Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شاب مسلم في باكستان يدعو أمام مسجد في عيد المولد النبوي (أرشيفية)
شاب مسلم في باكستان يدعو أمام مسجد في عيد المولد النبوي (أرشيفية)

د. توفيق حميد

طالعتنا وكالات الأنباء مؤخراً بخبر حول طعن أحد الشباب للكاتب المعروف سلمان رشدي أثناء مشاركته في ندوة بالولايات المتحدة الأميركية بمعهد "شاتاكوا" بمدينة بافالو.

ومن المرجح أن ما حدث هو محاولة اغتيال بسبب آراء رشدي والتي يراها البعض أنها معادية للإسلام، وهي الآراء التي كرس لها رشدي حياته وعمله في حقل الكتابة الأدبية منذ سبعينيات القرن الماضي.  

وقالت الشرطة الأميركية إنها حددت هوية الرجل الذي اقتحم المنصة في مركز تشوتوكوا في غرب نيويورك وهاجم رشدي، وهو مسلم شيعي اسمه مطر علي.

وكشفت مراجعة أولية لجهات إنفاذ القانون لحسابات مطر على مواقع التواصل الاجتماعي أنه متطرف ومتعاطف مع الحرس الثوري الإيراني، حسبما قال مسؤول تنفيذي على علم مباشر بالتحقيق لشبكة "إن بي سي نيوز".

وسلمان رشدي هو كاتب بريطاني كشميري الأصل، ولد عام 1947 لعائلة مسلمة، كما أنه ولد في الهند وتربى في مدارس الكاتدرائيات في الهند وبريطانيا، وتخرج من جامعة كامبريدج وامتهن الكتابة منذ تخرجه.

والشيء الهام والذي لم يدركه المجرم الذي حاول قتل سلمان رشدي هو ما يلي:

أولاً، أن محاولة طعن سلمان رشدي الأخيرة زادت من شهرته وشهرة أفكاره عالمياً.

فلم يمض يومان على حادثة طعن الروائي سلمان رشدي، حتى صعدت روايته "آيات شيطانية" سريعا في قائمة الكتب الأكثر مبيعا على موقع "أمازون" للتجارة الإلكترونية.

ويوجد كتاب "آيات شيطانية" وقت كتابة هذه المقالة في موقع "أمازون" بصفحة "الأفضل مبيعا" من الكتب، ويشير الموقع إلى أن هذه القائمة تقوم فقط على حجم المبيعات، ويجري تحديثها كل ساعة. 

وفي غضون ساعات منذ محاولة قتله، ظهر أيضاً أن رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي تحتل المرتبة الحادية عشر في قائمة الكتب الأكثر مبيعا، بالرغم من أنها صدرت أو تم نشرها قبل 34 عاما.

ثانياً، أن زيادة انتشار كتاب "آيات شيطانية" سيزيد من انتشار ما يراه البعض سباباً وإهانات للرسول في الكتاب. ولن يستطيع المجرم الذي حاول طعن سلمان رشدي أن يمنع أحداً من أن ينشر مقاطع وجمل وتعبيرات من الرواية ولا أن يستخدمها لإهانة الإسلام أكثر وأكثر، لأنهم منتشرون حول العالم عبر الإنترنت.

ثالثاً، أن الأسلوب الهمجي الذي استخدمه المجرم للرد على سلمان رشدي سيفهمه الملايين الآن على أنه يدل على عجز الإسلام في الرد بالحجة والبرهان ولذا يلجأ بعض أتباعه إلى العنف لعجزهم عن الرد المقنع.

فلا يلجأ للعنف إلا عديم الحجة والعاجز عن إقناع الآخرين بما يقول.

رابعاً، أن محاولة ذبح كاتب عالمي مثل رشدي لن تزيد نيران الكراهية للإسلام إلا اشتعالاً، وقد تتسبب في زيادة التهكم على المسلمين وعلى رسولهم في جميع بقاع الأرض، خاصة وأن خبر محاولة قتل سلمان رشدي تصدر تقريباً عناوين جميع الصحف العالمية المرموقة في جميع أنحاء الأرض.  

خامساً، والمضحك المبكي فيما حدث أن آية الله الخميني حينما أصدر "في رسالة إلى مسلمي العالم الغيورين" حكماً بالإعدام "السريع" على الكاتب والناشرين واعتبر في فتواه أو رسالته أنه بعد ذلك "لن يتجرأ أحد بعد على امتهان مقدسات المسلمين"، خانه التوفيق في توقعاته.

فالحقيقة أنه وبسبب الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وسرعة نقل المعلومات فإن محاولة قتل رشدي ستجعل الكثيرين "يتجرأون" على إهانة المقدسات الإسلامية أكثر وأكثر".

وأخيراً، وباختصار، فإن استخدام العنف والهمجية ضد الفكر المخالف، بدلاً من استخدام الحجة والبرهان، لن يجدي نفعاً في عصر الإنترنت وما فعله من حاول قتل سلمان رشدي لم ولن يزيد الإسلام إلا المزيد من الإهانات.

وأقول للمجرم باللغة الإنكليزية "هارد لك" (حظك سيء) هذه المرة فمحاولتك قتل رشدي ستزيد من الإهانات للإسلام وللخميني وللقرآن وللرسول! فهل هذا ما كنت تريد حدوثه؟  

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).