Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Jordanian demonstrators wave flags of the fundamentalist Muslim Brotherhood as they march past riot police during a rally in…
شعار الإخوان المسلمين

بابكر فيصل

أطلق رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أحمد الريسوني، الأسبوع الماضي تصريحات أثارت موجة غضب واسعة في موريتانيا والجزائر حيث وصف فيها وجود دولة موريتانيا بـ "الخطأ" كما دعا إلى "الجهاد" والزحف نحو تندوف من أجل تحريرها، مطالباً بعودة المغرب لحدوده ما قبل الغزو الأوروبي.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مقرها العاصمة القطرية، الدوحة، أسسها الشيخ، يوسف القرضاوي، في عام 2004، وظل يترأسها حتى عام 2014، حيث تم استبداله بالمغربي، أحمد الريسوني.

وبادر الاتحاد إلى نفي علاقته بتصريحات رئيسه، حيث قال أمينه العام، علي القرة داغي، إنها لا تمثل رأي علماء المسلمين، موضحاً أن: "دستور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينص على أن الرأي الذي يسند إلى الاتحاد هو الرأي الذي يتم التوافق، والتوقيع عليه من الرئيس والأمين العام بعد المشورة، ثم يصدر باسم الاتحاد".

وإذا وجدنا العذر للاتحاد للتملص من تصريحات رئيسه بالحجج اللائحية فإننا لا نستطيع التعامي عن حقيقة أن حديث الريسوني يتضارب مع المنطلقات الفكرية لجماعة الإخوان في قضايا الوطنية والحدود والأمة الإسلامية، وهو بحديثه هذا، وعبر رئاسته للاتحاد، يثير العديد من التساؤلات المتعلقة بتلك القضايا المهمة.

ويتبدى جليا في تصريح الريسوني نزعته "الوطنية" الخالصة في مقابل توجه جماعة الإخوان، الذي يعتبر اتحاد علماء المسلمين بمثابة الذراع الفكري المُعبِّر عنها، نحو قضية "الأمة الإسلامية" وهو مرتكز ظلت تنادي به الجماعة منذ تأسيسها وتضعه في تضاد مع النزوع للانتماء للدولة القطرية الحديثة. 

إن الوطن كما فهمه المرشد المؤسس للجماعة، حسن البنا، ليس سوى محطة عابرة ضمن المحطات الست التي وضعها لكيفية انتقال الجماعة من واقع الاستضعاف إلى قوة التمكين، وهي المراحل التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلامية وأخيراً أستاذية العالم.

أما مفكر الجماعة، سيد قطب، فقد قال في هذا الخصوص إن الإسلام جاء ليرفع "الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، ومن وشائج اللحم والدم، وهي من وشائج الأرض والطين، فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة في دار الإسلام، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله".

ومن الجلي أن الريسوني تجاوز عن المفاهيم التأسيسية للجماعة والتي تتعالى على رابطة الوطن وأظهر انحيازاً شديداً لوشائج "الأرض والطين" ولبلده تجاه بلاد مسلمة جارة "الجزائر وموريتانيا", للدرجة التي هدد فيها بإعلان "الجهاد" على الأولى إن هي تمادت في دعم الصحراويين في معركتهم مع المغرب.

وإذ نُقر بأن اشتراطات البنا وقطب "لدار الإسلام" الحقيقية كما يفهمانها لا تنطبق على واقع الدولة المغربية اليوم، فإن المغزى من إشارتنا هو توضيح مدى تجذر فكرة الدولة الوطنية في عالمنا المعاصر مما يجعل أي دعوة، لتجاوزها من أجل خلق كيان سياسي "الخلافة" لا يكترث لحقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة وينبني على رابطة العقيدة فحسب، محض خيال.

وفي رده على منتقدي تصريحاته قال الريسوني أنه تكلم بمنطق تاريخي ومنطق حضاري (والقوم قاموا بالرد علىَّ بمنطق سياسي), مبيناً أن تصريحاته (لم تحمل أيّ أبعاد أو حسابات سياسية), وأكد أن (موريتانيا حالياً دولة مستقلة, وقد اعترف بها المغرب..., هذا شأن السياسيين فليمضوا فيه, وأنا لا أنازعهم فيه, وهو ما تضمنته تصريحاتي).

لا شك أن نزوع الريسوني نحو الفصل بين آرائه والواقع السياسي ليس سوى محاولة للانحناء للعاصفة، إذ أن استدعاءه للتاريخ لم يكن له هدف سوى تدعيم موقف سياسي راهن يتبناه وطنه المغرب تجاه قضية الصحراء، وهو موقف كما ذكرنا يتعارض مع الأفكار التأسيسية للإخوان.

غير أن حديث الريسوني كشف أنه ليس الوحيد بين الإخوان الذي ينحاز لوشائج "الأرض والطين"، فقد استنكر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" (فرع الإخوان في موريتانيا) تصريحات الريسوني وطالبه بسحبها والاعتذار عنها بشكل صريح، "لما فيها من طعن في أعزّ ما نملك، وجودنا واستقلالنا الوطني".

ليس هذا فحسب، بل أن رئيس حركة البناء في الجزائر، عبد القادر بن قرينة، وهو إخواني معروف، نسج على ذات منوال إخوان موريتانيا منتقداً تصريحات الريسوني حيث وصفها بأنها خطاب متعجرف، مؤكداً أن "التعدي المتكرر للرموز المغربية على سيادة الجزائر ووحدة أراضيها أمر متكرر" .

نحن هنا إذاً إزاء مواقف متعارضة للإخوان باعثُها الرئيسي هو سعي كل طرف من أطراف الجماعة للدفاع عن مصالح بلده (المغرب والجزائر وموريتانيا) من منطلق السيادة والاستقلالية الوطنية، وهي بلا شك مواقف مختلفة عن موقف المرشد المؤسس، الذي أوضح الفرق بين فهم جماعته للوطنية وفهم الآخرين لها بقوله: "أما وجه الخلاف بيننا وبينهم، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية".

وإذا كانت الأفكار التأسيسية لجماعة الإخوان لا تعترف بالدولة الوطنية وتعتبرها مُجرَّد كيان من صنع الاستعمار، ولا تُعطي قيمة للحدود التي تفصل بين الدول، ويتربى أعضاؤها على الالتزام ببيعة المرشد فقط وليس الانتماء للبلد المعين، كما أن ولاءهم الأخير ليس للوطن الذي يعيشون فيه، فإنه قد آن الأوان لإعادة النظر في هذه الأفكار التي أثبتت التجربة أنها غير ذات جدوى وغير قابلة للتطبيق على أرض الواقع. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"المرض النفسي ليس جنونا".
"المرض النفسي ليس جنونا"

سناء العاجي الحنفي 

يتوفر المغرب على 121 طبيبا نفسيا فقط، لحوالي 34 مليون مواطن!  رقم صادم قدمه وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، منذ بضعة أسابيع في مجلس النواب. ضمن أرقام أخرى تهم الصحة النفسية في المغرب، يخبرنا أيت الطالب أن المغرب يتوفر على أقل من طبيب نفساني لكل 100 ألف نسمة مقارنة مع المعدل العالمي المقدر بـ 1.7 لكل 100 ألف نسمة؛ بينما يصل المعدل في الدول الأوروبية إلى 9.4 لكل 100 ألف نسمة. كما أن المملكة المغربية لا تتوفر إلا على 25 مصلحة للطب العقلي مدمجة داخل مستشفيات أخرى غير متخصصة، و11 مستشفى للأمراض النفسانية، و3 مصالح جامعية استشفائية لطب الإدمان!

أرقام هزيلة جدا، خصوصا أمام معطى رقمي آخر قدمته دراسة تعود لسنة 2009 يقول بأن حوالي نصف المغاربة (40 بالمائة) يعانون من مرض نفسي و/أو عقلي. 

فهل هي رؤية حكومية تعتبر أن المرض النفسي ليس أولوية، أمام الأمراض العضوية، وبالتالي ليس ضروريا أن نوفر البنيات الطبية والكفاءات البشرية الضرورية لعلاجها؟ هل هو نقص في الوعي لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الفاعل السياسي الذي لا يعير للأمراض النفسية الأهمية والأولوية التي تستحقها؟

أيا كانت الأسباب، فالأرقام تبقى صادمة وتنذر بمشاكل اجتماعية فظيعة. كيف نبني علاقات إنسانية سوية ونحن مازلنا مصرين على أن المرض النفسي ترف أو طابو لا نتحدث عنه كفاية ولا نوفر له البنيات والكفاءات اللازمة لعلاجه؟  وهل البديل أمام المواطنين هو الشعوذة والرقاة الذين يستغلون الحاجة والجهل للنصب وأحيانا الاستغلال الجنسي للضحايا؟

للأسف، لايزال الكثيرون بيننا، بمن فيهم عدد من المتعلمين ومن يقدمون أنفسهم في صفوف التنويريين، يعتبرون العلاج النفسي ترفا أو، وهذا الأفظع، سبة أو شتيمة أو أمرا يخجلون من الإفصاح عنه إن كان في محيطهم القريب أو إن مسهم شخصيا. وكأن الوعي يقتصر على القدرة على التنظير بضرورة العلاج من الأمراض النفسية... لكن، حين يتعلق الأمر بالشخص أو بمن هم قريبون منه، يصبح عارا يفضل تفادي الخوض فيه!  

قد نتفهم ألا يكون للشخص غير المتعلم ما يكفي من المعرفة وأن يعتبر المرض النفسي عارا أو أمرا مشينا، لكن مثل هذه الأخطاء ليست مقبولة ممن يفترض أنهم يدافعون عن الحداثة والتنوير والقيم الكونية. وكأنه جزء من فصامنا المزمن: الخطاب في اتجاه... والممارسات الفعلية في اتجاه معاكس!

المشكل أن الكثيرين بيننا قادرون على قبول هذا الأمر نظريا بل والدفاع عنه على الفايسبوك والتويتر وفي الجلسات بين الأصدقاء... لكن، ماذا حين نصاب نحن أنفسنا باضطراب نفسي أو باكتئاب أو تسكننا التهيؤات أو الوسواس القهري، هل نجرأ على الاعتراف بهذا الاضراب ونذهب للطبيب المتخصص لمعالجته، أم أننا نعتبر الأمر مجرد خلل عابر و"سنتجاوزه"؟ 

حين يحاول شخص قريب منا الانتحار، هل نحاول أن نفهم ونساعد على العلاج حتى لا تتكرر المحاولة، أم أننا نكتفي باعتبار محاولة الانتحار "دلال مترفين" أو "مجرد رغبة في إثارة الانتباه" أو "ضعف شخصية"، بما أن هذا الشخص يبدو لنا بخير أو أنه ينتمي لأسرة جيدة تملك الإمكانيات... وكأن لمحاولات الانتحار أسبابا واضحة مرتبطة بوسط معين أو بيئة معينة. 

حين يكون في محيطنا طفل يعاني من عسر في الفهم أو من فرط الحركة والنشاط، هل نكتفي باعتباره طفلا انطوائيا أو طفلا مشاغبا، أم أننا نعي أنه يعاني من اضطراب في السلوك يمكن علاجه، ونتوجه للعلاج النفسي أو ننصح به الوالدين؟

المرض النفسي ليس جنونا... كما أنه لا يصيب أصحاب الشخصيات الضعيفة فقط، أو أصحاب الإيمان الضعيف أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. لا يكفي أن نقرأ آيات من القرآن لكي يتعالج المريض النفسي. لا يكفي أن يشرب من ماء زمزم أو من ماء قُرِأت عليه آيات من القرآن! المرض النفسي، كالمرض العضوي، يعالج بالعلم وبالمعرفة! هذا طبعا حين تتوفر في البلد البنيات التحتية الكفيلة بعلاج الأمراض النفسية بشكل يحمي كرامة المواطنين وإنسانيتهم، وليس في مستشفيات قد تحتجزهم رغما عنهم أو تعالجهم بأساليب لا تحترم إنسانيتهم.  

باختصار، نحتاج لمواجهة الكثير من أفكارنا المغلوطة وفهمنا الخاطئ للمرض النفسي... وأول الخطوات أن نعترف بخوفنا من المرض النفسي وبخجلنا منه... ما دون ذلك، فلن نستطيع أن نواجهه.  كما نحتاج بالتأكيد... لبنيات صحية تعالجه ولكفاءات تتعامل معه بمهنية!

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).