Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

التاج

نضال منصور - رحلت الملكة إليزابيث بعد أن ظلت 70 عاما في سدة العرش، وبعد أن شارفت على بلوغ 100 عام من عمرها، شهدت خلالها أحداثا تُعد ولا تُحصى، وعاشت تفاصيل من الصعب الإحاطة بها. 

ورثت الملكة إليزابيث عرش بلد كان فيما مضى إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، حين كانت بريطانيا نموذجا لدولة مُستعمرة على امتداد خارطة العالم، وبقيت حتى هذه اللحظة 15 دولة تحت التاج البريطاني، و56 دولة تتبع مجموعة الكومنولث التي كانت خاضعة يوما للإمبراطورية البريطانية. 

خلال 70 عاما من حكم الملكة إليزابيث تغيّر العالم، وتغيّر العرش البريطاني، وتعرض لاهتزازات، ومطالبات بإنهاء العهد الملكي، ورغم ذلك ظلت البروتوكولات، والعراقة للعرش البريطاني مضرب المثل، ونموذجا تسعى دول كثيرة لتقليده دون أن يُنهي ذلك الأصوات التي تُذكّر أن الاستعمار البريطاني كان مسؤولا عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وممارسات العبودية، والرق، ونهب لثروات البلدان المُستعمَرة، وكتاب "ميراث العنف.. تاريخ الإمبراطورية البريطانية" يوثق ذلك، وكان رحيل الملكة مناسبة لاستعادة الحديث عن ضرورة اعتذار بريطانيا عن ماضيها، وسجلها الأسود، وتعويض المستعمرات التي عانت ويلات حكمها. 

بقيت الملكة طوال سنوات حكمها مُحاطة بهالة من التبجيل، والاحترام، ولم تتعرض صورتها لصدوع، وشروخ عميقة، وربما كان أكثرها تضررا في الشارع البريطاني حين أودى حادث سير بحياة الأميرة ديانا "ملكة القلوب" التي كانت تحظى بحب جارف بين الناس، والأكثر قربا لهم. 

70 عاما في سدة العرش كانت مليئة بالأسرار، والخبايا، ولكن حياة العائلة المالكة كانت وراء جدران من الصعب النفاذ لها، والمرة الوحيدة التي سمحت الملكة إليزابيث لوسائل الإعلام في الاقتراب من حياتها، وتصويرها كانت في فيلم وثائقي عام 1969، ولم تُكرر التجربة على الإطلاق. 

سبعة قرون في الحكم فترة طويلة جدا، وحقيقة الأمر أن صلاحيات الملكة كانت على مر الأيام تتقلص، ويمارس رئيس الوزراء، والوزراء بعض المسؤوليات التي كانت مناطة بها، وتُلخص الصلاحيات الملكية بكلمات ثلاث "الاستشارة، والتشجيع، والتحذير"، وبصرامة غير معهودة يُمنع على الملكة الإدلاء بأي آراء، أو توجيهات للحكومة إلا بشكل سريّ، ومُنفرد لرئيس الوزراء، وما يُسمى "المجلس الخاص"، ومع أن الملكة إليزابيث حافظت على لقاء أسبوعي برئيس الوزراء، فإنها كانت تلتزم الصمت، وبعد رحيلها، ووصول تشارلز إلى العرش، فإن الصحافة أشاعت أجواء من الخوف، والترقب أن يُمارس تدخلات مباشرة، وغير مباشرة في الحكم، على الرغم من وعوده في مقابلة بعيد ميلاده السبعين "أن لا يكون ملكا متدخلا"، وما زاد من وقع هذه الأسئلة ما نشرته جريدة الغارديان عن رسائله إلى الحكومات التي سُميت بـ "مذكرات العنكبوت الأسود"، وتُلمّح إلى ضغوط كان يُمارسها تشارلز على رئيس الحكومة، والوزراء. 

تمتلك الملكة صلاحيات مكتوبة لا يمكن تجاهلها، فهي تملك صلاحية حل البرلمان، والتصديق على القوانين التي يُقرها، وتنصيب رئيس الوزراء بعد الانتخابات، وإعلان الحرب، والأهم أن الملكة لا يمكن مقاضاتها، أو محاسبتها، وتملك سلطة منح العفو، وهي القائد العام للقوات المسلحة، وهي من تمنح الألقاب. 

منذ إعلان وفاة الملكة إليزابيث وما زالت المعلومات تتدفق عن سيرة حياتها، ومحطات أثارت أسئلة مُحيرة، وما تُعاينه الصحافة أن الملكة زارت 120 دولة حول العالم، ولكن قدماها لم تطأ إسرائيل، وهو ما فعله والتزم به تشارلز أيضا حتى الآن، هذه المعلومة أثارت شهية الإعلام العربي، واستغراب الإعلام العبري الذي وثقها كذلك، والرأي السائد أن الملكة تجنبت قصة زيارة إسرائيل ربما لأنها تعرف أكثر من غيرها الغصة، والسخط العربي على بريطانيا تاريخيا لأنها تتحمل وزر وعد بلفور الذي منح اليهود الحق في إقامة دولة لهم على تراب فلسطين. 

تقول صحيفة هآرتس إن الملكة تخطت عن عمد زيارة إسرائيل عام 1984 خلال جولة في المنطقة زارت حينها الأردن، وأكثر من ذلك تُشير وسائل الإعلام أن الملكة لم تقم بزيارة للأراضي المقدسة رغم أنها رئيس الكنيسة الأنجليكية. 

من ملف الذكريات المرتبطة بالملكة إليزابيث ما ذكره العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، أن والده الراحل الملك الحسين كلفه حين كان أميرا بأن يكون المرافق العسكري، والحارس الشخصي للملكة البريطانية حين زارت عمّان عام 1984، ومكثت بها 5 أيام. 

ويوثق الملك عبد الله هذه القصة في كتابه "فرصتنا الأخيرة" حسب ما نشرته اندبندنت عربية، حيث يقول "جاءت زيارة الملكة بعد يومين فقط من تفجيرات إرهابية طالت أحد فنادق عمّان، وطلب مني والدي حماية الملكة إليزابيث حتى لوكان الثمن حياتي". 

70 عاما، و7 أشهر، ويومان هي المدة التي قضتها الملكة إليزابيث في الحكم، تولى في عهدها 16 رئيسا للوزراء في بريطانيا أولهم ونستون تشرشل، وعاصرت 14 رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وشهدت انهيار الاتحاد السوفيتي، واستقلال اسكتلندا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وظلت رمزا يُحكم باسمها في دول كثيرة، مثل: استراليا، وكندا، ونيوزلندا، وعاشت لتسجل ثاني أعلى رقم قياسي في الحكم بالعالم بعد ملك فرنسا، لويس الرابع عشر. 

أخر ما سيتذكره العالم بعد الملكة الراحلة إليزابيث غير جنازتها التاريخية التي يجري الاستعداد لها، تركها رسالة إلى مواطني مدينة سيدني في استراليا ستُفتح حسب طلبها عام 2085 أي بعد 63 عاما على رحيلها، ولا يُعرف ما بها. 

انتهى عهد الملكة إليزابيث، وبدأ عهد الملك تشارلز المُثير للجدل، فعندما كان وليا للعهد خطفت الأميرة ديانا الأضواء منه، وتعلّق الناس بها، ولم يُظهروا تجاهه مشاعر الحب، وظلت نظرية المؤامرة تطارده بعد وفاتها في حادث السير المروع الذي شهدته شوارع باريس مع صديقها، أو ما قيل أنه عشيقها العربي، دودي الفايد الذي ترددت روايات أنها كانت ستقترن به. 

في كل الأحوال، الحقيقة التي لا تغيب عن ذهن تشارلز الملك أن بريطانيا التي حكمتها أمه منذ عام 1952 تغيّرت بعد 70 عاما، واستطلاعات الرأي البريطانية عام 2016، أظهرت أن 25 بالمئة فقط يرغبون بأن يُصبح تشارلز ملكا، و50 بالمئة يريدون ابنه وليام بديلا عنه، وهناك من يتكهن بأن تعلو أصوات مطالبة بتخليه عن العرش، أو أن يضج الرأي العام بآراء ترى ضرورة أن ينتهي زمن الملكية في بريطانيا، وهذا ليس ببعيد فرئيسة الوزراء البريطانية الحالية، ليزا تراس التي يُطلق عليها "حرباء سياسية" كانت فيما مضى تطالب بإلغاء الملكية حين كانت بالحزب الديمقراطي الليبرالي. 

كتاب "تشارلز في السبعين" بدأ يُتداول بشكل واسع للتعرف على شخصية ملك بريطانيا الجديد رغم كل العقود التي أمضاها وليا للعهد حتى بلغ الـ 70 من عمره قبل أن ترحل والدته ليخلفها على سدة العرش. 

أكثر ما يلفت الانتباه، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه، أن تشارلز كان معارضا لمشاركة بلاده في الحرب على العراق، وكان يرى أن الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن يفتقد للذكاء، ويصف رئيس وزراء بريطانيا -آنذاك- توني بلير بالكلب المطيع للرئيس الأميركي، ولم يكن مقتنعا بالتقارير الاستخبارية التي زعمت بأن نظام الرئيس الأسبق، صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل. 

تشارلز يسير على خطى والدته في تجنب زيارة إسرائيل، وفي عام 2020 زار ولي العهد البريطاني فقط بيت لحم، وألقى خطايا عاطفيا حذر فيه من طمس حضور المسيحيين في فلسطين. 

في كتاب "تشارلز في السبعين" يؤكد الكاتب أن تشارلز ردد أكثر من مرة "تخلصوا من السم حينها سوف تتخلصون من الإرهاب المحيط بنا"، ويُربط هذا الكلام بأن تشارلز يرى أن حلا عادلا للقضية الفلسطينية سيؤدي إلى تغيير حقيقي في الشرق الأوسط، وأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو السبب الأساسي للعداء، والسموم المكبوتة في جميع أنحاء العالم. 

بالتأكيد أن الملك تشارلز ليس الملكة الراحلة إليزابيث، وسيحاول أن يفرض بصمة مختلفة، والشكاوى التي قُدمت من رؤساء وزراء سابقين للملكة إليزابيث من تدخل ولي العهد في شؤون الحكم حاضرة، حتى أن رئيسة الوزراء السابقة، مارغريت تاتشر، والملقبة بـ "المرأة الحديدية" خاطبته "أنا من يُدير البلاد يا سيدي، وليس أنت". 

لا يملك الملك تشارلز العمر المديد مثل الملكة التي تربعت على العرش 70 عاما، وكان عمرها 25 عاما، في حين يتقلد هو سلطاته الدستورية وهو كهل، وبريطانيا ليست بقوتها، وعظمتها التي كانت، ولكن لا يغيب عن البال أن الكثير من المراقبين، والمتابعين يرون أن قوة تشارلز تكمن بالقوة الخفية لبريطانيا التي تُدبر كل السياسات في العالم، ولو من وراء ستار. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).