Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Traders work on the floor of the New York Stock Exchange June 15, 2022 in New York as the US Federal Reserve announces a hike…
"نجحت الليبرالية، بينما رَسَب/ سقط/ فشل الآخرون"

محمد المحمود

لم تتشكّل الليبرالية كـ"مَوْضةٍ فكرية" عابرة، بل تشكّلت مُحَايثةً للفعل الواقعي عبر تاريخ طويل تمتدّ جذوره لأكثر من خمسة قرون.

وطوال هذا التاريخ الممتد على مساحة الجغرافيا الغربية، كانت المبادئ والقيم التحرّرية المُؤَسِّسة للحراك الليبرالي تنمو وتتكاثر وتتحوّر في اتجاهات مختلفة، وفي حقول متنوعة، متقاطعة مع كثير من المسارات الأخرى، ومتفاعلة مع دوافع ليست بالضرورة تحررية، أو ليست بالضرورة تتغيا التحرّر الإنساني كأولويّة، بل وربما كان بعضها مُتّصلا بدوافع غير إنسانية في مُسْتهدفاتها الأولى. ولكنها في النهاية ـ ومع كثير من الارتباك والتشتّت والتعثّر، بل وبعض الأخطاء الفادحة أحيانا ـ استقامت في عالم اليوم كأفضل "رؤية عملية مُجَرّبة" أنتجها الإنسان لصالح الإنسان.

نعم، في تاريخ الليبرالية كثير من الأخطاء. بل وحتى في نسختها الحديثة الأكثر تطورا وتهذيبا، والأكثر تأنسنا، نجد كثيرا من الأخطاء؛ وربما الخطايا. ولكن، كل المذاهب النظرية الأخرى التي جرى تجريبها، كانت أكثرَ منها أخطاء بما لا يُقَاس، وأقلَّ جدوى ـ في عائدها الإنساني ـ بما لا يُقَاس أيضا. بل يُمكن القول ـ دونما مُجَازفة دِعائية ـ: إن الليبرالية هي الصيرورة الوحيدة التي خرجت من مخاض التجربة البشرية بالدرجة المعيارية المعقولة/ المقبولة التي تكفل لها صفة: النجاح.

نجحت الليبرالية، بينما رَسَب/ سقط/ فشل الآخرون. لا يعني هذا أن الليبرالية حققت النسبة النهائية في النجاح 100%. ولكن يعني هذا أنها حققت النسبة الضرورية التي تكفل لها النجاح بتقدير "جيّد" على الأقل؛ فيما هي ـ في رحلة التطوير الذاتي المستمر ـ تطمح لتحقق ما هو أعلى وأكمل؛ مدفوعة في كل ذلك بانفتاحها الحر/ التحرري على مسارات النقد الذاتي الذي يعمل على تعرية الأخطاء باستمرار، ثم هو يحاول أن يتجاوزها باستمرار أيضا؛ رغم تعذّر وتعثّر محاولات التجاوز في بعض الأحيان.

لكن، ورغم كل ذلك؛ لم تُحَقق الليبرالية منجَزها التحرري فحسب، بل حقّقته، وحقّقت معه نجاحات مذهلة على أكثر من صعيد، ولم يكن منجزها الاقتصادي/ التنموي إلا التعبير الأكثر صراحة ـ وإغراءً ـ عن متواليات هذا النجاح. وبهذا النجاح المتضافر في مساراته؛ أصبحت المجتمعات الليبرالية هي أكثر المجتمعات حريّة، في الوقت نفسه الذي كانت فيه ـ وبلا منازع ـ أكثر المجتمعات استقرارا، وأمانا، ورفاهية، وثقةً بالمستقبل؛ حتى أصبحت ـ وعن كامل جدارة واستحقاق ـ هي التجسيد الفعلي/ الواقعي للحلم الإنساني الموعود الذي ظلَّ الإنسانُ طوال تاريخه يعتقد أنه مجرد حلم مُلْهِم، يُطْلب؛ ولا يُنَال.

إن هذا النجاح المذهل ـ ورغم كل الأخطاء ـ هو بالذات ما أثار غضب وحنق الفاشلين في تحقيق بعض مسارات هذا النجاح، وخصوصا؛ في بعضها الأهم الذي يشتغل عليه مدارُ الاهتمام العمومي للجماهير. فالفاشلون في مثل هذه الحال يُدْركون أن فشلهم لا يَتحقق الوعي به إلا مِن خلال مُقَايَسَته بالنجاح المذهل للنموذج الليبرالي. وتغييب هذا النموذج الناجح، أو التعمية عليه، أو الشغب عليه في أهم مساراته، من شأنه ـ كما يعتقد الفاشلون ـ أن يُخَفِّف من الوعي بفشلهم الذريع، أو ـ على الأقل؛ كما يعتقدون ـ يُلْغِي الأملَ بنموذج مُغَاير قادر على إخراجهم من حلبة الصراع الحضاري.

إن ما يَعيب الليبرالية عند أعدائها اليوم هو أنها نجحت أكثر من اللازم، نجحت أكثر من النجاح المُحْتمل، نجحت في أهم مسارات التطور الإنساني، نجحت في كل ذلك نجاحا مُتصاعِدا/ مُتَواليا، يصعب على خصومها تفهمّه؛ فضلا عن تقبّله في مدى تحقّقه الواقعي. فالنجاح الكاسح في مثل الحال، لا يعني الامتياز في مجال؛ بقدر ما يغني ـ نِسْبةً وتناسبا مع عمق وشمولية النجاح ـ إلغاء الآخرين/ الفاشلين.

هذا بالتحديد هو مصدر "رُهَاب الليبرالية" الذي يعصف اليوم بالمجتمعات التقليدية والقائمين عليها، إذ تعتقد هذه المجتمعات الكسيحة أن نجاح الليبرالية أصبح طوفانا يُهَدِّد بقية "المجتمعات اللاّليبرالية" بالفناء، ليس بتدميرها، أو تفتيتها، أو تعطيب بعض قواها الفاعلة، وإنما بتحويلها ـ على نحو طوعي، وعلى يد طلائع التنوير من أبنائها، وبقوة إغراء النموذج ـ إلى مجتمعات ليبرالية مُغْتبِطة بليبراليتها؛ إلى درجة رفض/ نبذ كل ما يتعارض مع هذه الليبرالية من مواريث الأسلاف، ومن تقاليد أزمنة الغباء، ومن أعراف التأطير الاجتماعي.

إن هذا العداء السافر المتأجج اليوم ضد الليبرالية، لا يظهر ـ أو هو لا يُعْلِن عن نفسه ـ بوصفه حَسَدا حارقا يعتلج في أفئدة الفاشلين، أولئك الذي يستشعرون عجزهم الأصيل عن اللحاق بركب الناجحين ولو بعد حين. إنهم لا يقولون: إننا نكره الليبرالية لأنها اليوم أفضل نموذج إنساني متكامل أثبت جدارته؛ في الوقت الذي يُثبت فيه فشلنا الذريع. إنهم لا يقولون: إننا نكره الليبرالية لأنها خطر علينا في مواقعنا الاجتماعية؛ لا بكونها اشتغالا سلبيا في أصل فاعليتها، وإنما بأثرها السلبي ـ من زاوية فاعليتها الإيجابية العامة ـ على طبيعة تموضعنا في واقعنا الخاص. وباختصار، هم لا يعلنون عن كراهية الليبرالية لأنها تقوم بتعرية فشلهم الهائل في كل المسارات، وإنما يَتَقنَّعُون ـ وَاعِين أو غير وَاعِين ـ بِمُبَرِّرات أخرى، مبررات يستحضرونها بوصفها تكشف عن "مثالب الليبرالية الراسخة"، و"كوارثها المتوقعة"، و"تاريخها المشين"..!!

تظهر هذه المبررات التي يَتخفَّون وراءها على صور شتى: قد تظهر على صورة رفض "الرأسمالية المتوحشة" التي تُشَكِّل ـ بزعمهم ـ رأس حربة المسار الاقتصادي الليبرالي، مُتَقاطعين مع هموم العدالة الاجتماعية ومقولات المبدأ الاشتراكي. وأحيانا تظهر على صورة التخويف من الحرية بوصفها طريقا إلى الفوضى التي لا ضابط لها إلا التأطير الشمولي. ولكن، يبقى "المُبرّر الأخلاقي" هو أبرز هذه الأقنعة وأكثرها رواجا في مجتمعات التقليد؛ حيث يجري تصوير التحرّر الليبرالي بوصفه انحلالا أخلاقيا، وبوصف الممانعة المحافظة "نقاءً أخلاقيا" يُحَاول مُدَافعة "الانحلال الليبرالي".

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب
التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب

حسين عبد الحسين

قبل عشرين عاما، بدا الطغيان قدرا محتوما على العرب. كان مفهوما أن يورث ملكا الأردن الحسين والمغرب الحسن عرشيهما لابنيهما عبدالله ومحمد. لكن لم يكن مفهوما أن تتحول أنظمة الطغيان الثوري إلى جمالك (جمهوريات ممالك) مع انتقال رئاسة حافظ الأسد السوري لولده بشّار واعداد حسني مبارك نجله جمال لوراثة الرئاسة المصرية. ومثلهما كان طاغية العراق صدام حسين يعدّ ابنه قصي لوراثته في مجلس قيادة الثورة ورئاسة البلاد، بعدما تبين أن بِكره عدي فاشل.

ثم اجتاحت الولايات المتحدة العراق وبدا أن الليل العربي بدأ ينجلي وأن القيد بدأ ينكسر.

قبل حرب العراق، أمضت النخبة العربية عقودا وهي تهاجم الولايات المتحدة لدعمها طغاة العرب الذين يبقون الدول العربية متخلفة. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، اعتقدت أميركا أن الطغيان يولّد البؤس، وأن البؤس يولّد الارهاب الذي يصل شواطئها، فقررت إعطاء العراقيين فرصة لبناء ديمقراطية.

الشعب الأميركي لا يهتم كثيرا لشقاء العرب ولا يرى مبررا لإنهائه الذي يكلف الأميركيين أموالا ودماء. لأقناع الأميركيين بضرورة الحرب في العراق، اضطرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش إلى تضخيم خطر صدام بإعلان أن بحوزته ترسانة أسلحة دمار شامل. لم تكترث واشنطن لمصداقيتها لأنها ظنّت أن نتيجة التغيير في العراق كانت ستكون إيجابية حتما لأن في العراق شعب يعجّ بحملة الشهادات والكفاءات، وثروة نفطية ضخمة يمكنها تمويل إعادة البناء والتنمية.

جاءت القوة الأميركية بجبروتها لتبدأ عملية التغيير العراقي، فاكتشفت أميركا والعالم أن العرب ليسوا بحاجة لتغيير حكامهم فحسب، بل لتغيير ثقافتهم التي لا تسمح للحريات الفردية ولا تفهم معنى المواطنية. اكتشفت أميركا أنه يستحيل بناء دولة ديمقراطية مع أفراد لا يرون أنفسهم مواطنين، بل أعضاء في قبائل لكل منها زعيم، ما يجعل الدولة مجلس قادة قبائل. والقبائل هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل هي شبكات ريعية يقودها قبضايات يقدمون الرعاية المالية والأمنية لتابعيهم، مقابل ولاء التابعين الأعمى لزعمائهم.

مع اكتشاف أميركا الخواء العربي، وسيطرة الثقافة القبلية التي تمنع قيام دولة حديثة، سعت واشنطن لإعادة تركيب العراق كيفما اتفق، غالبا بتكرار النموذج اللبناني الفاشل حيث يتقاسم الزعماء موارد الدولة ويثرون، ويوزعون بعض المغانم على الأزلام والمحاسبين، الذين يضمنون إعادة انتخاب الزعيم وبقائه في الحكم. كل ذلك يتم في غياب الحريات، تحت طائلة التصفية الجسدية لأي معارضين لا ينتمون لأي واحدة من شبكات الزعماء الحاكمين.

في لبنان، اغتال "حزب الله" رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حسب محكمة الأمم المتحدة، فأدى ذلك لاهتزاز وانسحاب قوات الأسد من لبنان بعد ثلاثة عقود على احتلاله وحكمه. ومثل العراق، لم تؤد فرصة التغيير التي سنحت للبنانيين برعاية دولية الى تغيير، بل انتقل لبنان من طغيان الأسد الى طغيان زعيم "حزب الله" حسن نصرالله.

تكررت مشاهد الفشل في الانتقال إلى الأفضل في كل الدول التي طالها الربيع العربي بعد ذلك، وأن بوتيرة متفاوتة. في تونس، أطاحت الثورة الشعبية بزين العابدين بن علي، فغرقت البلاد في شلل دام عقد إلى أن تسلّق استاذ جامعي الحكم على سلّم الديمقراطية، ثم وصل الحكم فعدّل الدستور ونصّب نفسه حاكما أوحدا ودائما.

وفي مصر، أدى نسف الجيش لعملية توريث جمال مبارك لانقسامه الى أجنحة. في فترة انقسام الجيش، انتخب المصريون محمد مرسي وحزب "الإخوان المسلمين" حكاما. لكن على غرار الانتخابات العربية المشابهة، بدا أن الإخوان تسلقوا سلّم الديمقراطية لتغيير شكل الدولة وتحويلها الى ثيوقراطية تمارس الانتخابات وانما بدون أي تقبّل للحريات العامة أو الفردية.

وكذلك في الجزائر، حيث أطاحت ثورة بحكم عبدالعزيز بوتفليقة واستبدلته بأشباه له. أما ليبيا واليمن، فأدى التغيير الى حروب دموية طاحنة لم تلق وزرها حتى اليوم. وفي السودان، أدت الثورة إلى تلاشي الدولة التي كانت تقوم على أجهزة استخبارات عمر البشير.

في لبنان، قامت ثورة مجددا ضد الانهيار الشامل للدولة والاقتصاد. لكن على عكس ثورات العرب التي سبقتها، لم تنجح ثورة 17 تشرين اللبنانية في كسر القائم، فتحولت إلى انتفاضة انتخابية صغيرة، وحتى هذه، أنتجت نوابا تغييريين نصفهم يحسدون السياسيين الحاكمين ويتمنون أن يحلّوا مكانهم في رئاسات الجمهورية والنواب الحكومة. ومثل اللبنانيين قام العراقيون بثورة لم تنسف الحكم، ولا قدمت أفكارا خلاقة ولا خطط تغييرية قابلة للحياة، فقط اجترار للأفكار المتداولة الفاشلة نفسها.

بعد عشرين عاما على حرب العراق، و12 عاما على الربيع العربي، وبعد ثلاثة أعوام على ثورتي تشرين اللبنانية والعراقية، صار مؤكدا أن نسف القائم في دنيا العرب لا يؤدي لاستبداله بما هو أفضل منه، بل أن القائم صار يبدو أفضل، على علّاته، على حسب القول المشرقي القائل "خلّيك على قديمك فجديدك لن يدوملك". 

التغيير مستحيل في الدول العربية ما لم تتغير نفوس العرب، وما لم تتشرب الثقافة المطلوبة لبناء دول حديثة، وهي ثقافة يتصدرها تقديس الحرية الفردية، خصوصا حرية من يخالف رأينا، وفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني رأيا واحدا لكل المواطنين، بل تعني التفافا حول الدستور الذي يسمح بتعدد الآراء، وإدراك أن من يخالفنا الرأي ليس خائنا، وأن رأينا ليس مقدسا، ولا صحيحا، ولا ثابتا.

كما لن تقوم قائمة للعرب قبل إدراكهم أن الانتخابات تنيط بالمنتخبين فرض سياسات، ولكنها لا تسمح لهم بتغيير شكل الدولة، ولا بفرض هندسة اجتماعية، ولا بتعديل شكل الحيز العام حتى يشبه الغالبية دون الأقلية.

ولن تقوم دولا عربية حديثة ما لم يدرك العرب أن الأكثرية والأقلية هي في الرأي السياسي فحسب، لأن الرأي يمكن أن يتغير بحسب نتائج السياسات التي تمارسها الغالبية، فتخسر التأييد والحكم ما لم تقدم النتائج المرجوة. أما ربط الأكثرية والأقلية بالمذاهب والأعراق، كما في لبنان والعراق، فيقضي على الديمقراطية لأنه يخلق أكثريات وأقليات ثابتة في الحكم وغير قابلة للمحاسبة انتخابيا في حال فشلها.

مع تعذر امكانية بناء دول عربية حديثة، يصبح الأجدى التمسك بأي ما من شأنه أن يقدم سياسات وحياة أفضل للعرب. نموذج الإمارات والبحرين والسعودية ليس ديمقراطيا، ولكنه يقدم نتائج أفضل بكثير من أنظمة العرب الثورية وجمالكهم، إلى أن يغير الله في قوم ويغير ما في أنفسهم وتصبح الديمقراطية ممكنة، لا في قصور الحكم، وإنما في نفوس الناس وثقافتهم.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).