Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الملكة إليزابيث الثانية تصافح رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل
الملكة إليزابيث الثانية تصافح رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل

جويس كرم

رحلت ملكة بريطانيا العظمى إليزابيث الثانية مساء أمس تاركة وراءها فراغا مدويا على الساحتين العالمية والأوروبية، ولتطوي برحيلها صفحة قادة ساهموا بمواقفهم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم بخلق النظام العالمي الذي نعيشه حاليا وحماية أعمدة الاستقرار الدولي.

إليزابيث، الملقبة بليليبيت، رحلت عن عمر 96 عاما بعد أن كانت ولسبعة عقود أكثر من ملكة ورمزا للاستقرار والانضباط والهدوء في بريطانيا حتى في أحلك أزماتها. فمن أول خطاباتها الإذاعية في 1939 عشية اندلاع الحرب العالمية، طمأنت إليزابيث وهي في عمر 13 عاما، أطفال بريطانيا الذين تم إجلاؤهم وأسرهم من منازلهم بالقول "سيكون كل شيء جيدًا، لأن العناية الإلهية ستدركنا وتمنحنا النصر والسلام". 

وهكذا كان مع دحر النازية بعد الحرب العالمية الثانية، تبوأت إليزابيث العرش مع الموت المفاجئ لوالدها في 1952. 

ولو أن دور الملكة في بريطانيا هو رمزي وشرفي وغير معني بتغيير المسار السياسي الديموقراطي للبلاد، فإن إليزابيث وطوال سبعين عاما كان دورها حاضرا خلف الكواليس بتقديم المشورة لـ15 رئيس وزراء من وينستون تشيرشل إلى ليز تراس التي التقتها الملكة قبل يومين من وفاتها. 

وكان لإليزابيث مواقف صلبة وبراغماتية سياسيا حين اعترضت على قرار رئيس الوزراء، أنطوني إيدن، غزو السويس في 1956، وأيدت قرار مارغريت تاتشر في حرب الفوكلاند في 1982. 

رحيلها في وقت يعاني العالم من فراغ في الشخصيات القيادية فيه ألم أكبر على الواقع السياسي الدولي. فليس هناك تشرشل اليوم، ولا ثيودور روزفلت في الولايات المتحدة، فيما روسيا يحكمها عناد وطيش فلاديمير بوتين وأوروبا تتخبط على وقع حرب أوكرانيا والتضخم الاقتصادي. لا فرنسا ولا ألمانيا اليوم لديهما قادة قادرين على توحيد الخط السياسي للقارة أو النهوض برؤية دولية. 

أما بريطانيا ومع وصول تراس للسلطة فهي رهينة انقسام اجتماعي ومخاوف اقتصادية كبيرة تنذر بإضرابات ومرحلة صعبة لتراس حتى الانتخابات في 2024. نفس الشيء بالنسبة لأميركا، وتململ الناخب الأميركي من جو بايدن من دون وجود خيار عقلاني لدى الطرف الآخر. وفي آسيا، يأتي صعود الصين بمعطيات تتحدى القوانين العالمية التجارية والخارجية بأخرى تبيح القرصنة وسرقة المعلومات من دون رادع أو محاسبة. 

وفي الشرق الأوسط، هناك حارة "كل من يده له" وسط صعود المافياوات في الشرق الأدنى أي العراق وسوريا ولبنان، انكماش الأردن، انقسامات في إيران وقلق في الخليج. 

كل ذلك يزيد من الفراغ الذي ستتركه إليزابيث كرمز للاستقرار العالمي وللثبات السياسي في وقت تتأرجح فيه الأنظمة. هذا الفراغ من غير الممكن أن يملأه ابنها تشارلز الذي سيتولى العرش، وبسبب صورته المنبوذة من الكثيرين بسبب الفضائح العائلية التي عاصرها مع الأميرة الراحلة ديانا ومعها ابنه الأصغر هاري. 

إليزابيث التي جلست على العرش لأطول مدة في بريطانيا وشهدت انحسار قوة الإمبراطورية السابقة، سيذكرها التاريخ لصلابتها وهدوئها وبراغماتيتها في شؤون السياسة والعائلة وهي أوصاف سيفتقدها باكينغهام والعالم بالنظر إلى عشوائية وضعف القيادات الدولية.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"
"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"

عمران سلمان

يعتبر نموذجا فيتنام والجزائر مادة خصبة للمقارنة والدراسة وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه الكثيرة بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات.

فكلا البلدين كان ينتمي للكتلة الاشتراكية وخاضا نزاعين كبيرين ومدمرين تقريبا في نفس الفترة (الحرب الفيتنامية الأميركية وحرب الاستقلال الجزائرية من فرنسا) وتكبدا خسائر هائلة في الأرواح (أكثر من مليون ونصف المليون قتيل)، ويعتبر البلدان حديثي النشأة وكان ينظر إليهما بوصفهما رمزين لحركات التحرر الوطني في العالم، ومع ذلك فبعد قرابة خمسة عقود من انتهاء النزاعين، تبدو الحصيلة مختلفة تماما.

فالجزائر بقيت تراوح في مكانها وهي تعتبر دولة فقيرة نسبيا وتعتمد أساسا على النفط وتعيش تحت رحمة أسعاره المتقلبة، ولديها واحد من أسوأ النماذج الاقتصادية، فيما فيتنام تبرز كدولة صاعدة اقتصاديا مع واحد من أسرع معدلات النمو في العالم، وقد ساعدتها سياسات الانفتاح الاقتصادي على جذب الاستثمارات الخارجية وانتقال العديد من الشركات الأميركية الكبرى إليها.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2021 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لفيتنام حوالي 366 مليار دولار بينما بلغ إجمالي الناتج المحلي للجزائر حوالي 163 مليار دولار.

ترى ما السبب في ذلك؟ لماذا تمكنت فيتنام من التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة وفي طريقها كي تصبح نمرا آسيويا، بينما تعثرت التنمية في الجزائر وبات أكثر من نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر؟

بالطبع توجد اختلافات بين البلدين سواء من ناحية الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وعدد السكان.. إلخ، وهذا كان يفترض أن يرجح كفة الجزائر وليس فيتنام.

الإجابة هي الاختلاف في رد الفعل على التحدي الذي واجهته فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وذاك الذي أبدته الجزائر بعد الحرب مع فرنسا.

كان يمكن لفيتنام أن تظل حبيسة ظروف تلك الحرب ومواصلة لعب دور الضحية واعتبار نفسها رأس حربة في العداء للولايات المتحدة والإمبريالية والاستعمار والرأسمالية.. إلخ، ومواصلة حشو أدمغة طلابها وشبابها بالشعارات الخاوية واجترار الماضي والعيش على بطولاته!

لكن الفيتناميين كانوا أذكى من ذلك، وقد أظهروا حكمة كبيرة جعلتهم يتفادون الوقوع في شباك "الفخاخ الثورية"، حيث رفضوا السير في ذلك الطريق المظلم (طريق الخلف در) وفضلوا أن يتبعوا نماذج ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، التي مرت هي الأخرى بظروف مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابتها متقاربة.

ما هو هذا النموذج؟

ترك الماضي للماضي والتصالح التاريخي مع الولايات المتحدة وبناء علاقات وثيقة وشراكة معها والاستفادة القصوى من نموذجها في الاقتصاد والسياسة والحداثة وما تتمتع به من إمكانيات هائلة في جميع المجالات.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذته فيتنام مهد الطريق لقرار تاريخي أميركي بالتطبيع الشامل للعلاقات بين البلدين، في عام 1995، ورفع العقوبات عن فيتنام التي دامت 20 عاما.

وفي عام 1997، تم تبادل السفراء وقام الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، بزيارة فيتنام، عام 2000، كأول رئيس أميركي يقوم بذلك منذ انتهاء الحرب.

ووقعت هانوي وواشنطن اتفاقية تجارية ثنائية في نفس العام سمحت لفيتنام بدخول السوق الأميركي مع تخفيض نسب كبيرة من التعريفات الجمركية. ثم ساهمت واشنطن في تسهيل دخول فيتنام منظمة التجارة العالمية عام 2007، وهو ما أتاح لها الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومع اطراد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، شهدت العلاقات السياسية أيضا تطورا لافتا مع قيام زعماء البلدين بتبادل الزيارات خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2015، قام رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي بزيارة إلى واشنطن اعتبرت "تاريخية"، فيما زار كل من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب فيتنام عامي 2016 و2017 على التوالي.

وتنظر غالبية الشعب الفيتنامي اليوم إيجابيا إلى كل ما يتعلق بأميركا والغرب عموما، إذ يشير استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث عام 2017 إلى أن 76 في المئة من الفيتناميين لهم رأي إيجابي في الولايات المتحدة، وارتفعت النسبة إلى 87 في المئة بين الشباب الفيتنامي من 18 إلى 29 عاما.

ويعتبر الطلاب الفيتناميون سادس أكبر مجموعة من الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك، بقيت الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط، وليس هناك أدل من ذلك مما جاء في استطلاع للرأي أجراه البارومتر العربي (2019) حيث أبدى قلة من الجزائريين رغبتهم في إقامة علاقات اقتصادية أقوى بين بلادهم والولايات المتحدة.

وبلغت هذه النسبة 24 في المئة فقط، بينما سجلت تأييدا بحوالي 50 في المئة لصالح العلاقات مع تركيا و36 في المئة مع الصين و35 في المئة مع روسيا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).