Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

التاج

نضال منصور - رحلت الملكة إليزابيث بعد أن ظلت 70 عاما في سدة العرش، وبعد أن شارفت على بلوغ 100 عام من عمرها، شهدت خلالها أحداثا تُعد ولا تُحصى، وعاشت تفاصيل من الصعب الإحاطة بها. 

ورثت الملكة إليزابيث عرش بلد كان فيما مضى إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، حين كانت بريطانيا نموذجا لدولة مُستعمرة على امتداد خارطة العالم، وبقيت حتى هذه اللحظة 15 دولة تحت التاج البريطاني، و56 دولة تتبع مجموعة الكومنولث التي كانت خاضعة يوما للإمبراطورية البريطانية. 

خلال 70 عاما من حكم الملكة إليزابيث تغيّر العالم، وتغيّر العرش البريطاني، وتعرض لاهتزازات، ومطالبات بإنهاء العهد الملكي، ورغم ذلك ظلت البروتوكولات، والعراقة للعرش البريطاني مضرب المثل، ونموذجا تسعى دول كثيرة لتقليده دون أن يُنهي ذلك الأصوات التي تُذكّر أن الاستعمار البريطاني كان مسؤولا عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وممارسات العبودية، والرق، ونهب لثروات البلدان المُستعمَرة، وكتاب "ميراث العنف.. تاريخ الإمبراطورية البريطانية" يوثق ذلك، وكان رحيل الملكة مناسبة لاستعادة الحديث عن ضرورة اعتذار بريطانيا عن ماضيها، وسجلها الأسود، وتعويض المستعمرات التي عانت ويلات حكمها. 

بقيت الملكة طوال سنوات حكمها مُحاطة بهالة من التبجيل، والاحترام، ولم تتعرض صورتها لصدوع، وشروخ عميقة، وربما كان أكثرها تضررا في الشارع البريطاني حين أودى حادث سير بحياة الأميرة ديانا "ملكة القلوب" التي كانت تحظى بحب جارف بين الناس، والأكثر قربا لهم. 

70 عاما في سدة العرش كانت مليئة بالأسرار، والخبايا، ولكن حياة العائلة المالكة كانت وراء جدران من الصعب النفاذ لها، والمرة الوحيدة التي سمحت الملكة إليزابيث لوسائل الإعلام في الاقتراب من حياتها، وتصويرها كانت في فيلم وثائقي عام 1969، ولم تُكرر التجربة على الإطلاق. 

سبعة قرون في الحكم فترة طويلة جدا، وحقيقة الأمر أن صلاحيات الملكة كانت على مر الأيام تتقلص، ويمارس رئيس الوزراء، والوزراء بعض المسؤوليات التي كانت مناطة بها، وتُلخص الصلاحيات الملكية بكلمات ثلاث "الاستشارة، والتشجيع، والتحذير"، وبصرامة غير معهودة يُمنع على الملكة الإدلاء بأي آراء، أو توجيهات للحكومة إلا بشكل سريّ، ومُنفرد لرئيس الوزراء، وما يُسمى "المجلس الخاص"، ومع أن الملكة إليزابيث حافظت على لقاء أسبوعي برئيس الوزراء، فإنها كانت تلتزم الصمت، وبعد رحيلها، ووصول تشارلز إلى العرش، فإن الصحافة أشاعت أجواء من الخوف، والترقب أن يُمارس تدخلات مباشرة، وغير مباشرة في الحكم، على الرغم من وعوده في مقابلة بعيد ميلاده السبعين "أن لا يكون ملكا متدخلا"، وما زاد من وقع هذه الأسئلة ما نشرته جريدة الغارديان عن رسائله إلى الحكومات التي سُميت بـ "مذكرات العنكبوت الأسود"، وتُلمّح إلى ضغوط كان يُمارسها تشارلز على رئيس الحكومة، والوزراء. 

تمتلك الملكة صلاحيات مكتوبة لا يمكن تجاهلها، فهي تملك صلاحية حل البرلمان، والتصديق على القوانين التي يُقرها، وتنصيب رئيس الوزراء بعد الانتخابات، وإعلان الحرب، والأهم أن الملكة لا يمكن مقاضاتها، أو محاسبتها، وتملك سلطة منح العفو، وهي القائد العام للقوات المسلحة، وهي من تمنح الألقاب. 

منذ إعلان وفاة الملكة إليزابيث وما زالت المعلومات تتدفق عن سيرة حياتها، ومحطات أثارت أسئلة مُحيرة، وما تُعاينه الصحافة أن الملكة زارت 120 دولة حول العالم، ولكن قدماها لم تطأ إسرائيل، وهو ما فعله والتزم به تشارلز أيضا حتى الآن، هذه المعلومة أثارت شهية الإعلام العربي، واستغراب الإعلام العبري الذي وثقها كذلك، والرأي السائد أن الملكة تجنبت قصة زيارة إسرائيل ربما لأنها تعرف أكثر من غيرها الغصة، والسخط العربي على بريطانيا تاريخيا لأنها تتحمل وزر وعد بلفور الذي منح اليهود الحق في إقامة دولة لهم على تراب فلسطين. 

تقول صحيفة هآرتس إن الملكة تخطت عن عمد زيارة إسرائيل عام 1984 خلال جولة في المنطقة زارت حينها الأردن، وأكثر من ذلك تُشير وسائل الإعلام أن الملكة لم تقم بزيارة للأراضي المقدسة رغم أنها رئيس الكنيسة الأنجليكية. 

من ملف الذكريات المرتبطة بالملكة إليزابيث ما ذكره العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، أن والده الراحل الملك الحسين كلفه حين كان أميرا بأن يكون المرافق العسكري، والحارس الشخصي للملكة البريطانية حين زارت عمّان عام 1984، ومكثت بها 5 أيام. 

ويوثق الملك عبد الله هذه القصة في كتابه "فرصتنا الأخيرة" حسب ما نشرته اندبندنت عربية، حيث يقول "جاءت زيارة الملكة بعد يومين فقط من تفجيرات إرهابية طالت أحد فنادق عمّان، وطلب مني والدي حماية الملكة إليزابيث حتى لوكان الثمن حياتي". 

70 عاما، و7 أشهر، ويومان هي المدة التي قضتها الملكة إليزابيث في الحكم، تولى في عهدها 16 رئيسا للوزراء في بريطانيا أولهم ونستون تشرشل، وعاصرت 14 رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وشهدت انهيار الاتحاد السوفيتي، واستقلال اسكتلندا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وظلت رمزا يُحكم باسمها في دول كثيرة، مثل: استراليا، وكندا، ونيوزلندا، وعاشت لتسجل ثاني أعلى رقم قياسي في الحكم بالعالم بعد ملك فرنسا، لويس الرابع عشر. 

أخر ما سيتذكره العالم بعد الملكة الراحلة إليزابيث غير جنازتها التاريخية التي يجري الاستعداد لها، تركها رسالة إلى مواطني مدينة سيدني في استراليا ستُفتح حسب طلبها عام 2085 أي بعد 63 عاما على رحيلها، ولا يُعرف ما بها. 

انتهى عهد الملكة إليزابيث، وبدأ عهد الملك تشارلز المُثير للجدل، فعندما كان وليا للعهد خطفت الأميرة ديانا الأضواء منه، وتعلّق الناس بها، ولم يُظهروا تجاهه مشاعر الحب، وظلت نظرية المؤامرة تطارده بعد وفاتها في حادث السير المروع الذي شهدته شوارع باريس مع صديقها، أو ما قيل أنه عشيقها العربي، دودي الفايد الذي ترددت روايات أنها كانت ستقترن به. 

في كل الأحوال، الحقيقة التي لا تغيب عن ذهن تشارلز الملك أن بريطانيا التي حكمتها أمه منذ عام 1952 تغيّرت بعد 70 عاما، واستطلاعات الرأي البريطانية عام 2016، أظهرت أن 25 بالمئة فقط يرغبون بأن يُصبح تشارلز ملكا، و50 بالمئة يريدون ابنه وليام بديلا عنه، وهناك من يتكهن بأن تعلو أصوات مطالبة بتخليه عن العرش، أو أن يضج الرأي العام بآراء ترى ضرورة أن ينتهي زمن الملكية في بريطانيا، وهذا ليس ببعيد فرئيسة الوزراء البريطانية الحالية، ليزا تراس التي يُطلق عليها "حرباء سياسية" كانت فيما مضى تطالب بإلغاء الملكية حين كانت بالحزب الديمقراطي الليبرالي. 

كتاب "تشارلز في السبعين" بدأ يُتداول بشكل واسع للتعرف على شخصية ملك بريطانيا الجديد رغم كل العقود التي أمضاها وليا للعهد حتى بلغ الـ 70 من عمره قبل أن ترحل والدته ليخلفها على سدة العرش. 

أكثر ما يلفت الانتباه، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه، أن تشارلز كان معارضا لمشاركة بلاده في الحرب على العراق، وكان يرى أن الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن يفتقد للذكاء، ويصف رئيس وزراء بريطانيا -آنذاك- توني بلير بالكلب المطيع للرئيس الأميركي، ولم يكن مقتنعا بالتقارير الاستخبارية التي زعمت بأن نظام الرئيس الأسبق، صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل. 

تشارلز يسير على خطى والدته في تجنب زيارة إسرائيل، وفي عام 2020 زار ولي العهد البريطاني فقط بيت لحم، وألقى خطايا عاطفيا حذر فيه من طمس حضور المسيحيين في فلسطين. 

في كتاب "تشارلز في السبعين" يؤكد الكاتب أن تشارلز ردد أكثر من مرة "تخلصوا من السم حينها سوف تتخلصون من الإرهاب المحيط بنا"، ويُربط هذا الكلام بأن تشارلز يرى أن حلا عادلا للقضية الفلسطينية سيؤدي إلى تغيير حقيقي في الشرق الأوسط، وأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو السبب الأساسي للعداء، والسموم المكبوتة في جميع أنحاء العالم. 

بالتأكيد أن الملك تشارلز ليس الملكة الراحلة إليزابيث، وسيحاول أن يفرض بصمة مختلفة، والشكاوى التي قُدمت من رؤساء وزراء سابقين للملكة إليزابيث من تدخل ولي العهد في شؤون الحكم حاضرة، حتى أن رئيسة الوزراء السابقة، مارغريت تاتشر، والملقبة بـ "المرأة الحديدية" خاطبته "أنا من يُدير البلاد يا سيدي، وليس أنت". 

لا يملك الملك تشارلز العمر المديد مثل الملكة التي تربعت على العرش 70 عاما، وكان عمرها 25 عاما، في حين يتقلد هو سلطاته الدستورية وهو كهل، وبريطانيا ليست بقوتها، وعظمتها التي كانت، ولكن لا يغيب عن البال أن الكثير من المراقبين، والمتابعين يرون أن قوة تشارلز تكمن بالقوة الخفية لبريطانيا التي تُدبر كل السياسات في العالم، ولو من وراء ستار. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف
تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف

د. عماد بوظو

في مثل هذا اليوم قبل إثني عشر عاما كان هناك شاب تونسي في السادسة والعشرين من عمره يرقد في المستشفى بعد أن أحرق نفسه احتجاجا على صفع شرطية له أمام عشرات الشهود ومصادرة عربة الفواكه التي تمثّل مصدر رزقه الوحيد، بكى حينها الشاب من شدة خجله، وقال للشرطية: لماذا تفعلين هذا بي، أنا إنسان بسيط لا أريد سوى أن أعمل، ثم حاول تقديم شكوى للبلدية دون نتيجة، فأضرم النار في نفسه، وتوفّي بعد عدة أيام، هذه هي قصة، محمد البوعزيزي، الذي كان موته الشرارة التي أشعلت عدة ثورات ضد أنظمة حكم ديكتاتورية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كانت تتعمد إهانة مواطنيها لقناعتها بأنها لا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا عبر زرع الخوف في قلوب الشعب. 

في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن إهانة هذا الشاب ستنهي حكم، زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، في الموجة الأولى، وحكم عمر البشير، وعبد العزيز بوتفليقة، في الموجة الثانية، بحيث لم يبقَ من تلك الأنظمة اليوم سوى سلطة شكليّة لبشار أسد على بلد منقوص السيادة، خصوصاً لأن جميع هؤلاء الرؤساء وبعد عقود من السلطة المطلقة توصّلوا إلى قناعة باستحالة تجرّؤ الشعب على الثورة ضدهم حتى بلغ الاستهتار عند بعضهم إلى حد محاولة تمهيد الطريق لتوريث الحكم لأولادهم. 

وقد أدت هذه الثورات إلى غرق الدول التي كانت مؤسسات الدولة فيها ضعيفة مثل ليبيا وسوريا واليمن في الفوضى حتى اليوم، بينما شهدت دول أخرى بدايات تحوّل نحو نظام ديمقراطي، ففي مصر تم إجراء أول انتخابات بعد الثورة فاز فيها بأغلبية بسيطة مرشح للإخوان المسلمين وسرعان ما ثار الشعب المصري على حكم هذا التنظيم وتمكّن من إسقاطه بعد عام واحد لأنه لا يملك برنامجاً للحكم. 

وأجريت انتخابات فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وكان من الممكن أن تتابع الأوضاع سيرها نحو التحوّل الديمقراطي لكن تعديلات "دستورية" تم إقرارها عام 2019 قضت على أي أمل بتحقيق ذلك، لأنها فتحت الباب لبقاء الرئيس السيسي في الحكم لستة عشر عاما متواصلة من عام 2014 حتى عام 2030، وترافقت هذه التعديلات مع استفراد مؤسسة الرئاسة بالسلطة وغياب دور أجهزة الدولة وتراجع غير مسبوق في هامش الحرّيات. 

وفي السودان انقلب المكوّن العسكري على المكوّن المدني في سعي للانفراد بالحكم رغم تواصل الاحتجاجات الشعبية ضده ورغم الرفض الدولي الواسع له، وفي الجزائر بعد عزل بوتفليقة وعائلته عام 2019 والتي كان من الممكن أن تشكّل بداية تحول سياسي حقيقي توفّي رئيس الأركان وقتها، قايد صالح، بأزمة قلبية مما أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاجات. 

وفي يوليو من عام 2021 اكتملت انتكاسات التحوّل الديمقراطي في تونس عندما قام الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة وحصر السلطة في يده تحت شعار إصلاح مسار الثورة بينما رأت فيه المعارضة والمنظمات الدولية إنقلابا على الثورة، وعندما أقال قيس سعيد 57 قاضيا بتهمة الفساد وحماية الإرهابيين ضمن ما أسماه تطهير القضاء عقّب الناطق باسم الخارجية الأميركية "بأن إجراءات التطهير تشير إلى نمط مُقلق من التصرفات التي تقوّض المؤسسات الديمقراطية المستقلة في تونس". 

وترافق انفراد قيس سعيد بالسلطة مع زيادة في إنهيار الوضع الإقتصادي والمعيشي تظاهر في عجز غير مسبوق في الميزان التجاري وارتفاع نسبة التضخّم وزيادة المديونيّة مع نقص السلع الغذائية الأساسية والوقود أدّت إلى زحام وفوضى في الأسواق وارتفاع في الهجرة غير الشرعية عبر القوارب إلى أوروبا وما رافقها من غرق عشرات الشباب. 

ولا يستطيع الرئيس قيس سعيد إلقاء اللوم في ما يحدث في تونس على أحد سواه، فهو صاحب السلطة المطلقة الذي قاد البلد إلى ما هي عليه اليوم ولذلك فقد تأييد أغلب القوى السياسية حتى تلك التي ساندته في البداية، وفي محاولة لإضفاء شرعية على حكمه دعا إلى إجراء انتخابات برلمانية، ولكن الشعب قاطعها وعلّقت وكالة رويترز، "لقد أظهر التونسيون اهتماما قليلا بالتصويت نتيجة النظرة إليها كتتويج لسعي شخص واحد للانفراد بالسلطة في بلد تخلّص من الديكتاتورية عام 2011"، وتراوحت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بين 8.8 في المئة كما قالت البيانات الرسمية في الأيام الأولى للانتخابات وبين 11.22 في المئة كما قالت في البيان النهائي، وهي في الحالتين نسبة مشاركة منخفضة بشكل قياسي. 

ولا تقتصر حالة الاستياء الشعبي في تونس على قيس سعيد وإجراءاته وقراراته غير المدروسة بل تشمل كذلك أحزاب المعارضة وخاصة الإسلامية ولذلك علّقت نسبة من التونسيين آمالها على الاتحاد العام للشغل الذي حافظ خلال الفترة الماضية على مواقف متوازنة، إلى أن أوضح أخيرا رفضه لهذه الانتخابات واصفاً إيّاها بأنها "بلا طعم أو لون وجاءت نتيجة دستور لم يكن تشاركياً ولا محل إجماع أو موافقة الأغلبية"، وبعد صدور النتائج قال الاتحاد إن "التدنّي الكبير في نسبة المشاركة يفقدها المصداقية والشرعية وأنه يعكس موقفاً شعبياً رافضاً لهذه الإجراءات وعزوفاً واعياً عن مسار متخبّط لم يجلب للبلاد سوى المزيد من المآسي والمآزق بدايةً من التغيير القسري للدستور باتجاه حكم رئاسي منغلق يشكّل تربة صالحة للاستبداد وحكم الفرد". 

ونسبة المشاركة المنخفضة هذه تذكّر بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر حيث قالت الأرقام الرسمية وقتها إن نسبة المشاركة فيها كانت 28 في المئة ورغم أن هذه النسبة منخفضة ولكن جورج إسحق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قال إنه "جرى تبديل أصوات وإضافة عشرات آلاف الأصوات لبعض المرشحين بما يذكّر بانتخابات عام 2010 والتي كانت من أسباب الثورة"، بما يوحي بأن النسبة الحقيقية للمشاركين في الانتخابات المصرية لا تختلف كثيراً عن نسبة المشاركين بالانتخابات التونسية الأخيرة نتيجة معرفة الشعب بأنها انتخابات صوريّة هدفها إضفاء شرعية على أنظمة حكم بعيدة عن الديمقراطية. 

والذريعة الرئيسية التي يقدّمها هؤلاء الرؤساء للانفراد بالسلطة هو الخطر المزعوم للإسلاميين مع أن شعبية الإسلاميين قد انخفضت بشدة خلال السنوات الأخيرة ففي تونس تراجعت مقاعدهم في البرلمان من 89 مقعدا في أول برلمان منتخب عام 2011 الى 52 مقعدا في آخر انتخابات عام 2019 لأنهم لا يملكون حلولاً لمشاكل البلد فهم مجرّد حزب مكانه الطبيعي في المعارضة حيث يردّد شعارات غامضة ليس لها أي معنى مثل الإسلام هو الحل ويعتاش في مقاعد المعارضة على الأكسجين الذي تزوّده به أنظمة الحكم الفردية من خلال فشلها وممارساتها القمعية. 

والتذكير اليوم بحادثة البوعزيزي قد ينبّه الرؤساء الذين يحاولون العودة ببلادهم إلى الحكم الديكتاتوري أن الشعوب اليوم تعرف قوتها، وأن سبب صبرها هو أنها أكثر وعياً من حكامها وتريد تجنّب الفوضى، لأن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية أصبحت أسوأ بما لا يقاس من أيام البوعزيزي، وأي انفجار يحدث في مثل هذه الظروف قد يحمل مخاطر جسيمة، وحتى لا يقع هذا الانفجار ربما من الأفضل لهؤلاء الحكّام الاستماع إلى ما قاله رئيس الاتحاد العام للشغل في تونس للرئيس قيس سعيد "لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في إدارة البلاد ويجب العمل على خارطة طريق للإنقاذ"، لأن هذه الجملة يمكن أن تُقال لهم جميعا لأن انفرادهم في السلطة وقراراتهم غير المدروسة لم تؤدي سوى إلى مآس وأزمات لم يسبق لها مثيل. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).