Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

محتجة تركية تجلس أمام طريق مسدود أمنيا بعد صدور أحكام بحق شخصيات اتهمت بالانقلاب عام 2013
محتجة تركية تجلس أمام طريق مسدود أمنيا بعد صدور أحكام بحق شخصيات اتهمت بالانقلاب عام 2013

رستم محمود

في نفس اليوم الذي كانت المؤسسات الرسمية التركية، ومعها جزء كبير من القطاعات المجتمعية، تحتفل بذكرى مرور قرن كامل على "معركة الاستقلال"، في الـ 30 من شهر أغسطس الماضي، غطى حدثان فضاء الحياة السياسية والعامة في البلاد.

إذ وجه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، انتقادات هوياتية وثقافية لأبناء الطائفة العلوية في البلاد، بمقولات تخلط الكثير من الخطابية الشعوبية الطائفية مع الكثير العنف اللفظي الرمزي.

في اليوم ذاته أيضاً، كان الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطية "المؤيد للأكراد"، ميثات سنكار، يستعجب ويستنكر في مقابلة إعلامية أجريت معه "كمية النبذ والإقصاء التي تمارسها أحزاب المعارضة التركية الستة بحق حزبه وقواعده الاجتماعية"، بالرغم من قدرتها، لو تحالفت معه، إنهاء حكم إردوغان. لكنها لا تفعل ذلك انطلاقاً من الإحساس بأن المذكور هو "حزب يمثل تطلعات الأكراد".

في المشهد التركي الكلي هذا، ثمة تعارض واضح بين صورتين، لا يمكن منطقياً جمعهما في إطار واحد: إذ ثمة احتفالية كبرى، بمناسبة مرور مائة عام على "معركة دوملوبينار"، التي تُعتبر بالنسبة للدستور والمؤسسات الرسمية والذاكرة الوطنية الجمعية، رمزاً لقدرة الدولة التركية على بناء نفسها ككيان "جمهوري ديمقراطي علماني".

لكن، وفي نفس الوقت، ثمة ظهور بارز لمأساة جماعتين أهليتين كبيرتين، الأكراد والعلويين، الذين يشكلون مجتمعين نصف سكان البلاد على الأقل، ويعانون من عمليات استبعاد وقهر واستضعاف وتحطيم، مُشيدة ومُنظمة من مختلف القوى وأعضاء الطيف السياسي والدولاتي في البلاد، وذلك بناء وحسب طبيعة الهوية الأهلية لتلكم الجماعتين. 

من طرف، يوضح المشهد كيف أن مائة عام كامل من هذه الدولة التركية، وبالرغم من كل قسوتها وديناميكيات فعلها، لم تتمكن من إخراج هذه المعطيات والنزعات الهوياتية من الحيز السياسي إلى الحقل الاجتماعي والثقافي، كما هو الحال في مختلف البلدان الديمقراطية. 

لا يحدث ذلك لأمر أو مشكلة اجتماعية أو ثقافية تتعلق بنوعية وطموحات أبناء هذه الهويات. بل على العكس تماماً، المعضلة كبرى في الدولة المعنية وعالمها السياسي ذاته. تلك الدولة التي ما استطاعت طوال قرن كامل، أن تمنح ذوي هذه الهويات اعترافاً ومعنى ومساواة ما، وظلت تعاملهم كأبناء عاقين، خطرين على كيانهم ومجتمعهم الأوسع، غير جديرين بالحضور والامتلاك والمساهمة والاستئمان كما البقية، أبناء الجماعة العرقية التركية، من المسلمين السُنة الأحناف، من أهل مدن الأناضول.

بهذا المعنى، ثمة عجز ذريع وتشكيك كبير في مصداقية الشعارات التأسيسية للدولة التركية هذه. فلا الجمهورية المُدعاة كانت قادرة على تجاوز العصبية الهوياتية التي اتخذتها الدولة التركية لنفسها، ككيان لجماعة أهلية دون غيرها من السكان المحليين.  

كما لم تتمكن الديمقراطية، المُدّعاة أيضاً، أن تخلق رحابة روحية وثقافية، قادرة على استيعاب هذه الهويات ضمن الفضاء التمثيلي العمومي. وطبعاً لم تكن العلمانية إلا غطاء كلياً لفعل كل ما هو عكسها تماماً. 

من طرف آخر، يكشف المشهد كيف أن السلوك التقليدي والدائم للدولة مع هذه القضية إنما يأخذ بُعداً عبثياً. إذ يُستحال أن يكون له أفق أو نجاح ما، فمن المحال أن تكون ثمة فرصة ما لتفكيك وبعثرة حقوق وقضايا جماعات أهلية بهذا الحجم. إنهاؤها كجماعات سياسية وجغرافية وحقوقية، تملك ترسانة من الحقوق البديهية، كالحق في الاعتراف والمساواة ونيل الجدارة والثقة، وعبر أدوات تم تطبيقها بالكامل من قبل.

تلك الأدوات التي تمتد على كامل ما في يد الدولة/الجماعة المركزية من قدرات، من التربية والإعلام والدعاية والقهر اللغوي واغتيال المثقفين وفرض حالات الطوارئ لعشرات السنوات، مروراً بالتمييز العنصري الدؤوب إلى العنف العسكري المفرط، بما في ذلك عمليات اقتلاع آلاف القرى وإبادة السكان المحليين.  

مضى قرن كامل، ومع تجريبها لكل شيء في سبيل محق ذلك، بما في ذلك تلوّن الأحزاب الحاكمة بصبغات يسارية وعلمانية وإسلامية، لهضم تلك الهويات وإنهاء وجودها كحالة مطلبية أو سياسية، وما تمكنت من فعل شيء، وبقي كل شيء على حاله تقريباً. 

بل على العكس تماماً، تلك القضايا تبدو اليوم في مكان آخر، هو إعاقة البنية التحتية للدولة التركية، ككيان جمهوري ديمقراطي علمانية، وتهدد بأن يُصبح هذا الكيان التركي عكس كل ما هو يتطلع إليه منذ تأسيسه، أي أن يغدو دولة مليئة بالصراعات الأهلية، التي لو اشتعلت لن توفر شيئاً قط، وذات نظام سياسي يجمع الشمولية بثيوقراطية مبطنة، تقابلها علمانية جوفاء، هي الخطاب التجيشي لكتلة سكانية مقابلة تلك الطامحة للحُكم الثيوقراطي. 

ستفعل المسألتان الكردية والعلوية ذلك في تركيا راهناً لأسباب حديثة الحضور وشديدة المباشرة، في تركيا والمحيط الإقليمي، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات.

يتعلق الأول بتصاعد قدرة المجتمعات المحلية على التجمهر والدفاع عن حقوقها المشروعة. هذا التصاعد الذي من الطبيعي أن يخلق حالات تمترس مقابلِة، قومية وطائفية، تميل غالباً للقيم اليمينية واستخدام العنف والمواجهة الميدانية، الأمر الذي يعني فعلياً زيادة وتيرة التفكك الوطني والقابلية لاشتعال البلاد في أي وقت.

فإذا كان في تركيا الراهنة أكثر من تيار ساسي، فإن أكثرها رجعية ومحافظة وتبنياً للقيم المناهضة للديمقراطية، هي نفسها التي تصر على عدم معالجة المسألتين الكردية والعلوية بطرائق أكثر حيوية وميلاً لمبادئ الاعتراف والمساواة، أي تلك المستفيدة من حالة التمترس المتوقعة خلال الأفق المنظور في الحياة التركية العامة. 

كذلك لأن الدولة فقدت اعتبارها الذي كان، فهي من طرف لم تعد قادرة على ممارسات أشكال الإبادة الجماعية التي كانت من قبل، مثلما فعلت بحق الأرمن قبل أكثر من قرن من الآن لتصفية قضيتهم. كذلك لأن القواعد الاجتماعية صارت أقل ولاء وارتباطاً بها، وأكثر تمركزاً حول مصالحها وشبكة مطالبها اليومية. 

هذان العاملان حاسمان في إمكانية تغيير هوية الدولة التركية، من كيان هوياتي عنيف، إلى دولة مؤسساتية تعاقدية، تؤسس العلاقة مع مجتمعاتها حسب هذا المنظور التعاقدي الحديث. وهي قيمة مضافة لا يمكن تكريسها دون إيجاد حلول ما لهاتين القضيتين. 

أخيراً، فإن المسألتين، الكردية والعلوية، لا يمكن تغليفهما وكأنهما مثل الأزمنة السابقة مجرد ملفين داخليين. فالأحداث طوال السنوات العشرة الأخيرة كشفت كيف أن المسائل القومية والطائفية والهوياتية صارت جوهراً تأسيسياً ومتدفقاً وعابراً لكل بلدان المنطقة. وبذلك، الدول الأكثر استقلالاً في مجالها الداخلي وفي علاقتها مع المحيط، هي الأكثر قدرة على علاج قضاياها هذه داخل بلدانها.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

A Moroccan protester lifts a placard in Arabic which reads "my body my freedom" during a demonstration in the city of Rabat on…

سناء العاجي - نحاول أن نتخيل أنفسنا أمام مجموعة من المدافعين عن الحداثة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والمساواة. بسبب مطلب معين تواجه به هذه المجموعة الدولة، سترفع شعار: "حجابي... عفتي".

لنحاول أن نتخيل أنفسنا على صفحة إحدى الشابات المنتميات لهذا التيار والمدافعات الشرسات عن المساواة وحقوق النساء، ونكتشف أنها كتبت في تعريف نفسها: "أميرة في بيت زوجي".

ببساطة، سنعتبر حينها أن هؤلاء الأشخاص لا يشبهون أنفسهم ولا الشعارات التي يدافعون عنها، وأنهم يستغلون هذه الشعارات أو القيم لأسباب أخرى، أو أنهم ربما مستعدون للتخلي عنها في أي مناسبة أتيحت لهم للتفاوض أو من أجل تحقيق مآرب أخرى.

هذا بالذات ما حدث مع عدد من التيارات المحافظة و/أو المناهضة لقيم الحريات الفردية، والتي تعتبر هذه الحريات فسادا وانحلالا... والتي خرجت فجأة، في المغرب، ترفع شعار "جسدي... حريتي".

لا تخافوا، هؤلاء لم يقتنعوا أخيرا بالحق في امتلاك الجسد كقيمة مطلقة. مشكلتهم فقط مع التلقيح ضد كوفيد 19. هذا التلقيح ذكّرهم، فجأة، بالحريات الفردية.

نحن هنا أمام مغالطة أولية تكذب في مفهوم الحرية الفردية نفسه. ببساطة، هذا المفهوم يتعلق باختيارات لا تمس أرنبة أنف الآخر. بمعنى أن الاختيارات الدينية والجنسية والعاطفية للفرد تدخل ضمن الحريات الفردية لأنها لا تؤثر على سلوك واختيارات الآخر. 

ببساطة، يمكنك ألا تصوم في رمضان، لكن هذا لن يفرض على جارك نفس الاختيار. هذا الجار سيستطيع أن يصوم ويصلي التراويح ويذهب فجرا للمسجد. يمكنك أن تمتنعي عن شرب المواد الكحولية، لكن الحريات الفردية ستضمن لزميلك أن يشربها، على ألّا يسبب أذى للآخرين عبر السياقة في حالة سكر مثلا. يمكنك أن تعيش اختياراتك الجنسية المثلية أو الغيرية بحرية، وبإمكان أختك أن تفعل نفس الشيء إذا كان ذلك قرارها (نعم نعم... لأن الحريات لا تتعلق بجسدك فقط بل بأجساد الجميع)، لكن ابن خالتك يستطيع أن يختار العكس وأن يقرر الامتناع عن كل علاقة جنسية خارج الزواج.

هذا هو مفهوم الحريات الفردية... وهو قطعا يتنافى مع موضوع التلقيح. لماذا؟ لأنك حين ترفض تلقيح نفسك، وتريد رغم ذلك أن تذهب للمسجد أو الكنيسة وللمستشفى ومكتب البريد والمقهى الذي يوجد قرب مقر عملك... فأنت تهدد حياة الآخرين الذي قد يهددون بدورهم حيوات غيرهم. 

الدراسات العلمية اليوم أثبت أن الأشخاص الملقحين قد يصابون بالفيروس (الرجاء، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، أن توصلا هذه المعلومة لجيرانكم وزملائكم وحارس الأمن وابنة خالة سائق سيارة الأجرة، الذين مازالوا يتساءلون باستنكار: "أعرف شخصا أخذ جرعتين من التلقيح لكنه أصيب بالفيروس"). لكن التلقيح يقلل من الأعراض الخطيرة ومن مدى قدرة الفيروس على الانتقال من شخص A إلى شخص B بالتالي، فرفض التلقيح ليس حرية شخصية بقدر ما هو اختيار لن يؤثر فقط على صحتك وحياتك، بل أيضا على حيوات الآخرين. فأين الحرية الفردية إذا؟ 

الحكومة الألمانية، مثلا، أعلنت مع بداية نوفمبر عن الارتفاع المهول لحالات الإصابات بين الأشخاص غير الملقحين: 20 ألف حالة جديدة خلال 24 ساعة مع ارتفاع الحالات التي تستدعي الانتقال للمستشفى بنسبة 40٪ و15٪ في الإنعاش. نفس الدراسة في ألمانيا أثبت أن 40٪ من الأشخاص البالغين من العمر 70 سنة وما فوق يفقدون مناعة اللقاح بعد مرور ستة أشهر على الجرعة الثانية، مما يستدعي بالفعل جرعة تذكير ثالثة لاستعادة المناعة التي يوفرها اللقاح.

باختصار، لنعد لتعريف الحرية الفردية: الأخيرة تعني أن تقوم باختيار شخصي لا يؤثر على اختيارات الآخرين. حين يختار شخص التلقيح، فهو يحمي نفسه ويحمي غيره. حين يختار نفس الشخص عدم التلقيح، فهو لا يختار لنفسه فقط، بل لكل من قد يصادفه في بيته أو في عمله أو في الشارع والفضاءات العامة. فأين الحرية الفردية هنا؟ 

ثم، صدقا، على من كانوا يعادون كل مطالب الحريات الفردية أن يخجلوا من أنفسهم قليلا وهم يرفعون اليوم شعارات: "جسدي... حريتي!".

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).