Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

كتاب صحيح البخاري
كتاب صحيح البخاري

د. توفيق حميد

يحتدم الصراع الفكري في العالم الإسلامي بين فريق لا يريد تغيير أي شيء في المفاهيم الدينية التقليدية، وبين فريق يرى أن هناك ضرورة للتغيير في بعض المفاهيم وهو ما يعرف باسم "تغيير الخطاب الديني". والأخير، أي "تغيير الخطاب الديني"، لا يعني على الإطلاق تغيير الدين لأن أسس الدين ليس من بينها كتب التراث مثل كتب الفقه والتفاسير، التي يريد البعض – إن لم يكن كثيرون – وضعها تحت المجهر ومن ثم تغييرها. 

ومن حسن الحظ أن وجود الإنترنت ساعد ويساعد بشكل كبير في طرح الموضوع للمناقشة وفي عرض وجهات النظر المختلفة فيه. 

والآن لنر سويا واحدة من المشاكل الرئيسية التي تواجه الفكر الإسلامي، وهي ما أطلقت (بضم التاء) عليه في عنوان المقالة " الخيار الصعب للأمة الإسلامية"، وهو كما سأشرح في الأسطر القادمة ليس خيارا صعبا فحسب، بل هو "الاختيار الأصعب"، لأنه خيار بين أمرين لا يلتقيان ومن المستحيل التوفيق بينهما. 

وهذا الأمر هو باختصار شديد أن العالم الإسلامي والملايين من المسلميين يعتقدون اعتقادا راسخا أن القرآن الكريم كتاب محفوظ من الله بأحرفه وآياته وسوره، وأن ما بين أيدينا الآن هو ما أوحي به إلى الرسول عليه السلام. 

وهذا الرأي مدعوم عند المؤمنين به، بقول الله جل وعلا " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ" سورة الحجر. 

ومدعوم أيضا بواقع أن ملايين الأطفال من إندونيسيا إلى المغرب يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب ولا يوجد اختلاف شديد بينهم في ما يقرأونه. فالقرآن عندهم هو القرآن والاختلاف الوحيد بينهم هو في اللهجة أو طريقة التشكيل أو في نطق بعض الكلمات فيه. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن البعض يقرأ قوله تعالى "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ... وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ" كما يلي: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ... وَمَا أَدْرَيكَ مَا الْعَقَبَةُ" فيقرأون كلمة  أدراك "أدريك". 

وهذا الأمر ليس بمشكلة كبيرة إذا قارناها بما تقوله كتب الأحاديث والتراث أن هناك آيات تم إلغاؤها من القرآن الأصلي، وأن بعض الآيات أكلتها ماعز ولذلك لم يتم كتابتها في القرآن الذي بأيدينا. 

حدثنا ‏ ‏أبو سلمة يحيى بن خلف، ‏حدثنا ‏ ‏عبد الأعلى ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن أبي بكر ‏ ‏عن ‏ ‏عمرة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏و عن ‏ ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت: ‏ 

‏"لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتشاغلنا بموته دخل داجن  (أي ماعز) فأكلها". 

وكان ابنُ العاصِ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، يكتُبانِ المصاحفَ، فمرَّا على هذه الآيةِ، فقال زيدٌ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: الشَّيْخُ وَالشَّيخَةُ، فارجُمُوهُما الْبَتَّةَ. فقال عمرُ: لما أُنزلتْ، أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ: أَكْتِبْنيها، فكأنه كره ذلك. َ 

الراوي: عمر بن الخطاب. المحدث: ابن جرير الطبري  

المصدر: مسند عمر. 

الجزء أو الصفحة:2/870. 

حكم المحدث: إسناده صحيح.  

وما يزيد الأمر اشتعالا في هذا السياق هو ما ذكره المدون الإماراتي جمال سند السويدي في تغريدة حديثة جاء فيها أن "سورتي الفلق والناس ليستا جزءا من القرآن" كما ذكر لنا كتاب صحيح البخاري. وقبل أن يعاتب أحد هذا المدون، عليه أن يتوجه بالعتاب أولا إلى من ذكر ذلك، فقد روي البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول: ((إن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم))! 

ولا تقف مشكلة التشكيك في القرآن عند هذا الأمر فحسب بل تصل إلى التشكيك في سور بأكملها. فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكرت كتب التراث أن سورة الأحزاب وهي 73 آية كانت في الأصل 200 آية حين قرأها الرسول. 

فقد روى البخاري في التاريخ الكبير عن حذيفة : "قرأت سورة الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم فنسيتُ منها سبعين آية ما وجدتها"." 

وروي عن عائشة "أنّ سورة الأحزاب كانت تقرأ في زمان النبي (ص) في مائتي آية، فلم نقدر منها إلاّ على ماهو الآن (73 آية)".         

وهنا يأتي "الخيار الصعب" بل "الأصعب"، ألا وهو أنه إذا قبلنا كتاب البخاري وكتب التراث، فإن ذلك يعني أن القرآن الموجود بأيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على الرسول!  

فيا ترى ماذا سيختار الناس: الإيمان بدقة القرآن وحفظه أم الإيمان بكتب التراث وما تقوله عن القرآن كما ذكرنا أعلاه؟! 

وللحديث بقية! 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكثيرون حولنا، بمن فيهم بعض الأشخاص المتعلمين، مازالوا يتعاملون مع المرض النفسي بالكثير من التحفظ والإحراج
الكثيرون حولنا، بمن فيهم بعض الأشخاص المتعلمين، مازالوا يتعاملون مع المرض النفسي بالكثير من التحفظ والإحراج

سناء العاجي

ما زال أمامنا طريق طويل جدا، لكي نتعامل مع الأمراض النفسية بشكل سليم وصحي ينقذ المرضى النفسيين.. وينقذ محيطهم.

الكثيرون حولنا، بمن فيهم بعض الأشخاص المتعلمين، مازالوا يتعاملون مع المرض النفسي بالكثير من التحفظ والإحراج. منهم من يعتبر المريض النفسي شخصا مجنونا؛ ومنهم من قد يخاطب مريضا مصابا باكتئاب مثلا، أو بحالات الهلع (Panic attack) بعبارات من قبيل: "أنت شخص قوي، عليك أن تتجاوز هذه الأمة"؛ أو "لكن مِمَّ أنت خائف؟"، أو "كنت أتصورك أقوى من هذا"، أو "يجب أن يكون إيمانك بالله قويا لتتجاوز هذه الأزمة". 

المرض النفسي ليس جنونا ولا هو يصيب، حصريا، الأشخاص ذوي الشخصيات الهشة أو غير المتدينين، أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. كلنا معرّضون للمرض النفسي، تماما كما العضوي. 

كما أن البدن قد يمرض، فإن النفس والقلب أيضا قد يصابان بعلة؛ دون أن يكون ذلك لعيب فينا أو في شخصياتنا أو في تربيتنا أو في إيماننا. 

للأسف، معظمنا قادر على تفهم هذا الأمر، لكن على المستوى النظري فقط... بالمقابل، حين نصاب نحن أنفسنا باكتئاب حاد أو بأي اضراب نفسي آخر، فالقليلون منا من يجرؤون فعلا على استشارة طبيب متخصص؛ بينما الكثيرون يعتبرون الأمر "مجرد حزن عابر \ إرهاق نفسي عابر" ويتجاهلونه.. إلى أن يستفحل الأمر وقد يؤثر على المحيط القريب والعمل والعلاقات وعلى تفاصيل أخرى كثيرة حولنا. 

كذلك، فحين تظهر بعض الأعراض على أشخاص قريبين منا (زوج أو زوجة، أبناء، إخوة، أحد الوالدين...)، علينا أن نتحلى بشجاعة الانتباه للأمر والاعتراف به ومساعدة الشخص المعني على الاعتراف به ليتلقى العلاج المناسب قبل أن يتطور المرض ويؤدي لاضطرابات أعمق أو لمحاولات انتحار أو قد يشكل خطرا على حياة الآخرين!  كم من جرائم قتل سمعنا بها، قام بها شخص اعتبره المحيط مجنونا، أو أخذه أقاربه إلى راقي شرعي وتجاوزوا الأمر... بينما كان الشخص في الأصل يعاني اضرابا نفسيا ولم تتم مواكبته. 

لذلك، فعلينا جميعا أن نحارب تصوراتنا المغلوطة وخجلنا من الأمراض النفسية. علينا كذلك أن ننتبه لعباراتنا أمام من يعاني مرضا نفسيا أو يعاني أحد أقاربه منه. نظرات الشفقة، عبارات تبخيس المرض، اقتراح العلاج عند الراقي أو الفقيه وغير ذلك. تماما كما أن الراقي لا يعالج مشكلا في الأمعاء أو كسرا في الساق، فإن الطبيب النفسي وحده يستطيع التكفل بحالات المرض النفسي. 

هذا يحيلنا على إشكالية أخرى وهي البنيات الصحية النفسية في بلداننا. هل التغطية الصحية الحكومية والتأمين الصحي الذي يقترحه القطاع الخاص، يتكفلان بعلاج الأمراض النفسية؟ هل هناك ما يكفي من المستشفيات المتخصصة والتي تحترم كرامة المرضى؟ كم هي تكلفة العلاج النفسي؟ 

كل هذه أسئلة مهمة، لكن الإجابة على معظمها، للأسف، سلبية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تحسين هذه المعطيات سيساهم في تحسين صورة المرض النفسي وفي تخفيف العبء على المرضى وأهاليهم وتوجيههم نحو العلاج السليم.

هذا ليس كل شيء، لأننا نحتاج بالتأكيد لدورات تكوين لصالح كتاب السيناريو لكي يعوا خطورة الصورة السلبية التي يروجونها عن الطبيب النفسي في العديد من الأعمال الدرامية كشخص يقارب الجنون بأفكار وممارسات غريبة.

باختصار، نحتاج لزعزعة الكثير من مسلماتنا.. وأولها أن نعترف نحن أنفسنا بخوفنا من المرض النفسي... هكذا، قد نستطيع التعامل معه ببعض المنطق والإنسانية!

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).