Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تتوقع الجزائر أن يكون حضور القادة العرب إلى القمة تاريخيا
تتوقع الجزائر أن يكون حضور القادة العرب إلى القمة تاريخيا

عبد الرحيم التوراني

وأخيرا تم تحديد تاريخ وشيك ونهائي لانعقاد القمة العربية المقبلة في الجزائر، بعد أن طال تأجيلها مرات لأسباب مختلفة، منها كورونا. 

لم يعد خبر انعقاد القمة العربية كما كان، موضوعا مهما يستأثر باهتمام ومتابعة الرأي العام العربي، فما بالك بالأجنبي. خصوصا بعد غياب من كان يطلق عليهم لقب "القادة العرب الكبار"، ففد غاب كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات، وصدام حسين وحافظ الأسد،  ومعمر القدافي وهواري بومدين والحسن الثاني، والحبيب بورقيبة والملك فيصل بن عبد العزيز، وغيرهم من الأقطاب المتناحرين الذين كانوا يتجاذبون الصف العربي بين الشرق والغرب، في ظل مناخ استقطابات حادة. كان الزمن زمن "الحرب الباردة" بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. 

تراجعت "لاءات" الخرطوم الثلاثة (1967) ولانت صلابتها، صارت منزلقة كالرغوة تحت اللسان.. "نعم" و"نَعَمَيْن" وثلاثة "يا باشا ويا بيه ويا مولاي"...، والسير اليوم حثيث وجاد للوصول التطبيع مع إسرائيل صوب رقم "إجماع" قياسي لأعضاء الجامعة العربية، ما دام العجز يحول على الدوام دون صناعة "رقم عربي صعب" في المعترك الدولي، بالرغم من أن اختراع الأرقام مسجل حضاريا باسم العرب، فلماذا التورط في المأزق الصعب وفي أخطار المستحيل والمحال، ما دام بالإمكان تحقيق السهل والأسهل منه بكل ليونة ويسر؟!  

وهذا سر انتشار التنكيت والنوادر الساخرة من القمة العربية بين الشعوب العربية، على مواقع التواصل الاجتماعي، لعل أشهرها: "اللهم أزح هذه الغمة (القمة) عن هذه الأمة"، وقصيدة الهجاء المشهورة للشاعر العراقي الراحل مظفر النواب: "قمم.. قمم..". 

*** 
منذ عقود ليست باليسيرة، انكشف تصدع النظام العربي واتسعت شروخه إلى درجة المأساة، ليستوي على حافة الانكسار وشفير الهاوية، للسقوط الحر في مطب التبعية الكاملة للخارج.. وما من مهرب من واقع التردي وحقيقة الانهيار.. وقد جاء من تولى التنبيه إلى أن تسويق أطروحة المفكر الأمريكي- الياباني فرنسيسكو فوكوياما، المنذرة بـ"نهاية العالم والإنسان الأخير"، هي في حقيقة مضمونها لا تعني أكثر مما تعنيه سوى "التاريخ العربي"، وما "التطبيع" العربي مع إسرائيل إلا من علامات الهزيمة العربية الكبرى. وقد توصل حكام العرب إلى أنه لا مجال لاسترجاع الروح ومقومات الوجود إلى عروشهم، إلا بنبذ "أوهام" الحرية والكرامة والصمود والتصدي، وبوضع "اليد" في المستقبل. وما دام المستقبل اليوم بيد المنتصرين، فما المانع يا ترى!؟ كيف لا وقد آل الصراع إلى عجز واضح في غلب الأعداء وإقصائهم من الخريطة باسترجاع الحق العربي الضائع. وبعدما لم يمتثلوا لنداء "احملوا أسماءكم وانصرفوا"، كما طالبهم ذات مرة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، حين خاطبهم بـ "المارون بين الكلمات العابرة"، وأوصاهم بأن يموتوا "أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا".. فإذا بالعرب هم العابرون الغابرون تحت أساطيرهم الغابرة، وهم من يموتون يوميا رغما عن مشيئتهم تحت قصف الاستبداد والقهر والاستغلال، ويقدمون قرابينَ لصراعات الأنظمة وأحقادها الدائمة. 

لكن، دعونا من أمثلة التاريخ وكفاح الشعوب في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أو في الجزائر نفسها، محتضنة القمة العربية المقبلة، والتي اختارت لالتئام القمة فوق أرضها تاريخ "الفاتح من نوفمبر"، وهو اليوم المصادف لذكرى انطلاقة الثورة الجزائرية عام 1954 ضد المستعمر الفرنسي. فيكفينا من العبر الاحتفال بالمناسبات التاريخية بدل التطلع للتمثل بملاحم البطولات الخالدة وبأمجادها.  

وقد أفقنا على أن لافتات "الأمة الواحدة" وشعارات "التاريخ واللغة والدين، ووحدة المصير المشترك"، أو مقولة "الجسَد الواحد الذي إذا اشتكَى منه عضوٌ تدَاعَى له سائِر الجسَد بالسَّهر والْحُمَّى"، مع شعار "لمّ الشمل العربي"، وتصريحات "الرقي بالعمل العربي المشترك"... ليست سوى سراب خادع في صحراء مقفرة، ذئابها أجوع من ذئاب الشنفرى ورفاقه صعاليك العرب. عناوين مضللة لحكايات من نسج الخيال، وأوهام ليست متاحة واقعيا إلا على صفحات الأسفار القديمة. 

 فبالرغم من وجود الدول العربية على نفس الأرض والخريطة والموقع، فإنها تعيش في عزلة وحصار ونزاعات حدودية وغير حدودية دائمة بينها، بل إنها في حروب بينية مستمرة، لا تكاد تنتهي وتخمد حتى تشتعل نيرانها من جديد. 

في ظل هذه الأجواء، التي تضاف إليها الحرب الروسية في أوكرانيا، تنعقد القمة العربية المقبلة في الجزائر، المؤجلة من 2020، في خضم خلافات وقضايا تنوء بحملها الجبال كما يقولون، من بينها التطبيع مع إسرائيل والموقف من القضية الفلسطينية، والخلاف المصري- الجزائري المتصل بعلاقات الجزائر مع إثيوبيا وسد النهضة، وانزعاج بعض دول الخليج من الموقف الجزائري من إيران، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، والأزمة الليبية. خلافات متناسلة تخترق الخريطة العربية وتصب فوق نارها مزيدا من الزيت، حيث يتصاعد الصدام بين مجموع الدول العربية تقريبا، من اليمن والسعودية، وسوريا والعراق ولبنان، ومصر والجزائر، إلى ليبيا والجزائر وتونس، إلى النزاع الحاصل بين الجزائر والمغرب منذ قرابة نصف قرن بسبب قضية "الصحراء الغربية"، وقد "تكلل" قبل عام بقطع للعلاقات الدبلوماسية بين الجارين الشقيقين، أعقبها غلق المجال الجوي بين البلدين، مع استمرار إغلاق الحدود البرية منذ حوالي عقود ثلاثة. 

بخصوص الأزمة التونسية المغربية، تتبعنا كيف عمل الرئيس التونسي قيس سعيّد على الانتقال ببلده من مربع "الحياد الإيجابي" في قضية الصحراء الغربية، إلى دائرة النزاع والخلاف مع المغرب، لتتحقق بذلك رؤية المفكر عبد الله العروي، حين وصف المغرب بـ"الجزيرة"، جوابا على سؤال صحفي في مستهل الألفية الحالية، قال فيه إن المغرب "يواجه ضغوطًا فريدة من جيرانه المباشرين، إسبانيا والجزائر وموريتانيا، مما يجعله فعليًا جزيرة محاطة بمياه موبوءة بأسماك القرش". مضيفا أن "المغرب جزيرة مطوقة لا يسمح للروح بداخلها أن تخاطر بعدم الاستقرار". 

لعل هذه المقاربة من المفكر عبد الله العروي، أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع منها إلى التشبيه والمثال المجرد، بعد اعتبار الرباط أن تونس انصاعت لصف المناوئين للوحدة الترابية المغربية. هذا إذا علمنا أن موقف الجارة الجنوبية للمغرب، أي موريتانيا، تعترف بالجمهورية الصحراوية. يضاف إلى هذا أن بين الفرقاء الأساسيين في الصراع المسلح الدائر حاليا في ليبيا، هناك من ينزعون نفس الاتجاه والموقف الجزائري المناوئ للمغرب. هذا التوتّر المغاربي المتجدد يزيد من أسقام الوضع العربي، وأصبح ما يسمى بـ"الاتحاد المغاربي"، (ومقره بالمناسبة في العاصمة الرباط)، ليس فقط جثة هامدة، بل إنها تتطلب التعجيل بدفنها إكراما لما حمله صاحبها الميت من معان ومُثُل وقيم نبيلة قيد حياته. 

كل هذا يغذي دعوات بعض المطبعين في المغرب، على محدودية عددهم، فالنسبة الأعظم من الشعب المغربي مناهضة للتطبيع، (84%) حسب استطلاعات الرأي لمؤسسات أوروبية وأمريكية! 

لقد أصبحنا أمام "توافق" مغاربي بعنوان: (خمسة ناقص واحد، أي المغرب)، على خلفية "استنبات الرباط للسرطان الصهيوني داخل المنطقة، وتهديد الأمن الاستراتيجي للمغاربي"، حسب أستاذ جامعي جزائري. في الوقت الذي ما تفتأ فيه الرباط وفق زعمها الانغمار في السعي بشكل فعال من أجل "ترسيخ الاستقرار الإقليمي، والعمل كحلقة وصل نموذجية بين إفريقيا والعالم العربي والغرب، والمحافظة على الحق الفلسطيني".  

من هنا صعوبة تحقيق الوحدة المغاربية، أما الوحدة العربية فـ"دونها خرط القتاد" كما قال قدماء العرب. في غياب الإرادة السياسية، وعدم نبذ الخلافات العربية - العربية والصراعات البينية العبثية، وعدم البحث عن المصالح المشتركة القائمة على الجوار الحسن والاحترام المتبادل، وفي ظل انتفاء السعي الحقيقي نحو التكامل الاقتصادي والوحدة الاقتصادية، مع غياب تشخيص العلل والأمراض التي ما من علاج لها ولا سبيل غير دمقرطة المجتمعات العربية، حيث الديمقراطية الغائب الأكبر لدى كل الأنظمة العربية من الخليج إلى المحيط. لذلك ستظل المنطقة في خلاف مع الموعد التاريخي لتحقيق مطامح الشعوب وأهدافها المأمولة. 

لكن ما معنى لقاء قادة أنظمة مدثرين بالخلافات، ومسربلين بالنزاعات المتأججة بينهم من الرأس حتى أخمص القدم، وكيف يجرؤون ادعاء البحث عن مخارج وحلول للمشاكل والأزمات عبر هيأة وآليات هي نفسها معطوبة، فلن يخرج من الأعطاب غير أعطاب أكبر. فسواء انعقدت القمة أم لم تنعقد، فلن ينتظر من قراراتها خيرا أو أية جدوى، كما عهدت ذلك الأجيال المتعاقبة. 

 سيلتقي الملوك والأمراء والرؤساء ووزراء الخارجية العرب، ويلتقطون الصورة العائلية واقفين مبتسمين، علما أن من بينهم من يسعى أصلا إلى إفشال القمة وتعطيلها قبل بدئها. ولن تدخل الكاميرات لنقل جلسات تناحرهم المغلقة وتراشقهم بالاتهامات، وسوف يختتمون قمتهم "المظفرة" ببيان "تاريخي" مدبج بالألفاظ الإنشائية الجاهزة، نفس الألفاظ والعبارات المنمقة التي ألفتها أجيال تلو أجيال من سنين، عند اختتام القمم السابقة، ليعودوا إلى تبديد ثروات شعوبهم في شراء الأسلحة والاستقواء بالقوى العظمى والتناحر والدسائس بينهم، وإلى قمع الناس والانبطاح للقوى الخارجية المعلومة. ولعمري هذا هو العمل المشترك الحقيقي والوحيد الذي يفلحون في ترجمته على أرض الواقع، الذي ينأى عن الشعار الذي اعتمدته الجامعة العربية يوم ميلادها، الآية: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". إنهم لم يفهموا من الآية سوى كلمة "الحبل"، يكبلون به شعوبهم ويشدون به أحزمة البؤساء، ويلفونه حول الأعناق، أعناق الملايين من المواطنين والرعايا المنكوبين لكونهم ينتسبون إلى "أرض السواد" وقد امتدت حتى الهلاك ما بين المحيط والخليج.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس
عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس

نضال منصور

انتهى المونديال في قطر بصورة تاريخية لميسي يرتدي "البشت" العربي حاملاً كأس العالم بعد فوز الأرجنتين على فرنسا في المباراة النهائية، وهي الصورة التي أثارت جدلاً ولغطاً، وستظل مخلدة على مر العقود. 

انتهى المونديال، وتساءلت وكثيرون غيري فعلوا؛ ماذا سنفعل بعد أسابيع من الشغف والتوتر والانفعال؟ ولم أكن أعلم أن هناك ما يسمى "اكتئاب ما بعد المونديال"، أو "متلازمة ما بعد المونديال"، وعكفت مؤسسات صحية عالمية على دراسة هذه الظاهرة التي تصاحب العديد من الناس بعد انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، والحالة الشعورية التي تسيطر، وتطغى عليهم حين يعودون إلى رتابة الحياة اليومية، ويفقدوا متعة التشجيع التي تتيح لهم مساحات للتنفيس، وتفريغ شحنات الإحباط المتراكم الذي يعيشونه. 

بشهادات دولية، فإن نسخة مونديال قطر لن تتكرر، وباستفتاء لشبكة "بي بي سي"، فإن بطولة كأس العالم في الدوحة أفضل نسخة للمونديال في القرن الحادي والعشرين، مقارنة بمونديالات كوريا/ اليابان 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، برازيل 2014، وروسيا 2018، وصوّت 78 بالمئة من المشاركين في الاستفتاء لصالح مونديال قطر.

وعدا عن التكنولوجيا المبهرة التي استخدمت في حفلتي الافتتاح والختام، وفي الملاعب خلال المباريات، فإنه للمرة الأولى يتمكن المشجعون من مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بسبب قرب الملاعب، وتوفر المواصلات العامة المجانية، ويقول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، جياني إنفانتينو، إن "البطولة جمعت الكل، ولأول مرة في التاريخ تواجدت جماهير كل الفرق في مدينة واحدة".  

في المونديال رابحون وخاسرون، والرابح الأول في الملعب كان المنتخب الأرجنتيني الذي حصد كأس العالم بعد سنوات طويلة، وأعاد الكأس إلى أميركا الجنوبية، وانتزعها من القارة الأوروبية بعد هزيمته لمنتخب الديوك الفرنسي في ضربات الجزاء، والأهم في الفوز الأرجنتيني أن ميسي توّج ملكا دون منازع، واستطاع أن يحصد في حياته الكروية كل الألقاب التي تخلده بالتاريخ، ومثلما كانت الأرجنتين تتغنى باللاعب الأسطورة، مارادونا، الذي توّجهم بآخر مونديال، فإن الجماهير في بيونس آيرس خرجت إلى الشوارع لتشكر ميسي الذي أحيى فيهم الأمل بعد أعوام عجاف. 

زاد ميسي من رصيده عالمياً قبل أن يعتزل الملاعب، وفرحته الغامرة تقابلها دموع كريستيانو رونالدو الذي ودع منتخب بلاده البرتغال البطولة مبكراً بعد هزيمة مذلة أمام المنتخب المغربي، وبقائه في أكثر المباريات على دكة اللاعبين الاحتياطيين. 

الرابح الأهم بعد الأرجنتين كانت قطر التي انتزعت إعجاب العالم، ورسخت حضورها دولياً، وصنعت معجزة في التفاصيل الكثيرة للمونديال بعد أن ظلت لأكثر من عقد من الزمن تحت مطرقة النقد، والتشكيك بقدرتها على استضافة هذه التظاهرة الكونية التي تستقطب اهتمام المليارات من البشر على هذا الكوكب. 

قطر لم يكسب فريقها، وخرج مبكرا، ولكنها ربحت في رهانات التنظيم، ولم تشهد الملاعب، أو مناطق المشجعين شغبا، أو اعتداءات مثلما كان يتكرر في البطولات، واعتبرت البطولة نموذجا خاليا من شكاوى التحرش الجنسي. 

قبيل البطولة شنّت العديد من الدول الأوروبية حملة منظمة على قطر، استخدم ملف العمالة، والانتهاكات الحقوقية للعمال الذين نفذوا مشاريع كأس العالم بيدقا للنيل منها، ورغم إحراز الدوحة لنجاحات في تحسين بيئة العمل بشهادة منظمة العمل الدولية، لكن هذا لم يشفع لها للحد من حملة اتسمت في بعض جوانبها بالعنصرية والشوفينية والعدائية. 

حاولت الدول الغربية فرض أجندتها ومعاييرها الحقوقية والأخلاقية، واعتبرت قضية المثلية الجنسية أولوية تستحق أن تُخاض من أجلها حرب لا هوادة فيها، دون مراعاة للخصوصيات القيمية للمجتمعات الأخرى، وحصدت بسبب هذه التوجهات عزلة، ورفضا مجتمعيا عربيا، وربما مشاعر الشماتة التي رافقت خروج المنتخبات الأوروبية العريقة، مثل: ألمانيا، وإسبانيا، وإنكلترا كانت مؤشرا على فقدان التعاطف معها. 

شعر العرب بالفخر وهم يرون المُنجز القطري يتحقق في المونديال، وتعرفوا بشكل جلي على النظرة الاستعلائية الغربية، وعقدة التفوق الأوروبي التي ترى أن الحضارة دونهم خراب. 

أبرز الرابحون في المونديال المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع النهائي، وأخرج منتخبات مهمة، مثل: إسبانيا والبرتغال وظلمه التحكيم، ولولا ذلك لكانت الفرصة أن يُشاهد منتخب عربي في نهائي كأس العالم. 

حظي المنتخب المغربي باهتمام منقطع النظير بعد خروج المنتخبات العربية، وبعد أداء لافت وروح قتالية في الملاعب، أصبح نجومهم حديث الناس وترسخت في وجدان الجماهير العربية احتفاء اللاعبين وتكريمهم لأمهاتهم، والحقيقة أن المغرب أدخل البهجة للملايين الذين يتوقون لانتصارات تُبعد شبح الهزائم في حياتهم ومجتمعاتهم، وأكثر ما يُزين صورة المنتخب المغربي "متلازمة" حبهم لفلسطين، وإبراز عدالة قضيتها، وما قدموه في المونديال عجزت عنه الجامعة العربية وقممها منذ تأسيسها. 

في مونديال قطر شارك 32 منتخبا من العالم، والواقع في المدرجات أن الغائب الحاضر كانت فلسطين، ولذلك اعتبرتها وسائل الإعلام المنتخب رقم 33 في البطولة، فعلم فلسطين كان خفاقا في كل المباريات، والهتافات لفلسطين كانت تعلو أهازيجَ، خاصة حين تلعب المنتخبات العربية، وفي مقدمتها المغرب. 

المونديال في الدوحة أسقط رهانات التطبيع مع إسرائيل، وقنوات التلفزة الإسرائيلية حظيت بالمقاطعة الشعبية، والصحفيون الاسرائيليون شعروا بأنهم منبوذون وأصيبوا بالصدمة، ولهذا فإن عنوان صحيفة "إسرائيل اليوم" كان "إنهم لا يحبوننا ولا يرغبون بوجودنا".

وكتب الصحفي، تسيون نانوس، في القناة 12 الإسرائيلية "للأسف في قطر وجزء كبير من العالم، وبالتأكيد العالم العربي ينظرون إلى أننا نمثل نظام الفصل العنصري الذي كان قائما في جنوب أفريقيا حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي"، والاستنتاج الذي توصلت له صحيفة معاريف في عنوانها "فلسطين هزمت إسرائيل في أكبر مسرح في العالم.. المونديال". 

كانت بطولة كأس العالم حافلة بالمفاجآت فالمنتخب السعودي هزم الأرجنتين، والبرازيل المصنف الأول في العالم خرجت، وهزمتها كرواتيا، وكل الكبار بكرة القدم خرجوا بشكل صادم، وكارل هاينز يدعو الألمان للتعلم من التجربة المغربية للتعافي بعد الخروج المحبط من دور المجموعات. 

حقق مونديال قطر رقما قياسيا في الإيرادات للفيفا، إذ حصدت 7.5 مليار، أي أكثر بمليار دولار عن مونديال روسيا، وحسب الأرقام الرسمية فإن عوائد استضافة المونديال لقطر بلغت 17 مليار دولار، والأهم أن ما تحقق يصب بشكل مباشر في رؤية قطر الوطنية 2030، ويحولها إلى مجتمع عالمي ومركز تجاري وسياحي.

ومن المتوقع أن تحرز قطر نموا اقتصاديا عامي 2022-2023 يبلغ 3.4 بالمئة، واستطاعت في حفل الافتتاح أن تلفت الأنظار لقضايا حقوقية، ويشير رئيس الفيفا "استخدمنا قوة كرة القدم خارج الملعب لتسليط الضوء على قضايا التمييز والترويج للاستدامة وضمان تمتع الأطفال بالحماية والتعليم". 

الحركة الذكية التي تعمدها أمير قطر الشيخ تميم بإلباس ميسي "البشت" رغم كل الجدل وضعت بصمة عربية بتاريخ المونديال، والانتقادات التي راجت في وسائل إعلام غربية مثل قول دايلي تيليغراف إن "إلباس البشت عمل غريب أفسد أكبر لحظة في تاريخ كأس العالم"، أو وصف التلفزيون الفرنسي "BFM" "البشت بخرقة أو رداء حمام" أعاد إلى المشهد حملة عدائية غير مبررة تستكثر ولا تريد لأي دولة خارج أوروبا أن تفلح في تنظيم مبهر لأكبر تظاهرة عالمية.

وبالتوازي وردا على الاتهامات استحضرت منصات التواصل الاجتماعي صورة للأسطورة بيليه وهو يلبس "الطاقية" المكسيكية بعد فوزه في كأس العالم بالمكسيك باعتبار أن ما فعلته قطر ليس خارج السياق. 

انتهى المونديال، وستظل الصور، واللحظات التي عشناها حاضرة تُذكرنا أن كرة صغيرة تحتشد لأجلها كل البشرية. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).