك ترددت أصداؤها عبر أركان العالم أجمع. 

رغم شناعته اشتمل الخبر على كل عناصر الإثارة والتشويق وأكثر. كأننا بصدد قراءة رواية من "السلسلة السوداء"، بل إنها قصة تصلح لإنتاج فيلم سينمائي قد يحقق بلا شك نجاحا جماهيريا مبهرا.  

تمر أمامنا على الشاشة مشاهد لحشود مدثرة بالسواد، تنزف منها الدماء، أناس منغمرون في عملية "جلد ذاتي" لأجسادهم بالسلاسل. يلوحون بالسيوف، وهم جاهزون للتضحية بأرواحهم.

إنه مشهد من إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين.

يتناهى إلى الأسماع صوت جهوري قوي، يقول: 

"الدم شيء قليل على الحسين.. في سبيل الشفاعة يوم الورود".

ثم يظهر شاب يرتدي ملابس سوداء وبيده سلاح أبيض، يتقدم متحمسا نحو منصة يجلس بها أديب عالمي. يتابع الحضور خطوات الشاب السريعة، يظنونه واحدا من القراء المفتونين، جاء ليهدي كاتبه المفضل باقة ورود.

وأمام دهشة الجميع، تتناثر باقة الورود الحمراء وتتحول إلى دماء نازفة، لتملأ الشاشة بالدم الذي يسيل من جسد الكاتب المغدور على شكل كلمات وحروف وصفحات مخطوطات صارخة.

***

نعود إلى المشهد الأول، مشهد عاشوراء ورايات الحسين الداعية إلى ثأر قديم يرجع إلى أكثر من ألف سنة.

ثم تتصاعد أصوات نقرات الأجهزة الإلكترونية، وتلمع أضواء الكاميرات، في تسابق محموم لنقل حدث محاولة اغتيال الكاتب العالمي. هذا حدث يكسر رتابة الأخبار. تختلط صيحات ذعر الحاضرين في اللقاء الأدبي بضجات هدير مطابع الروتاتيف وهي تلفظ جرائد ورقية إيرانية، تتصدر صفحاتها الأولى تفاصيل الهجوم، بمانشيتات عريضة تهلل للانتقام التاريخي الذي تأخر (يمهل ولا يهمل)، وقد نال شرف تنفيذه شاب شيعي ولد بعد فتوى الإمام المبجل بتسع سنوات كاملة. 

نقرأ على شاشة كمبيوتر شخصي عبارة فيسبوكية مقتبسة من المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي: "إن الفتوى أطلقت كالرصاصة التي لن تهدأ حتى تصيب هدفها".
 وتغريدة أخرى، ظهرت في حساب خامنئي على تويتر في ثلاث سنوات، قال فيها: إن فتوى الخميني ضد سلمان رشدي كانت "صلبة وغير قابلة للنقض". 

*** 

تظهر صورة شيخ معمم بالأسود، يلوح بيده راسما على شفتيه نصف ابتسامة جوكندية، تؤطر وجهه النحيل لحية بيضاء أضفت على محياه شيئا من الهدوء والمهابة والجلال. لكن لما عمد أحد الأخصائيين في تقنية الصورة إلى حلق لحية الرجل، كشف لنا عن ملامح حادة ووجه ستاليني بالغ القساوة. 

تُسمع ضحكات فرح هيستيرية من مكان معتم، سرعان ما تطغى كلمات التكبير: "الله أكبر".
تمتلئ الشاشة بمانشيتات ومقالات باللغة الفارسية: 

"برافو لهذا الرجل الشجاع الواعي بالواجب الذي هاجم المرتد والفاسد سلمان رشدي في نيويورك". 

"لنقبل يدي من مزق رقبة عدو الله بالسكين". 

ويظهر الشاب الذي سعى لاقتطاف المجد الاستشهادي الموصل إلى باب الجنة من غير حساب.

تنتقل الكاميرا إلى غرفة بمركز جراحي في بنسلفانيا. لوحة حمراء كتب عليها "ممنوع الزيارة". ثم نشاهد آلات للتنفس الاصطناعي، مع سماع دقات قلب بطيئة للجريح، ما تلبث أن تنتظم، لتتحول إلى ما يشبه دقات طبول تقرع، تتبعها أصوات طائرات وقذائف صاروخية ومدفعية ولعلعة رصاص. دمار وعمليات اختطاف وذبح وقتل أطفال ونساء ورجال. إنها الحرب.. تتوالى مشاهدها من أفغانستان وسوريا وفلسطين والعراق وليبيا إلى مالي واليمن والصومال.. ومناطق أخرى غير محددة في العالم.

***

تنتقل بنا الكاميرا إلى غرفة تحقيق لشرطة "الإف. بي. أي." الأمريكية.

يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته..  

-  لكن هل أنا من أخذت بيدي سكينا وطعنت الكاتب؟ تسأله محققة.

يرد عليها على الفور:
 - إنها يد الله من قضت أمرها. و"كان أمر الله قدرا مقدورا". صدق الله العظيم.
يلتفت المحققون إلى بعضهم، يتبادلون الاستغراب.

يستغرب الشاب أكثر من ردة فعلهم، وقبل أن يتلقى سؤالا جديدا، يبادر هو بسؤالهم:
-  كيف لا تؤمنون بأنها يد الله، أتصدقون فقط اللاعب القصير الماكر.. عندما أخبركم أن هدفه سجل بيد الله، وكان هدفا مغشوشا...!! (هدف مارادونا بمرمى الانجليز، في كأس العالم لكرة القدم عام 1986).

يتساءل المحققون، هل هم إزاء متهم يتذاكى عليهم محاولا لعب لعبة المصاب بخلل عقلي.

يعيدون عليه طرح السؤال:
-  لماذا أقدمت على طعن الكاتب؟
-  لأنه ارتكب جريمة "آيات شيطانية".
-  ما الذي تؤاخذه على الكاتب في هذه الرواية؟
-  إنها رواية تافهة ومملة.. تدعو إلى الكفر. هذه هي الحقيقة.. رواية مسيئة لرسول ونبي الإسلام وللمسلمين كافة.
-  هل ممكن أن تدلنا على بعض مواطن التفاهة والملل في هذه الرواية.. رواية "آيات شيطانية"... حسب رأيك...؟
-  لا أستطيع.. لا أعرف..
-  غير معقول، كيف تقول هذا؟
-  لأني لم أقرأ الرواية، ولا اطلعت يوما على ما يكتبه صاحبها...
-  إذن من أين يأتيك الممل.. وكيف تحكم على قيمة كتاب وأنت لم يسبق لك أن قرأته؟
-  لأن الحكم الإلهي صدر.. وقد بلغه إلى العالم آية الله العظمى وروح الله الإمام الخميني... عليه رضوان الله وصلواته ورحمته الواسعة...
-  ألم يكن عليك على الأقل قراءة الرواية..؟!
-  لماذا تريدونني أن أفعل ذلك؟؟!! ثم إن قراءة كتاب كله إساءات شيطانية، يعد من المكروهات ومن مبطلات الوضوء...
يغادر المحققون القاعة، وقبل أن يغلقوا عليه بابها.. يقف الشاب يسألهم:
-  لكن، طمئنوني، هل لفظ الكافر أنفاسه؟ هل.. أم أنكم أنقذتموه لتمنحوه عمرا جديدا لاستكمال إساءاته الشيطانية؟؟  أريد أن أعرف حتى أستكمل التعاون معكم وإلا سأمتنع...
يخبرونه أنه تم إنقاذ الكاتب من موت.
يتطلع غير مصدق من خلف الزجاج المضبب لغرفة التحقيق. ثم ينخرط في نوبة بكاء..
يتوقف سائلا نفسه:
-  لماذا يا ترى أبكي الآن.. ألأني خائف..؟
يجيب نفسه:
-  حاشى لله.. أنا لست بخائف، ولكني أبكي فشلي.. فاتني أن أكون شهيدا وأن أنال جنة الرضوان... غفرانك يا رب.. لن تكون آخر إساءة لديننا ولرسولنا الكريم طالما أن الفتوى المقدسة لإمامنا المحبوب لم تنفذ.. إن إعدام الكافر المرتد سلمان رشدي هو العمل الذي سيوقف كل أعداء الإسلام الحاقدين من مرتكبي الرسوم الكاريكاتورية وحارقي المصحف الشريف، ومقترفي الأفلام المسيئة لسيد العالمين ولأمتة الإسلام العظيمة...
*** 
صوت الإمام الخميني يتلو فتوى إهدار دم سلمان رشدي من على أمواج إذاعة طهران، بتاريخ 14 فبراير- شباط 1989. 
ومشهد مزايدات في "بورصة الاستشهاد" بمضاعفة القيمةً الماليةً الكبيرةً المرصودة لمنفذ قتل سلمان رشدي. تجاوزت ثلاثة ملايين والنصف مليون دولار.
مظاهرات صاخبة في إيران والهند وباكستان وبنغلاديش... لمحتجين ضد سلمان رشدي، وضد الرسوم الدنماركية للرسول، وضد حرق المصحف..
ومشاهد اغتيال مترجمين أقدموا على نقل رواية "آيات شيطانية" إلى لغات أخرى..
***  
حوار في مقهى:
-  هل تابعت الضجة حول كتاب بعنوان "آيات شيطانية" لكاتب بريطاني من أصل مسلم؟
 - حاشى أن يكون الكاتب من أصل إسلامي ولا جرت في عروقه يوما دماء الإسلام.. لا شك أن الكتاب من تأليف شيطان وسوس للكاتب وأملى عليه ما يكتب... عليه اللعنة إلى يوم الدين..
-  لماذا تلعنه؟
-  لأنه كاتب لعين وابن زنى ولا يستحق أكثر من اللعن. 
-  هل قرأت الكتاب؟ 
-  كلا! بل سمعت عنه!
***
تتجول بنا الكاميرا في مناطق من شرق المتوسط وشمال إفريقيا. 
نشاهد صورا متلاحقة لمفكرين ومناضلين بارزين، من مشرق البلاد العربية إلى مغربها، جميعهم غدر بهم على يد حراس دين الله...
(حسين مروة، حسن حمدان "مهدي عامل"، فرج فودة، عمر بنجلون، صبحي الصالح، جورج حاوي، سمير قصير، شكري بلعيد، محمد الابراهيمي، ناهض حتر، علاء مشذوب، لقمان سليم...)...
 واللائحة مفتوحة على مزيد من الغدر والدم باسم الله...
*** 
مشاهد متسارعة لحركة إقبال عالمية واسعة على اقتناء أعمال سلمان رشدي، وتحميل روايته "آيات شيطانية" من محركات البحث بالانترنيت. 
ولقطة قديمة لسلمان رشدي يقول فيها: 
"شكرا سيدي الإمام الجليل آية الله الخميني، فقد أوصلتني إلى مكانة وشهرة لم أكن أحلم بهما في يوم من الأيام، لك الفضل الأول والأخير بهما، وأنا مدين لك طوال عمري".
***
خبر مراسل تلفزيوني: إن سلمان رشدي تم رفعه عن جهاز التنفس الصناعي، وهو الآن يستطيع التحدث، بل إنه أطلق مزحة وهزء..
وعلى شريط الأخبار أسفل الشاشة نقرأ:
إحياء مفاوضات الاتفاق النووي بين الغرب وإيران.
 ثم على شاشة ثانية نرى صور ابتسامات ضاحكة من أعضاء الوفد الإيراني، كما لو أنها تستجيب لنكتة سلمان رشدي الجريح...
تصريح لمتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بشأن مسودة الاتفاق النووي: "نحن في مرحلة متقدمة من المفاوضات والتوصل لاتفاق يرتبط بتحقيق مطالبنا".
***   
مصري يغني على إيقاع موسيقى الراب:
(فى زمن الردة و البهتان../ اكتب ما شئت ولا تخجل فالكفر مباح .. يا سلمان/ فزمان الردة نعرفه/ زمن المعصية بلا غفران/ إن ضل القلب فلا تعجب أن يسكن فيه الشيطان..
(...)
فاكفر ما شئت ولا تخجل/ ميعادك آتٍ يا سلمان/ دع باب المسجد يا زنديق/ وقم واسكر بين الأوثان/ سيجيئك صوت أبى بكر/ ويصيح بخالد: قم واقطع رأس الشيطان..
 اقطع.. اقطع 
رأس
الشيطاااان...
ميعادك آتٍ يا سلمان...
***
سماء رمادية كلها أدخنة.. صوت حشرجة تخنق قتيلا... ومشهد عام لأنابيب غاز وبراميل نفط مليانة بالدم.
 لاشيء غير الدم.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).