Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A man reads a newspaper at a stall near the Medina of Rabat, Morocco, Thursday, March 16, 2017. In a highly unusual move,…
كشك لبيع الصحف في مدينة الرباط المغربية-أرشيف

عبد الرحيم التوراني

هكذا، من دون مشيئة منَا نتحول قسرا إلى نُعاةٍ ومدبِّجي مراثي. نتسابق لنعي الأحبة والأصدقاء. ندوِّنُ "يوميّات الحزن العادي"، ونقف فوق أرصفة الفقدان نستجدي المواساة، وقد نقبل نصف تعزية.

أصبحنا كَغِرْبانٍ ندفن كل يوم أصحابا وأحبابا، آخرهم رحل قبل أسبوع، الصحفي عبد اللطيف منصور. وبالرغم من اشتداد المرض عليه فترة طويلة، لم يستطع مغالبة النفس والالتزام بنصائح الطبيب، فقسا على روحه وعذبها أكثر، تعذيب من يكابد "الوعي الشقي".

في عام 1949 فتح عبد اللطيف منصور عينيه على العالم، في وسط اجتماعي مناهض للظلم؟! وصادفت نهاية سنته الجامعية الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، (شعبة التاريخ)، هزيمة "حزيران 1967".

ولأنه كان في المرحلة الثانوية عضوا في "وداديات التلاميذ" التابعة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ا.و.ط.م)، كان طبيعيا أن يستمر في نشاطه بالمنظمة التي سينتخب ضمن قيادتها في عهد رئاسة محمد الخصاصي (آخر سفير للمغرب في دمشق، قبل سحبه في نوفمبر2011، إثر اندلاع الثورة السورية). 

عاش عبد اللطيف منصور أحداث مايو 68 بفرنسا، التي هز إعصارها العالم، في فترة علت فيها رايات المد اليساري وسط الجامعات، مما أدى بالفيلسوف الأميركي هربرت ماركيوز، المعروف بنقده الحاد لـ"الماركسية السوفييتية"، أن يعلن نهاية الدور التاريخي للعمال كطبقة بروليتارية يعول عليها في التغيير، مبشرا بأن الطلاب هم القوى الثورية الجديدة التي سيتم على يدها التحرر الاجتماعي.

في ظل هذه الأوضاع سيطر الطلبة اليساريون على (ا.و.ط.م)، الذي ظل منذ تأسيسه في 1956 تحت هيمنة الطلاب المنتمين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (ا.و.ق.ش). ليجد الملك الحسن الثاني نفسه، وهو الخارج حينها من محاولتي انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972)، أمام "التطرف اليساري"، فواجهه بتطرف قمعي منهجي أشد عنفا وقسوة. بدأ بحظر "ا.و.ط.م" في 24 يناير 1973، واقتياد العديد من أعضائه وقادته المنتمين لتنظيمات ماركسية سرية إلى مراكز التعذيب الرهيبة، وإدانتهم بالسجن لسنوات طويلة، وصلت في حق البعض منهم إلى السجن المؤبد. إنها سنوات الجمر والرصاص يا صديق!

بعد حصوله على الإجازة وعلى شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة، تم تعيين عبد اللطيف منصور أستاذا لمادتي التاريخ والجغرافيا بثانوية ابن تومرت في الدار البيضاء. ليواصل المدرس الشاب، المتحدر من أصول "أولاد احْرِيزْ" (جنوب الدار البيضاء)، نشاطه النقابي بالانضمام إلى الجامعة الوطنية للتعليم، تحت لواء أكبر اتحاد نقابي في البلاد، الاتحاد المغربي للشغل (ا.م.ش)، بزعامة المحجوب بن الصديق. لم تكن سيرة الأخير وراء انتساب منصور لهذه المركزية العمالية العريقة، التي تأسست تحت حراب المستعمر، بل كان هناك يساري شاب يتمتع بكاريزما جذابة، أفلت من قمع سنوات الرصاص ليصبح قياديا في نقابة بن الصديق، هو حسن بنعدي الأمين العام لنقابة الجامعة الوطنية للتعليم، وقد نجح في استقطاب عدد من المدرسين اليساريين للعمل النقابي بجانبه، من بينهم سليم رضوان، ومحمد بولعيش، وعبد الرؤوف فلاح، ونور الدين خمالي، وأمينة بلكَم، ومحمد الحضري، ولكبيرة شطير، ونفيسة بَنْ، وسعيد الزغاوي، وغيرهم من نساء ورجال التعليم المتشبعين بأفكار التغيير. واليوم يجمع كثيرون على الدور الذي تولاه بنعدي في دعم اليساريين داخل نقابة المحجوب بن الصديق، قبل أن يضطر هو نفسه لمغادرتها في سياق مغاير.

عمل الراحل منصور على تعزيز الثقافة النقابية، وساهم في تأسيس نقابات عمالية بإفريقيا. وانضم إلى هيئة تحرير "الطليعة"، الصحيفة الصادرة عن النقابة، وكانت تنشر باللغتين العربية والفرنسية. هنا سيشرع في نسج أولى علاقته المباشرة والعملية بمهنة الصحافة، وستتطور لديه مع رفاقه في الجامعة الوطنية للتعليم، خاصية النقد والانتقاد للممارسات البيروقراطية داخل النقابة، وللزعيم المحجوب بن الصديق نفسه، (عمَّر 55 سنة على رأس المركزية). تجلى ذلك في مبادرة منصور بإنجاز سلسلة مقالات صحفية مليئة بالحقائق والمعلومات الحارقة عن الاختلاسات والاختلالات وتفشي الفساد داخل مؤسسة يشرف على تسييرها نائب الأمين العام لـ (ا.م.ش) محمد عبد الرزاق، هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد تحول النقابي محمد عبد الرزاق "بقدرة قادر" إلى واحد من أصحاب الثراء الفاحش في المغرب.

ولأنه لم يكن واردا بالمطلق نشر ذلك التحقيق الصحفي في صحيفة "الطليعة"، لجأ عبد اللطيف منصور لنشره في يومية "البيان" بالفرنسية، صحيفة الشيوعيين (حزب التقدم والاشتراكية)، تحت إدارة الزعيم علي يعته. لكن نشر تلك الحقائق على الرأي العام كاد أن يودي بحياة عبد اللطيف منصور، الذي نجا من الموت بأعجوبة. عندما كان سيلقى به من شاهق لتحفظ الواقعة كقضية انتحار.
موجز الواقعة أن مجموعة من القبضيات الغلاض الشداد، الذين كانوا يعملون مباشرة تحت إمرة الأمين العام الحالي لـ(ا.م.ش)، تربصوا بعبد اللطيف منصور حتى وصل إلى مكتب الجامعة الوطنية للتعليم بالطابق السابع من عمارة "البورصويين"، (النعت القدحي الذي كان يطلقه المعارضون على نقابة المحجوب بن الصديق، بعد انشقاقه عن حزب (ا.و.ق.ش)، واتهامه بالانحراف النقابي وبتهريب النقابة وبيعها لنظام "المخزن"، خصوصا بعد إطلاقه للشعار المشهور: "الخبز لا السياسة").

فاجأت العصابة منصور، وحملته صوب النافذة عازمين رميه من الطابق السابع، لولا أن نقابيين من قطاع البريد صادف وجودهم بالمكان في تلك الساعة المتأخرة من المساء، سمعوا الصراخ فهرعوا لإنقاذه.

في نفس مبنى المركزية، بشارع الجيش الملكي في الدار البيضاء، تم إعداد قبو خاص لتعذيب المعارضين والمناهضين لتوجهات القيادة النقابية، ومن الأسماء التي كانت تتولى مهمات التعذيب، ترددت أسماء: عبد النبي التجمعوتي، ومصطفى لكحل المعروف بمصطفى مكافح، وبوشعيب الريفي، ومصطفى موافق، ومحمد وهيرة المعروف باسم "البيضاوي"، الذي صرح لنا (إثر وفاة المحجوب بن الصديق في 2010)، أنه حضر بعض جلسات تعذيب لمعارضين للقيادة النقابية، دون المشاركة فيها. رافضا التصريح بمزيد من التفاصيل والحقائق.

 لكنّ أشهر من عُذِّب في أقبية مركز النقابة هو القائد الاشتراكي عمر بنجلون، وكان وقتها قياديا في نقابة البريديين، (اغتيل في ديسمبر عام 1975 أمام بيته في الدار البيضاء). وقد وثق الشهيد عمر بنجلون واقعة اختطافه وتعذيبه في رسالة مفتوحة إلى الأمين العام المحجوب بن الصديق، تحدث فيها عما تعرض له مرتين من حصص تعذيب في قبو النقابة، وذكر أسماء: عبروق، وقويدر، وعمور (كاتب نقابة البتروليين، الذي تمت ترقيته إلى قيادة المركزية)، وأوّاب (من الشبيبة العمالية)، والمديوني (نقابات القطاع الخاص)، وبوشعيب الريفي (نقابة الضمان الاجتماعي).

يعترف بعض قدماء (ا.م.ش) أن جلادي النقابة كانوا لا يقلون وحشية عن أمثالهم في المعتقلات السرية، من مرؤوسي كبير الجلادين في سنوات الرصاص قدور اليوسفي، رئيس معتقل "درب مولاي الشريف" بالدار البيضاء، والجنرال محمد أوفقير ومحمد العشعاشي في "دار المقري" بالعاصمة. ولعل هذا يستوجب التحقيق في "سنوات رصاص موازية" لعقود الممارسات القمعية لمملكة الحسن الثاني.

دفعت هذه الحادثة الخطيرة بعبد اللطيف منصور إلى الهرب والابتعاد عن النقابة، ولم يقنعه تأسيس مركزية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي أنشأها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة محمد نوبير الأموي، بل ظل منصور ينتقد ما كان يسميه "شعبوية" نوبير الأموي، معترضا "ضرب الوحدة النقابية". الأمر ذاته حصل لمعظم يساريي الجامعة الوطنية للتعليم، الذين قاموا بتجميد جماعي لنشاطهم النقابي قبل إعلانهم الاعتزال، باستثناء محمد بولعيش الذي قدم استقالة مكتوبة من صفوف (ا.م.ش)، قبل مبادرته بتأسيس نقابة بديلة مستقلة خاصة بمهنيي التعليم قبل تقاعده. 

امتلك عبد اللطيف منصور ناصية الكتابة باللغة الفرنسية، يشهد له بذلك من عملوا بجانبه، معجبين بمدى "ثقافته التاريخية الواسعة ولغته الفرنسية الراقية وتماسك أفكاره وقوة حجته"، إضافة إلى "حسن خُلقه وروح الدعابة التي لم تكن تفارقه"، كما يؤكد الصحفي الموريتاني عبد الله العلي، من قناة "فرانس 24"، (الذي مرَّ بأسبوعية "ماروك إيبدو").

بعد فترة من مغادرته النقابة، سيلتقي عبد اللطيف منصور في 1992 بصديقه أبو بكر المنقاشي (توفي قبل سنة)، واحد من أبرز خريجي مدرسة الصحافة العمالية، بل كان أصغر مدير صحيفة في العالم في عقد الستينيات الماضية، تولى مسؤولية إدارة تحرير "مغرب أنفورماسيون" وعمره لم يتجاوز العشرين إلا قليلا. سيعرض المنقاشي على صديقه العمل معه في أسبوعية "ماروك إيبدو" التي كان يرأس تحريرها. ولم يمر وقت طويل حتى أسندت إلى منصور رئاسة تحرير "ماروك إيبدو". وظل المنقاشي حين يذكر أمامه اسم عبد اللطيف منصور يقول ضاحكا إنه "أتى بصديقه فأخذ منصبه".

أبدع منصور في مهنة تتيح له إمكانية المساهمة في التغيير المجتمعي، فأوفى في شغفه بحبها. ومن المواضيع التي أولاها الاهتمام، مسألة الانفراج السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. عندما نظم بمساعدة محمد بولعيش ندوة بمكتب "ماروك إيبدو" بحي "ريفيرا"، حول آفاق اليسار الجديد، استضاف فيها الماركسيين عبد الله زعزاع، وعبد الله الحريف، من سيصبح أول أمين عام لحزب النهج الديمقراطي، وحسن بلكحل، ومحمد الوافي (اليسار الديمقراطي).

مع الوقت، قطع عبد اللطيف منصور تدريجيا صلاته بالعمل السياسي المباشر، ليقدم أوراق اعتماده لمهنة الصحافة- كما كان يقول، لدرجة أن بعض رفاقه السابقين لم يستوعبوا موقفه. وافترض بعضهم أن مالك "ماروك إيبدو"، محمد السلهامي، الصحفي السابق بمجلة "جون أفريك" الباريسية، والمعروف بعلاقاته بالأجهزة، نجح في استقطاب كامل لرئيس التحرير. وتسرع آخرون في وصف رفيقهم بـ"المرتد"، خصوصا بعد نشره مقالات نقدية حادة لتجربة اليسار.

هكذا تحول عبد اللطيف منصور إلى شخصية خلافية، أو إلى صحفي مثير للجدل، بين من يحفظ له سيرته كيساري أصيل ومهني مستقل. وبين من سعى بحنق إلى إلغاء كل تاريخ وأمجاد الرجل بجرة قلم وعثرة لسان.

لم تعد هناك شكوك أن مهنة الصحافة من المهن الخطرة. ففي بلادنا (المغرب) تفضي غالبا بأصحابها إلى مآلات طافحة بالخسران، وبعيدا عن المضايقات والسجن، فإنها تورث التوتر المستمر والأمراض المزمنة، كضغط الدم والسكري وضعف النظر و"ديسك" الظهر. كم من واحد من الزملاء الصحفيين رحل في الأعوام الأخيرة بعد معاناته من الداء الموصوف إنشائيا بـ"العضال"، والحقيقة أن اللفظ ليس طبيا أو علميا، بقدر ما ينطوي على مضامين أخرى تتصل بقساوة الأوضاع الحياتية.  ولن يكون عبد اللطيف منصور آخر ضحايا مهنة المتاعب إلى جانب آخرين، منهم عبد القادر شبيه وعمر الأنواري وخالد مشبال ومحمد الأشهب وعبد الرحمان فضلي ومحمد أديب السلاوي ومصطفى اليزناسني ومحمد بن الصديق وأبو بكر المنقاشي وعبد الله الستوكي وعبد القادر الجمالي... واللائحة مفتوحة على تراب المدافن والنسيان.

مرات أدندن في سري مع محمود درويش: "كان ما سوف يكون"، لكني في نفس الآن أستدرك.. "كان ما ينبغي ألا يكون"!

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).