Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تتوقع الجزائر أن يكون حضور القادة العرب إلى القمة تاريخيا
تتوقع الجزائر أن يكون حضور القادة العرب إلى القمة تاريخيا

عبد الرحيم التوراني

وأخيرا تم تحديد تاريخ وشيك ونهائي لانعقاد القمة العربية المقبلة في الجزائر، بعد أن طال تأجيلها مرات لأسباب مختلفة، منها كورونا. 

لم يعد خبر انعقاد القمة العربية كما كان، موضوعا مهما يستأثر باهتمام ومتابعة الرأي العام العربي، فما بالك بالأجنبي. خصوصا بعد غياب من كان يطلق عليهم لقب "القادة العرب الكبار"، ففد غاب كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات، وصدام حسين وحافظ الأسد،  ومعمر القدافي وهواري بومدين والحسن الثاني، والحبيب بورقيبة والملك فيصل بن عبد العزيز، وغيرهم من الأقطاب المتناحرين الذين كانوا يتجاذبون الصف العربي بين الشرق والغرب، في ظل مناخ استقطابات حادة. كان الزمن زمن "الحرب الباردة" بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. 

تراجعت "لاءات" الخرطوم الثلاثة (1967) ولانت صلابتها، صارت منزلقة كالرغوة تحت اللسان.. "نعم" و"نَعَمَيْن" وثلاثة "يا باشا ويا بيه ويا مولاي"...، والسير اليوم حثيث وجاد للوصول التطبيع مع إسرائيل صوب رقم "إجماع" قياسي لأعضاء الجامعة العربية، ما دام العجز يحول على الدوام دون صناعة "رقم عربي صعب" في المعترك الدولي، بالرغم من أن اختراع الأرقام مسجل حضاريا باسم العرب، فلماذا التورط في المأزق الصعب وفي أخطار المستحيل والمحال، ما دام بالإمكان تحقيق السهل والأسهل منه بكل ليونة ويسر؟!  

وهذا سر انتشار التنكيت والنوادر الساخرة من القمة العربية بين الشعوب العربية، على مواقع التواصل الاجتماعي، لعل أشهرها: "اللهم أزح هذه الغمة (القمة) عن هذه الأمة"، وقصيدة الهجاء المشهورة للشاعر العراقي الراحل مظفر النواب: "قمم.. قمم..". 

*** 
منذ عقود ليست باليسيرة، انكشف تصدع النظام العربي واتسعت شروخه إلى درجة المأساة، ليستوي على حافة الانكسار وشفير الهاوية، للسقوط الحر في مطب التبعية الكاملة للخارج.. وما من مهرب من واقع التردي وحقيقة الانهيار.. وقد جاء من تولى التنبيه إلى أن تسويق أطروحة المفكر الأمريكي- الياباني فرنسيسكو فوكوياما، المنذرة بـ"نهاية العالم والإنسان الأخير"، هي في حقيقة مضمونها لا تعني أكثر مما تعنيه سوى "التاريخ العربي"، وما "التطبيع" العربي مع إسرائيل إلا من علامات الهزيمة العربية الكبرى. وقد توصل حكام العرب إلى أنه لا مجال لاسترجاع الروح ومقومات الوجود إلى عروشهم، إلا بنبذ "أوهام" الحرية والكرامة والصمود والتصدي، وبوضع "اليد" في المستقبل. وما دام المستقبل اليوم بيد المنتصرين، فما المانع يا ترى!؟ كيف لا وقد آل الصراع إلى عجز واضح في غلب الأعداء وإقصائهم من الخريطة باسترجاع الحق العربي الضائع. وبعدما لم يمتثلوا لنداء "احملوا أسماءكم وانصرفوا"، كما طالبهم ذات مرة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، حين خاطبهم بـ "المارون بين الكلمات العابرة"، وأوصاهم بأن يموتوا "أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا".. فإذا بالعرب هم العابرون الغابرون تحت أساطيرهم الغابرة، وهم من يموتون يوميا رغما عن مشيئتهم تحت قصف الاستبداد والقهر والاستغلال، ويقدمون قرابينَ لصراعات الأنظمة وأحقادها الدائمة. 

لكن، دعونا من أمثلة التاريخ وكفاح الشعوب في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أو في الجزائر نفسها، محتضنة القمة العربية المقبلة، والتي اختارت لالتئام القمة فوق أرضها تاريخ "الفاتح من نوفمبر"، وهو اليوم المصادف لذكرى انطلاقة الثورة الجزائرية عام 1954 ضد المستعمر الفرنسي. فيكفينا من العبر الاحتفال بالمناسبات التاريخية بدل التطلع للتمثل بملاحم البطولات الخالدة وبأمجادها.  

وقد أفقنا على أن لافتات "الأمة الواحدة" وشعارات "التاريخ واللغة والدين، ووحدة المصير المشترك"، أو مقولة "الجسَد الواحد الذي إذا اشتكَى منه عضوٌ تدَاعَى له سائِر الجسَد بالسَّهر والْحُمَّى"، مع شعار "لمّ الشمل العربي"، وتصريحات "الرقي بالعمل العربي المشترك"... ليست سوى سراب خادع في صحراء مقفرة، ذئابها أجوع من ذئاب الشنفرى ورفاقه صعاليك العرب. عناوين مضللة لحكايات من نسج الخيال، وأوهام ليست متاحة واقعيا إلا على صفحات الأسفار القديمة. 

 فبالرغم من وجود الدول العربية على نفس الأرض والخريطة والموقع، فإنها تعيش في عزلة وحصار ونزاعات حدودية وغير حدودية دائمة بينها، بل إنها في حروب بينية مستمرة، لا تكاد تنتهي وتخمد حتى تشتعل نيرانها من جديد. 

في ظل هذه الأجواء، التي تضاف إليها الحرب الروسية في أوكرانيا، تنعقد القمة العربية المقبلة في الجزائر، المؤجلة من 2020، في خضم خلافات وقضايا تنوء بحملها الجبال كما يقولون، من بينها التطبيع مع إسرائيل والموقف من القضية الفلسطينية، والخلاف المصري- الجزائري المتصل بعلاقات الجزائر مع إثيوبيا وسد النهضة، وانزعاج بعض دول الخليج من الموقف الجزائري من إيران، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، والأزمة الليبية. خلافات متناسلة تخترق الخريطة العربية وتصب فوق نارها مزيدا من الزيت، حيث يتصاعد الصدام بين مجموع الدول العربية تقريبا، من اليمن والسعودية، وسوريا والعراق ولبنان، ومصر والجزائر، إلى ليبيا والجزائر وتونس، إلى النزاع الحاصل بين الجزائر والمغرب منذ قرابة نصف قرن بسبب قضية "الصحراء الغربية"، وقد "تكلل" قبل عام بقطع للعلاقات الدبلوماسية بين الجارين الشقيقين، أعقبها غلق المجال الجوي بين البلدين، مع استمرار إغلاق الحدود البرية منذ حوالي عقود ثلاثة. 

بخصوص الأزمة التونسية المغربية، تتبعنا كيف عمل الرئيس التونسي قيس سعيّد على الانتقال ببلده من مربع "الحياد الإيجابي" في قضية الصحراء الغربية، إلى دائرة النزاع والخلاف مع المغرب، لتتحقق بذلك رؤية المفكر عبد الله العروي، حين وصف المغرب بـ"الجزيرة"، جوابا على سؤال صحفي في مستهل الألفية الحالية، قال فيه إن المغرب "يواجه ضغوطًا فريدة من جيرانه المباشرين، إسبانيا والجزائر وموريتانيا، مما يجعله فعليًا جزيرة محاطة بمياه موبوءة بأسماك القرش". مضيفا أن "المغرب جزيرة مطوقة لا يسمح للروح بداخلها أن تخاطر بعدم الاستقرار". 

لعل هذه المقاربة من المفكر عبد الله العروي، أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع منها إلى التشبيه والمثال المجرد، بعد اعتبار الرباط أن تونس انصاعت لصف المناوئين للوحدة الترابية المغربية. هذا إذا علمنا أن موقف الجارة الجنوبية للمغرب، أي موريتانيا، تعترف بالجمهورية الصحراوية. يضاف إلى هذا أن بين الفرقاء الأساسيين في الصراع المسلح الدائر حاليا في ليبيا، هناك من ينزعون نفس الاتجاه والموقف الجزائري المناوئ للمغرب. هذا التوتّر المغاربي المتجدد يزيد من أسقام الوضع العربي، وأصبح ما يسمى بـ"الاتحاد المغاربي"، (ومقره بالمناسبة في العاصمة الرباط)، ليس فقط جثة هامدة، بل إنها تتطلب التعجيل بدفنها إكراما لما حمله صاحبها الميت من معان ومُثُل وقيم نبيلة قيد حياته. 

كل هذا يغذي دعوات بعض المطبعين في المغرب، على محدودية عددهم، فالنسبة الأعظم من الشعب المغربي مناهضة للتطبيع، (84%) حسب استطلاعات الرأي لمؤسسات أوروبية وأمريكية! 

لقد أصبحنا أمام "توافق" مغاربي بعنوان: (خمسة ناقص واحد، أي المغرب)، على خلفية "استنبات الرباط للسرطان الصهيوني داخل المنطقة، وتهديد الأمن الاستراتيجي للمغاربي"، حسب أستاذ جامعي جزائري. في الوقت الذي ما تفتأ فيه الرباط وفق زعمها الانغمار في السعي بشكل فعال من أجل "ترسيخ الاستقرار الإقليمي، والعمل كحلقة وصل نموذجية بين إفريقيا والعالم العربي والغرب، والمحافظة على الحق الفلسطيني".  

من هنا صعوبة تحقيق الوحدة المغاربية، أما الوحدة العربية فـ"دونها خرط القتاد" كما قال قدماء العرب. في غياب الإرادة السياسية، وعدم نبذ الخلافات العربية - العربية والصراعات البينية العبثية، وعدم البحث عن المصالح المشتركة القائمة على الجوار الحسن والاحترام المتبادل، وفي ظل انتفاء السعي الحقيقي نحو التكامل الاقتصادي والوحدة الاقتصادية، مع غياب تشخيص العلل والأمراض التي ما من علاج لها ولا سبيل غير دمقرطة المجتمعات العربية، حيث الديمقراطية الغائب الأكبر لدى كل الأنظمة العربية من الخليج إلى المحيط. لذلك ستظل المنطقة في خلاف مع الموعد التاريخي لتحقيق مطامح الشعوب وأهدافها المأمولة. 

لكن ما معنى لقاء قادة أنظمة مدثرين بالخلافات، ومسربلين بالنزاعات المتأججة بينهم من الرأس حتى أخمص القدم، وكيف يجرؤون ادعاء البحث عن مخارج وحلول للمشاكل والأزمات عبر هيأة وآليات هي نفسها معطوبة، فلن يخرج من الأعطاب غير أعطاب أكبر. فسواء انعقدت القمة أم لم تنعقد، فلن ينتظر من قراراتها خيرا أو أية جدوى، كما عهدت ذلك الأجيال المتعاقبة. 

 سيلتقي الملوك والأمراء والرؤساء ووزراء الخارجية العرب، ويلتقطون الصورة العائلية واقفين مبتسمين، علما أن من بينهم من يسعى أصلا إلى إفشال القمة وتعطيلها قبل بدئها. ولن تدخل الكاميرات لنقل جلسات تناحرهم المغلقة وتراشقهم بالاتهامات، وسوف يختتمون قمتهم "المظفرة" ببيان "تاريخي" مدبج بالألفاظ الإنشائية الجاهزة، نفس الألفاظ والعبارات المنمقة التي ألفتها أجيال تلو أجيال من سنين، عند اختتام القمم السابقة، ليعودوا إلى تبديد ثروات شعوبهم في شراء الأسلحة والاستقواء بالقوى العظمى والتناحر والدسائس بينهم، وإلى قمع الناس والانبطاح للقوى الخارجية المعلومة. ولعمري هذا هو العمل المشترك الحقيقي والوحيد الذي يفلحون في ترجمته على أرض الواقع، الذي ينأى عن الشعار الذي اعتمدته الجامعة العربية يوم ميلادها، الآية: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". إنهم لم يفهموا من الآية سوى كلمة "الحبل"، يكبلون به شعوبهم ويشدون به أحزمة البؤساء، ويلفونه حول الأعناق، أعناق الملايين من المواطنين والرعايا المنكوبين لكونهم ينتسبون إلى "أرض السواد" وقد امتدت حتى الهلاك ما بين المحيط والخليج.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).