Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب
لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب

عبد الرحيم التوراني

يصادف حدث زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر، مرور عام على قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجارين الشقيقين الجزائر والمغرب، وفي سياق أزمة فرنسية - مغربية حقيقية، انطلقت صامتة ثم ما لبثت أن أطلت برأسها من شبابيك القنصليات الفرنسية التي شرعت في رفض منح التأشيرة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى الديار الفرنسية، بالرغم من أن قرار باريس في هذا الإطار ساوى بين المغاربة والجزائريين بتقليص 50% في نسبة  التأشيرات الممنوحة، في الوقت الذي عامل فيه التونسيين بتقليص أقل (30%).

لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب، مثل الذي حظيت به الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الجزائر هذا الأسبوع، حيث اعتبر المغاربة أن النزاع الجزائري- المغربي حاضر بقوة بين ثنايا وبياض سطور جدول أعمال محادثات الرئيس الفرنسي والقادة الجزائريين.

مع ترقب مغربي للبيان الختامي للزيارة، والتساؤل هل ستنجح الجزائر في ضغوطها لانتزاع موقف فرنسي يخالف مواقفها السابقة في نزاع الصحراء الغربية، موقف يستجيب لرغبة جبهة البوليساريو ومحتضنيها. خاصة بعد إشهار الجزائر مؤخرا لورقة الصحراء، والتأكيد على أن "تطوير العلاقات مع محيطها مرتبط بالموقف من الصحراء الغربية". هكذا تابعنا كيف قامت الجزائر بتجميدها لاتفاقيات التعاون وحسن الجوار مع مدريد، بعد التغير الإسباني في الموقف من قضية الصحراء لصالح المغرب.

لذلك تتجه الأنظار اليوم صوب الجزائر لحل أزمة أوروبا من الطاقة، باعتبار الجزائر تحتل المرتبة الرابعة عالميا في إنتاج الغاز، ما يجعلنا نستعيد ذكرى برنامج "النفط مقابل الغذاء"، خلال حصار العراق في عهد الرئيس صدام حسين. لنكون أمام برنامج جزائري آخر، موجه إلى البلدان الأوروبية المتوسطية باسم "الدفء (الغاز) مقابل الاعتراف" (بجمهورية البوليساريو)". 

استبق ملك المغرب محمد السادس وصول ماكرون إلى العاصمة الجزائرية بخمسة أيام، ليرد بالمثل في خطابه السنوي في العيد الوطني "ثورة الملك والشعب" (20 غشت 2022)، على الشروط الجزائرية المتصلة بالصحراء، وكانت أهم فقرات خطاب الملك بمناسبة الذكرى، هي مطالبة شركاء المغرب التقليديين والجدد بموقف واضح من سيادة المغرب على الصحراء الغربية، و"أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". دون تسمية من هم هؤلاء الشركاء المعنيين. 

على الفور فسر عدد من المتابعين أن الخطاب يهم فرنسا ثم إسرائيل تباعا. لكن القصد في الحقيقة يعني هنا بالأساس فرنسا "الشريك التقليدي". أما الدولة العبرية "الشريك الجديد"، فهي وإن لم تعلن رسميا موقفا واضحا من مغربية الصحراء، واستمرت في التزامها بـ"الحل الأممي في قضية الصحراء الغربية"، كما أقر بذلك مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط/ السفير ديفيد غوفرين في تصريح لوكالة إيفي الإسبانية. إلا أن إسرائيل باعتبارها من أكبر المصدرين للأسلحة العسكرية في العالم، تساعد عمليا المملكة في التسليح وفي إمدادها بـ "القبة الحديدية". وسبق لوزير إسرائيلي أن وجه تهديدا صريحا للجزائر من قلب العاصمة الرباط، معتبرا أن "اعتداء على المغرب هو اعتداء على إسرائيل". وتكررت زيارات كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين في الدولة العبرية إلى الرباط منذ توقيع التطبيع، من وزير الدفاع بيني غانتس، الذي وقع مذكرة تفاهم مع نظيره المغربي، في أول اتفاق من نوعه بين إسرائيل ودولة عربية (نوفمبر 2021). إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق أفيف كوخافي ( 19 يوليو 2022). وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له أن "اجتماعات كوخافي (مع قادة الجيش المغربي) تناولت فرص التعاون العسكري، سواء في التدريبات، أو في المجالات العملياتية والاستخباراتية".

هو ما وصفته الجزائر بـ"الاستفزاز"، وبـ"تهديد الأمن الاستراتيجي للجزائر"، وبلجوء المغرب إلى "الاستقواء بإسرائيل".. وسط مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة بين الجارين، قد تستكمل أشواطا متبقية من "حرب الرمال" في بداية الستينيات من القرن الماضي. 

لكن ما الذي حصل حتى تتراجع فرنسا عن مواقفها السابقة الداعمة للرباط بالوقوف بجانبها في قضية الصحراء الغربية، خاصة في الأمم المتحدة. فلطالما كانت فرنسا في فوهة الانتقادات الحادة، ووصفت بـ"التحيز وعدم التوازن" من طرف الجزائر، لدعم باريس المغرب في ملف الصحراء.

يعزو بعض المحللين المغاربة هذا التراجع إلى "قلق باريس من الاستثمارات المغربية في إفريقيا الفرنكفونية"، وإلى التحفظ الفرنسي من اعتراف دونالد ترامب بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية، بل يقال إن فرنسا هي من كانت وراء عدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي لموقف مساند للمقترح المغربي بالحكم الذاتي في الصحراء. إلا أن جهات فرنسية ترجع الأزمة الفرنسية مع المغرب إلى إن باريس لا ترى بعين الرضا للهاث المتسارع الوتيرة بين المغرب وإسرائيل، خاصة في الجانب المتعلق بالتعاون التكنولوجي العسكري، وإلى فرضية تجسس الرباط على كبار مسؤولي الدولة الفرنسية، في مقدمتهم الرئيس ماكرون، بواسطة برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". الأمر الذي أثار غضبا شديدا لدى فرنسا سرعان ما تطور إلى مستويات قصوى من الحدة والتأزم. 

من جانب آخر، يمكن توجيه السؤال إلى ماكرون، ما الذي دعاه إلى أن يبتلع لسانه الذي أطاله قبل أقل من سنة (أكتوبر 2021)، لما قام بالتشكيك في وجود "أُمّة جزائرية" قبل الاستعمار الفرنسي. بل أكثر من ذلك لم يتردد يومها في مهاجمة النظام الجزائري، قائلا  إن "النظام السياسي العسكري بُني على الريع التذكاري"، مضيفا: "نحن نرى أن "النظام الجزائري متعَب، والحراك أضعفه".  وأنه يرى أن الرئيس عبد المجيد تبون "عالق في نظام قاسٍ للغاية".

لللإجابة ما عليكم إلا أن تفتحوا كتاب أزمة الطاقة وتفتشو عن الغاز! مهما حاول الرئيس ماكرون تضليل الرأي العام بأنه لم يأت لاهثا وراء الغاز الجزائري.

لا شك أن حرب روسيا في أوكرانيا قلبت الكثير من الموازين والمواقف عبر العالم، وأن أزمة الطاقة كانت أبرز تداعياتها الخطيرة على أوروبا. لذلك سارعت دول أوروبية للبحث عن منافذ بديلة للتزود بالغاز، وكلما اقترب فصل الشتاء والبرد زاد القلق والخوف من الموت في الصقيع المنتظر. وماكرون الذي ربح ولاية ثانية على رأس فرنسا، يسعى الآن جاهدا إلى مراكمة الأمجاد، منها ربح معركة التزود بالغاز قبل أن تضظره الأزمة إلى الفشل، وربما المغادرة قبل الأوان. وبما أن أقرب منفذ هو المستعمرة السابقة التي كانت تسمى "فرنسا الثانية"، قبل أن يلجأ الرئيس شارل ديغول إلى الاستسلام أمام ضربات المقاومة وجيش التحرير الجزائري، ليطرح استفتاء البقاء أو الخروج من الجزائر، وتنهي نتيجة التصويت 132 سنة من الوجود الاستعماري الاستيطاني لفرنسا في الجزائر. 

لكن هل علينا هنا استحضار أمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحيته "مجنون ليلى"، في مشهد ضبط فيه والد ليلى، قيس يتلصص أمام بابها، فزعم "المجنون" أنه جاء من "الدار حتى خلَت من دارنا النارُ".. وأتاه الرد:  امضِ قيسُ امضِ جئت تطلبُ نارا *** أم تُرى جئتَ تُشعل البيت نارا؟...

على هذا المثل المقتبس من أشهر قصص العشق العربية، نسأل إذا ما كان "العشيق" الفرنسي أمام لهفته على نيل الغاز الجزائري سيسعى لمساعدة نيران النزاع الجزائري المغربي على الاشتعال بالغاز الذي سيفرح به بين يديه، وبدل تأمين الدفء سيكون تسبب في حرائق مهولة قد لا تبقي ولا تذر، أين منها الحرائق الطبيعية للغابات التي تلتهم كل صيف جنوب أوروبا مع غابات شمال افريقيا في الجزائر والمغرب. فلا قدر الله، بدل طائرات مكافحة الحرائق ستحلق طائرات الحرب الراجمة بالقذائف والصواريخ المدمرة...  وبعدها لا غالب إلا الله.

فهل سيتجرأ إيمانويل ماكرون على التضحية في سبيل مواطنيه الفرنسيين، بالقفز من أعالي منطقة الرماد صوب مهاوي الوضوح، مشتعلا بحرائق غاز "سوناطراك" (الشركة الوطنية لنقل وتسويق المحروقات)؟!

وأين نحن من شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، صاحب النشيد الوطني الجزائري، عندما يقول:
إن الجزائر في الغرام وتونسًا *** والمغرب الأقصى خلقن سواءَ
أرض مطهرة تضمّ ضلوعها *** مُـهـجًـا هنــاك زكيــة ودمــاء

هل ستتلوث المهج الزكية اليوم بغاز الأحقاد، ليتوحد المغرب الكبير في كيمياء الحريق والدم والعدم. أو أننا بصدد إعادة كتابة تاريخ جديد للمنطقة؟ ما دام ماكرون وأسلافه من رؤساء فرنسا يؤكدون دائما في علاقاتهم مع المغرب الكبير على المضي نحو المستقبل، فإنه يدرك جيدا أن الرهان على المستقبل لن يكون الفوز فيه إلا بيد من يقرأ جيدا فصول التاريخ، أو من يتقن إعادة كتابته، إذا لم تكن الحقيقة التاريخية في صالحه. في هذا الإطار يستعين ماكرون بخدمات ثلة من الخبراء في الحضارة والأنثروبولوجيا والتاريخ، على رأسهم الفرنسي بينجمان ستورا، اليهودي الجزائري الأصل، ليقنع الجزائريين بأن الاستعمار الدموي الفرنسي لبلادهم كان "نعمة حضارية" ساهمت في نشأة دولتهم الأبية من عدم!

ختاما، إن فرنسا المتوعكة والمتألمة من طردها من مالي تركض مستجيرة نحو مستعمراتها السابقة من أجل استدراك الأخطاء التي تسببت في تمرد باماكو ضدها، وتخشى من إنهاء سيطرتها العسكرية على المستعمرات السابقة، التي لم تتوقف عن استنزاف موارها بالتواطؤ مع أزلامها من الدكتاتوريات والنخب المسلطة على حكم تلك البلدان، ونهبها اقتصاديا واستيلابها ثقافيا ولغويا، عبر اتفاقيات ومخططات طويلة المدى. ألم يكتشف الرأي العام المغربي مؤخرا أن معاهدة "إكس ليبان" التي منح بموجبها الاستقلال للمغرب، تتضمن بنودا سرية، منها استغلال مداخيل الفوسفات، وأن تعويضات العاطلين في فرنسا هي من المكتب الشريف للفوسفاط المغربي.. فيما جيوش العاطلين في المغرب يموتون قهرا وجوعا، ويرمون أرواحهم في قوارب الموت بقعر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. 
هي "ماما فرنسا" الأم الرؤوم، التي لم تغادر المستعمرات السابقة، بل لا زالت تحضنها بسادية وتمعن كقطة شرسة في افترس أولادها المتبنين، من دون رفرفة جفن أو تفكير في تقديم اعتذار.

ولأننا نعلم أن الزيارات الرسمية لرؤساء الدول تكون على الأغلب تتويجا لمباحثات ومفاوضات وترتيبات تسبقها، فسنقول إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر هذا الأسبوع، توفقت في إصلاح التصدع الذي شاب علاقات فرنسا المتوترة مع "جزائر النفط والغاز". وبعد النجاح لا بد من الاحتفال والرقص والموسيقى، لذلك يختتم ماكرون رحلته بزيارة لمدينة وهران، وهي موطن موسيقى الراي الشبابية. ويحضر برنامجا موسيقيا ترفيهيا مع شباب المدينة المتاخمة للحدود الجزائرية -المغربية. 

لا شك أن المنظمين حرصوا على عدم إسماع ماكرون كلمات أغنية الراي "أصحاب البارود والكارابيلا../ رافدين البارود وشاعلين الفتيلا..."، تلك الأغنية التي تعود إلى زمن مقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي، وقد حاول الاستعمار طمس الأغنية وسجن صاحب كلماتها حتى وافته المنية في السجن قبل استقلال وطنه الجزائر.

إن فرنسا تخاف من سجل تاريخ جرائمها الاستعمارية الدموية، هو الخوف الذي تحدث عنه الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته "على هذه الأرض ما يستحق الحياة": (... وخوفُ الغزاة من الذكريات).. 

تاريخ أسود سيظل يطارد فرنسا الطغيان والغزو الاستعماري الممتد فوق هذه الأرض.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).