Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

نقص تعليم الثقافة الجنسية يؤدي لانتشار الأمراض التناسلية
نقص تعليم الثقافة الجنسية يؤدي لانتشار الأمراض التناسلية

سناء العاجي

ما هو القاسم المشترك بين: التحرش، الاعتداءات الجنسية، التنمر الجنسي، الاغتصاب الزوجي، المشاكل الجنسية بين الزوجين، عدم الرضى الجنسي، الأمراض المنقولة جنسيا والحمل غير المرغوب فيه؟ 

ببساطة... التربية الجنسية. أو بالأحرى: انعدام التربية الجنسية! 

يتصور الكثيرون، خطأ، أن التربية الجنسية تعني أن نضع في فصل دراسي مجموعة أطفال أو مراهقين ونعرض لهم فيلما جنسيا لكي نعلمهم تفاصيل العلاقة الجنسية، ميكانيكيا.  

وهذا، بالتأكيد، خطأ كبير في المفهوم. التربية الجنسية تعني أساسا تلقين الأطفال والمراهقين معلومات عن جسدهم وعن جسد الآخرين، عن الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا، عن احترام الآخر، عن مفهوم الرضى والتراضي في العلاقة؛ لأن جزءا مهما من أشكال العنف والتحرش تنتج عن عدم استيعاب مفهوم الرضى. أفكار ومفاهيم مثل "يتمنعن وهن راغبات"، أو "الصمت علامة الرضى" تجعل الكثير من الرجال يتوهمون أن رفض المرأة للعلاقة أو عدم التفاتها لعروض الرجل يعني موافقتها و"خجلها" من التعبير.  

كما أن الكثيرين يعتقدون، خطأ، أن المرأة هي موضوع للرغبة الجنسية، وليست فاعلة فيها، لأن "الأمر لا يعني لها الكثير" أو أنها "غير مهتمة بالموضوع". وهذه، للإشارة، مغالطات لا تهم المراهقين فقط، بل تطال الراشدين أيضا، لتتحول علاقات الكثيرين، بمن فيهم المتزوجون، إلى علاقات متوترة يشوبها عدم الرضى وعدم استيعاب حاجيات الآخر ورغباته وحدوده؛ كما يشوبها العنف والاغتصاب الزوجي.  

أليس أساس الاغتصاب الزوجي أن الكثير من الأزواج يعتقدون أن "من حقهم" ممارسة الجنس مع زوجاتهم متى رغبوا في ذلك، دون التفكير في مدى استعدادهن النفسي ومدى رغبتهن في العلاقة الجنسية؟  

أتذكر شخصا بمستوى جامعي كان قد قال في برنامج إذاعي: "أن تقول الزوجة أن لا رغبة لديها هو أمر غريب عن ثقافتنا ومستورد من الغرب". فكرت حينها: هل هذا يعني أنه مستعد لممارسة الجنس مع زوجته حتى لو لم تكن راغبة في ذلك، وأنه يعتبر هذا سلوكا عاديا ومقبولا، مادام حلالا؟ أي تصور يملكه هذا الشخص (وأشباهه كثيرون) عن العلاقة الجنسية؟ كيف يتصورون علاقة جنسية لا يشوبها الرضى والرغبة بين الطرفين؟ متى سيستوعب هؤلاء أن عقد الزواج لا يعادل عقد ملكية لجسد الآخر؟  

هذا ليس كل شيء، لأن كمَّ المفاهيم المغلوطة في أذهان النساء والرجال عن الحياة الجنسية لا يعد ولا يحصى، وقد لا يسع المجال لذكرها جميعا. لكن الأكيد أن الملاحظة الموضوعية لمجتمعاتنا تجعلنا نؤكد على دور وأهمية التربية الجنسية، ليس كـ "مفهوم مستورد يشجع على الانحلال"، بل كثقافة معرفية بالجسد وبالذات وبالآخر، تُعلمنا جميعا كيف نعرف أجسادنا، كيف نحترم رغبة الآخر، كيف نعالج أعطابنا وأمراضنا الجنسية المحتملة، كيف نتفادى الوقوع في الحمْل غير المرغوب فيه أو الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا، كيف نعيش علاقات جنسية سوية. 

لذلك، فنحن نحتاج للتحلي بالوعي التام بأن التربية الجنسية لا تشجع على الانحلال بقدر ما تحضر أفرادا ناضجين، منذ سنواتهم الأولى، للتعامل الجيد مع حياتهم الجنسية ومع اختيارات شركائهم الحاليين أو المحتملين؛ تعلم المراهقين والشباب والراشدين كيف يبنون علاقات إنسانية وجنسية مُرْضِية لهم ولشركائهم وخالية من العنف والتملك والابتزاز والاغتصاب. تعلم الأطفال والمراهقين كيف يحمون أنفسهم من الابتزاز والاستغلال الجنسي.  

علينا كذلك أن نعي أن درس التوالد في المقررات هو بالتأكيد غير كافٍ، تماما كما أن أستاذ العلوم الطبيعية ليس بالضرورة مؤهلا لتدريس التربية الجنسية.

التربية الجنسية تكوين من نوع خاص له شروطه ومؤهلاته التي، بدونها، لن يحقق نتائجه. هناك أيضا بيداغوجية أساسية يجب أن يتم وضعها لتحديد أي محتوى يُقَدَّم وفي أي سن.  

ما لم نتحلَّ بشجاعة السير في هذا الاتجاه، فستبقى الأفلام الجنسية، بالكم الهائل من الأفكار المغلوطة والمدمرة التي تقدمها عن الممارسات الجنسية، هي "مصدر التعلم" الوحيد المتاح أمام أفراد لديهم رغبات جنسية ومشاعر، ولا يستفيدون من أي مواكبة أو تأطير لتلك الرغبات، خارج الخطاب الوعظي الديني...  

والنتيجة؟... كمّ الجرائم والاعتداءات وتبرير الاعتداءات التي نعيشها بشكل متواتر كفيل بالرد!

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس
عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس

نضال منصور

انتهى المونديال في قطر بصورة تاريخية لميسي يرتدي "البشت" العربي حاملاً كأس العالم بعد فوز الأرجنتين على فرنسا في المباراة النهائية، وهي الصورة التي أثارت جدلاً ولغطاً، وستظل مخلدة على مر العقود. 

انتهى المونديال، وتساءلت وكثيرون غيري فعلوا؛ ماذا سنفعل بعد أسابيع من الشغف والتوتر والانفعال؟ ولم أكن أعلم أن هناك ما يسمى "اكتئاب ما بعد المونديال"، أو "متلازمة ما بعد المونديال"، وعكفت مؤسسات صحية عالمية على دراسة هذه الظاهرة التي تصاحب العديد من الناس بعد انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، والحالة الشعورية التي تسيطر، وتطغى عليهم حين يعودون إلى رتابة الحياة اليومية، ويفقدوا متعة التشجيع التي تتيح لهم مساحات للتنفيس، وتفريغ شحنات الإحباط المتراكم الذي يعيشونه. 

بشهادات دولية، فإن نسخة مونديال قطر لن تتكرر، وباستفتاء لشبكة "بي بي سي"، فإن بطولة كأس العالم في الدوحة أفضل نسخة للمونديال في القرن الحادي والعشرين، مقارنة بمونديالات كوريا/ اليابان 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، برازيل 2014، وروسيا 2018، وصوّت 78 بالمئة من المشاركين في الاستفتاء لصالح مونديال قطر.

وعدا عن التكنولوجيا المبهرة التي استخدمت في حفلتي الافتتاح والختام، وفي الملاعب خلال المباريات، فإنه للمرة الأولى يتمكن المشجعون من مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بسبب قرب الملاعب، وتوفر المواصلات العامة المجانية، ويقول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، جياني إنفانتينو، إن "البطولة جمعت الكل، ولأول مرة في التاريخ تواجدت جماهير كل الفرق في مدينة واحدة".  

في المونديال رابحون وخاسرون، والرابح الأول في الملعب كان المنتخب الأرجنتيني الذي حصد كأس العالم بعد سنوات طويلة، وأعاد الكأس إلى أميركا الجنوبية، وانتزعها من القارة الأوروبية بعد هزيمته لمنتخب الديوك الفرنسي في ضربات الجزاء، والأهم في الفوز الأرجنتيني أن ميسي توّج ملكا دون منازع، واستطاع أن يحصد في حياته الكروية كل الألقاب التي تخلده بالتاريخ، ومثلما كانت الأرجنتين تتغنى باللاعب الأسطورة، مارادونا، الذي توّجهم بآخر مونديال، فإن الجماهير في بيونس آيرس خرجت إلى الشوارع لتشكر ميسي الذي أحيى فيهم الأمل بعد أعوام عجاف. 

زاد ميسي من رصيده عالمياً قبل أن يعتزل الملاعب، وفرحته الغامرة تقابلها دموع كريستيانو رونالدو الذي ودع منتخب بلاده البرتغال البطولة مبكراً بعد هزيمة مذلة أمام المنتخب المغربي، وبقائه في أكثر المباريات على دكة اللاعبين الاحتياطيين. 

الرابح الأهم بعد الأرجنتين كانت قطر التي انتزعت إعجاب العالم، ورسخت حضورها دولياً، وصنعت معجزة في التفاصيل الكثيرة للمونديال بعد أن ظلت لأكثر من عقد من الزمن تحت مطرقة النقد، والتشكيك بقدرتها على استضافة هذه التظاهرة الكونية التي تستقطب اهتمام المليارات من البشر على هذا الكوكب. 

قطر لم يكسب فريقها، وخرج مبكرا، ولكنها ربحت في رهانات التنظيم، ولم تشهد الملاعب، أو مناطق المشجعين شغبا، أو اعتداءات مثلما كان يتكرر في البطولات، واعتبرت البطولة نموذجا خاليا من شكاوى التحرش الجنسي. 

قبيل البطولة شنّت العديد من الدول الأوروبية حملة منظمة على قطر، استخدم ملف العمالة، والانتهاكات الحقوقية للعمال الذين نفذوا مشاريع كأس العالم بيدقا للنيل منها، ورغم إحراز الدوحة لنجاحات في تحسين بيئة العمل بشهادة منظمة العمل الدولية، لكن هذا لم يشفع لها للحد من حملة اتسمت في بعض جوانبها بالعنصرية والشوفينية والعدائية. 

حاولت الدول الغربية فرض أجندتها ومعاييرها الحقوقية والأخلاقية، واعتبرت قضية المثلية الجنسية أولوية تستحق أن تُخاض من أجلها حرب لا هوادة فيها، دون مراعاة للخصوصيات القيمية للمجتمعات الأخرى، وحصدت بسبب هذه التوجهات عزلة، ورفضا مجتمعيا عربيا، وربما مشاعر الشماتة التي رافقت خروج المنتخبات الأوروبية العريقة، مثل: ألمانيا، وإسبانيا، وإنكلترا كانت مؤشرا على فقدان التعاطف معها. 

شعر العرب بالفخر وهم يرون المُنجز القطري يتحقق في المونديال، وتعرفوا بشكل جلي على النظرة الاستعلائية الغربية، وعقدة التفوق الأوروبي التي ترى أن الحضارة دونهم خراب. 

أبرز الرابحون في المونديال المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع النهائي، وأخرج منتخبات مهمة، مثل: إسبانيا والبرتغال وظلمه التحكيم، ولولا ذلك لكانت الفرصة أن يُشاهد منتخب عربي في نهائي كأس العالم. 

حظي المنتخب المغربي باهتمام منقطع النظير بعد خروج المنتخبات العربية، وبعد أداء لافت وروح قتالية في الملاعب، أصبح نجومهم حديث الناس وترسخت في وجدان الجماهير العربية احتفاء اللاعبين وتكريمهم لأمهاتهم، والحقيقة أن المغرب أدخل البهجة للملايين الذين يتوقون لانتصارات تُبعد شبح الهزائم في حياتهم ومجتمعاتهم، وأكثر ما يُزين صورة المنتخب المغربي "متلازمة" حبهم لفلسطين، وإبراز عدالة قضيتها، وما قدموه في المونديال عجزت عنه الجامعة العربية وقممها منذ تأسيسها. 

في مونديال قطر شارك 32 منتخبا من العالم، والواقع في المدرجات أن الغائب الحاضر كانت فلسطين، ولذلك اعتبرتها وسائل الإعلام المنتخب رقم 33 في البطولة، فعلم فلسطين كان خفاقا في كل المباريات، والهتافات لفلسطين كانت تعلو أهازيجَ، خاصة حين تلعب المنتخبات العربية، وفي مقدمتها المغرب. 

المونديال في الدوحة أسقط رهانات التطبيع مع إسرائيل، وقنوات التلفزة الإسرائيلية حظيت بالمقاطعة الشعبية، والصحفيون الاسرائيليون شعروا بأنهم منبوذون وأصيبوا بالصدمة، ولهذا فإن عنوان صحيفة "إسرائيل اليوم" كان "إنهم لا يحبوننا ولا يرغبون بوجودنا".

وكتب الصحفي، تسيون نانوس، في القناة 12 الإسرائيلية "للأسف في قطر وجزء كبير من العالم، وبالتأكيد العالم العربي ينظرون إلى أننا نمثل نظام الفصل العنصري الذي كان قائما في جنوب أفريقيا حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي"، والاستنتاج الذي توصلت له صحيفة معاريف في عنوانها "فلسطين هزمت إسرائيل في أكبر مسرح في العالم.. المونديال". 

كانت بطولة كأس العالم حافلة بالمفاجآت فالمنتخب السعودي هزم الأرجنتين، والبرازيل المصنف الأول في العالم خرجت، وهزمتها كرواتيا، وكل الكبار بكرة القدم خرجوا بشكل صادم، وكارل هاينز يدعو الألمان للتعلم من التجربة المغربية للتعافي بعد الخروج المحبط من دور المجموعات. 

حقق مونديال قطر رقما قياسيا في الإيرادات للفيفا، إذ حصدت 7.5 مليار، أي أكثر بمليار دولار عن مونديال روسيا، وحسب الأرقام الرسمية فإن عوائد استضافة المونديال لقطر بلغت 17 مليار دولار، والأهم أن ما تحقق يصب بشكل مباشر في رؤية قطر الوطنية 2030، ويحولها إلى مجتمع عالمي ومركز تجاري وسياحي.

ومن المتوقع أن تحرز قطر نموا اقتصاديا عامي 2022-2023 يبلغ 3.4 بالمئة، واستطاعت في حفل الافتتاح أن تلفت الأنظار لقضايا حقوقية، ويشير رئيس الفيفا "استخدمنا قوة كرة القدم خارج الملعب لتسليط الضوء على قضايا التمييز والترويج للاستدامة وضمان تمتع الأطفال بالحماية والتعليم". 

الحركة الذكية التي تعمدها أمير قطر الشيخ تميم بإلباس ميسي "البشت" رغم كل الجدل وضعت بصمة عربية بتاريخ المونديال، والانتقادات التي راجت في وسائل إعلام غربية مثل قول دايلي تيليغراف إن "إلباس البشت عمل غريب أفسد أكبر لحظة في تاريخ كأس العالم"، أو وصف التلفزيون الفرنسي "BFM" "البشت بخرقة أو رداء حمام" أعاد إلى المشهد حملة عدائية غير مبررة تستكثر ولا تريد لأي دولة خارج أوروبا أن تفلح في تنظيم مبهر لأكبر تظاهرة عالمية.

وبالتوازي وردا على الاتهامات استحضرت منصات التواصل الاجتماعي صورة للأسطورة بيليه وهو يلبس "الطاقية" المكسيكية بعد فوزه في كأس العالم بالمكسيك باعتبار أن ما فعلته قطر ليس خارج السياق. 

انتهى المونديال، وستظل الصور، واللحظات التي عشناها حاضرة تُذكرنا أن كرة صغيرة تحتشد لأجلها كل البشرية. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).