Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A man reads a newspaper at a stall near the Medina of Rabat, Morocco, Thursday, March 16, 2017. In a highly unusual move,…
كشك لبيع الصحف في مدينة الرباط المغربية-أرشيف

عبد الرحيم التوراني

هكذا، من دون مشيئة منَا نتحول قسرا إلى نُعاةٍ ومدبِّجي مراثي. نتسابق لنعي الأحبة والأصدقاء. ندوِّنُ "يوميّات الحزن العادي"، ونقف فوق أرصفة الفقدان نستجدي المواساة، وقد نقبل نصف تعزية.

أصبحنا كَغِرْبانٍ ندفن كل يوم أصحابا وأحبابا، آخرهم رحل قبل أسبوع، الصحفي عبد اللطيف منصور. وبالرغم من اشتداد المرض عليه فترة طويلة، لم يستطع مغالبة النفس والالتزام بنصائح الطبيب، فقسا على روحه وعذبها أكثر، تعذيب من يكابد "الوعي الشقي".

في عام 1949 فتح عبد اللطيف منصور عينيه على العالم، في وسط اجتماعي مناهض للظلم؟! وصادفت نهاية سنته الجامعية الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، (شعبة التاريخ)، هزيمة "حزيران 1967".

ولأنه كان في المرحلة الثانوية عضوا في "وداديات التلاميذ" التابعة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ا.و.ط.م)، كان طبيعيا أن يستمر في نشاطه بالمنظمة التي سينتخب ضمن قيادتها في عهد رئاسة محمد الخصاصي (آخر سفير للمغرب في دمشق، قبل سحبه في نوفمبر2011، إثر اندلاع الثورة السورية). 

عاش عبد اللطيف منصور أحداث مايو 68 بفرنسا، التي هز إعصارها العالم، في فترة علت فيها رايات المد اليساري وسط الجامعات، مما أدى بالفيلسوف الأميركي هربرت ماركيوز، المعروف بنقده الحاد لـ"الماركسية السوفييتية"، أن يعلن نهاية الدور التاريخي للعمال كطبقة بروليتارية يعول عليها في التغيير، مبشرا بأن الطلاب هم القوى الثورية الجديدة التي سيتم على يدها التحرر الاجتماعي.

في ظل هذه الأوضاع سيطر الطلبة اليساريون على (ا.و.ط.م)، الذي ظل منذ تأسيسه في 1956 تحت هيمنة الطلاب المنتمين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (ا.و.ق.ش). ليجد الملك الحسن الثاني نفسه، وهو الخارج حينها من محاولتي انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972)، أمام "التطرف اليساري"، فواجهه بتطرف قمعي منهجي أشد عنفا وقسوة. بدأ بحظر "ا.و.ط.م" في 24 يناير 1973، واقتياد العديد من أعضائه وقادته المنتمين لتنظيمات ماركسية سرية إلى مراكز التعذيب الرهيبة، وإدانتهم بالسجن لسنوات طويلة، وصلت في حق البعض منهم إلى السجن المؤبد. إنها سنوات الجمر والرصاص يا صديق!

بعد حصوله على الإجازة وعلى شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة، تم تعيين عبد اللطيف منصور أستاذا لمادتي التاريخ والجغرافيا بثانوية ابن تومرت في الدار البيضاء. ليواصل المدرس الشاب، المتحدر من أصول "أولاد احْرِيزْ" (جنوب الدار البيضاء)، نشاطه النقابي بالانضمام إلى الجامعة الوطنية للتعليم، تحت لواء أكبر اتحاد نقابي في البلاد، الاتحاد المغربي للشغل (ا.م.ش)، بزعامة المحجوب بن الصديق. لم تكن سيرة الأخير وراء انتساب منصور لهذه المركزية العمالية العريقة، التي تأسست تحت حراب المستعمر، بل كان هناك يساري شاب يتمتع بكاريزما جذابة، أفلت من قمع سنوات الرصاص ليصبح قياديا في نقابة بن الصديق، هو حسن بنعدي الأمين العام لنقابة الجامعة الوطنية للتعليم، وقد نجح في استقطاب عدد من المدرسين اليساريين للعمل النقابي بجانبه، من بينهم سليم رضوان، ومحمد بولعيش، وعبد الرؤوف فلاح، ونور الدين خمالي، وأمينة بلكَم، ومحمد الحضري، ولكبيرة شطير، ونفيسة بَنْ، وسعيد الزغاوي، وغيرهم من نساء ورجال التعليم المتشبعين بأفكار التغيير. واليوم يجمع كثيرون على الدور الذي تولاه بنعدي في دعم اليساريين داخل نقابة المحجوب بن الصديق، قبل أن يضطر هو نفسه لمغادرتها في سياق مغاير.

عمل الراحل منصور على تعزيز الثقافة النقابية، وساهم في تأسيس نقابات عمالية بإفريقيا. وانضم إلى هيئة تحرير "الطليعة"، الصحيفة الصادرة عن النقابة، وكانت تنشر باللغتين العربية والفرنسية. هنا سيشرع في نسج أولى علاقته المباشرة والعملية بمهنة الصحافة، وستتطور لديه مع رفاقه في الجامعة الوطنية للتعليم، خاصية النقد والانتقاد للممارسات البيروقراطية داخل النقابة، وللزعيم المحجوب بن الصديق نفسه، (عمَّر 55 سنة على رأس المركزية). تجلى ذلك في مبادرة منصور بإنجاز سلسلة مقالات صحفية مليئة بالحقائق والمعلومات الحارقة عن الاختلاسات والاختلالات وتفشي الفساد داخل مؤسسة يشرف على تسييرها نائب الأمين العام لـ (ا.م.ش) محمد عبد الرزاق، هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد تحول النقابي محمد عبد الرزاق "بقدرة قادر" إلى واحد من أصحاب الثراء الفاحش في المغرب.

ولأنه لم يكن واردا بالمطلق نشر ذلك التحقيق الصحفي في صحيفة "الطليعة"، لجأ عبد اللطيف منصور لنشره في يومية "البيان" بالفرنسية، صحيفة الشيوعيين (حزب التقدم والاشتراكية)، تحت إدارة الزعيم علي يعته. لكن نشر تلك الحقائق على الرأي العام كاد أن يودي بحياة عبد اللطيف منصور، الذي نجا من الموت بأعجوبة. عندما كان سيلقى به من شاهق لتحفظ الواقعة كقضية انتحار.
موجز الواقعة أن مجموعة من القبضيات الغلاض الشداد، الذين كانوا يعملون مباشرة تحت إمرة الأمين العام الحالي لـ(ا.م.ش)، تربصوا بعبد اللطيف منصور حتى وصل إلى مكتب الجامعة الوطنية للتعليم بالطابق السابع من عمارة "البورصويين"، (النعت القدحي الذي كان يطلقه المعارضون على نقابة المحجوب بن الصديق، بعد انشقاقه عن حزب (ا.و.ق.ش)، واتهامه بالانحراف النقابي وبتهريب النقابة وبيعها لنظام "المخزن"، خصوصا بعد إطلاقه للشعار المشهور: "الخبز لا السياسة").

فاجأت العصابة منصور، وحملته صوب النافذة عازمين رميه من الطابق السابع، لولا أن نقابيين من قطاع البريد صادف وجودهم بالمكان في تلك الساعة المتأخرة من المساء، سمعوا الصراخ فهرعوا لإنقاذه.

في نفس مبنى المركزية، بشارع الجيش الملكي في الدار البيضاء، تم إعداد قبو خاص لتعذيب المعارضين والمناهضين لتوجهات القيادة النقابية، ومن الأسماء التي كانت تتولى مهمات التعذيب، ترددت أسماء: عبد النبي التجمعوتي، ومصطفى لكحل المعروف بمصطفى مكافح، وبوشعيب الريفي، ومصطفى موافق، ومحمد وهيرة المعروف باسم "البيضاوي"، الذي صرح لنا (إثر وفاة المحجوب بن الصديق في 2010)، أنه حضر بعض جلسات تعذيب لمعارضين للقيادة النقابية، دون المشاركة فيها. رافضا التصريح بمزيد من التفاصيل والحقائق.

 لكنّ أشهر من عُذِّب في أقبية مركز النقابة هو القائد الاشتراكي عمر بنجلون، وكان وقتها قياديا في نقابة البريديين، (اغتيل في ديسمبر عام 1975 أمام بيته في الدار البيضاء). وقد وثق الشهيد عمر بنجلون واقعة اختطافه وتعذيبه في رسالة مفتوحة إلى الأمين العام المحجوب بن الصديق، تحدث فيها عما تعرض له مرتين من حصص تعذيب في قبو النقابة، وذكر أسماء: عبروق، وقويدر، وعمور (كاتب نقابة البتروليين، الذي تمت ترقيته إلى قيادة المركزية)، وأوّاب (من الشبيبة العمالية)، والمديوني (نقابات القطاع الخاص)، وبوشعيب الريفي (نقابة الضمان الاجتماعي).

يعترف بعض قدماء (ا.م.ش) أن جلادي النقابة كانوا لا يقلون وحشية عن أمثالهم في المعتقلات السرية، من مرؤوسي كبير الجلادين في سنوات الرصاص قدور اليوسفي، رئيس معتقل "درب مولاي الشريف" بالدار البيضاء، والجنرال محمد أوفقير ومحمد العشعاشي في "دار المقري" بالعاصمة. ولعل هذا يستوجب التحقيق في "سنوات رصاص موازية" لعقود الممارسات القمعية لمملكة الحسن الثاني.

دفعت هذه الحادثة الخطيرة بعبد اللطيف منصور إلى الهرب والابتعاد عن النقابة، ولم يقنعه تأسيس مركزية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي أنشأها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة محمد نوبير الأموي، بل ظل منصور ينتقد ما كان يسميه "شعبوية" نوبير الأموي، معترضا "ضرب الوحدة النقابية". الأمر ذاته حصل لمعظم يساريي الجامعة الوطنية للتعليم، الذين قاموا بتجميد جماعي لنشاطهم النقابي قبل إعلانهم الاعتزال، باستثناء محمد بولعيش الذي قدم استقالة مكتوبة من صفوف (ا.م.ش)، قبل مبادرته بتأسيس نقابة بديلة مستقلة خاصة بمهنيي التعليم قبل تقاعده. 

امتلك عبد اللطيف منصور ناصية الكتابة باللغة الفرنسية، يشهد له بذلك من عملوا بجانبه، معجبين بمدى "ثقافته التاريخية الواسعة ولغته الفرنسية الراقية وتماسك أفكاره وقوة حجته"، إضافة إلى "حسن خُلقه وروح الدعابة التي لم تكن تفارقه"، كما يؤكد الصحفي الموريتاني عبد الله العلي، من قناة "فرانس 24"، (الذي مرَّ بأسبوعية "ماروك إيبدو").

بعد فترة من مغادرته النقابة، سيلتقي عبد اللطيف منصور في 1992 بصديقه أبو بكر المنقاشي (توفي قبل سنة)، واحد من أبرز خريجي مدرسة الصحافة العمالية، بل كان أصغر مدير صحيفة في العالم في عقد الستينيات الماضية، تولى مسؤولية إدارة تحرير "مغرب أنفورماسيون" وعمره لم يتجاوز العشرين إلا قليلا. سيعرض المنقاشي على صديقه العمل معه في أسبوعية "ماروك إيبدو" التي كان يرأس تحريرها. ولم يمر وقت طويل حتى أسندت إلى منصور رئاسة تحرير "ماروك إيبدو". وظل المنقاشي حين يذكر أمامه اسم عبد اللطيف منصور يقول ضاحكا إنه "أتى بصديقه فأخذ منصبه".

أبدع منصور في مهنة تتيح له إمكانية المساهمة في التغيير المجتمعي، فأوفى في شغفه بحبها. ومن المواضيع التي أولاها الاهتمام، مسألة الانفراج السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. عندما نظم بمساعدة محمد بولعيش ندوة بمكتب "ماروك إيبدو" بحي "ريفيرا"، حول آفاق اليسار الجديد، استضاف فيها الماركسيين عبد الله زعزاع، وعبد الله الحريف، من سيصبح أول أمين عام لحزب النهج الديمقراطي، وحسن بلكحل، ومحمد الوافي (اليسار الديمقراطي).

مع الوقت، قطع عبد اللطيف منصور تدريجيا صلاته بالعمل السياسي المباشر، ليقدم أوراق اعتماده لمهنة الصحافة- كما كان يقول، لدرجة أن بعض رفاقه السابقين لم يستوعبوا موقفه. وافترض بعضهم أن مالك "ماروك إيبدو"، محمد السلهامي، الصحفي السابق بمجلة "جون أفريك" الباريسية، والمعروف بعلاقاته بالأجهزة، نجح في استقطاب كامل لرئيس التحرير. وتسرع آخرون في وصف رفيقهم بـ"المرتد"، خصوصا بعد نشره مقالات نقدية حادة لتجربة اليسار.

هكذا تحول عبد اللطيف منصور إلى شخصية خلافية، أو إلى صحفي مثير للجدل، بين من يحفظ له سيرته كيساري أصيل ومهني مستقل. وبين من سعى بحنق إلى إلغاء كل تاريخ وأمجاد الرجل بجرة قلم وعثرة لسان.

لم تعد هناك شكوك أن مهنة الصحافة من المهن الخطرة. ففي بلادنا (المغرب) تفضي غالبا بأصحابها إلى مآلات طافحة بالخسران، وبعيدا عن المضايقات والسجن، فإنها تورث التوتر المستمر والأمراض المزمنة، كضغط الدم والسكري وضعف النظر و"ديسك" الظهر. كم من واحد من الزملاء الصحفيين رحل في الأعوام الأخيرة بعد معاناته من الداء الموصوف إنشائيا بـ"العضال"، والحقيقة أن اللفظ ليس طبيا أو علميا، بقدر ما ينطوي على مضامين أخرى تتصل بقساوة الأوضاع الحياتية.  ولن يكون عبد اللطيف منصور آخر ضحايا مهنة المتاعب إلى جانب آخرين، منهم عبد القادر شبيه وعمر الأنواري وخالد مشبال ومحمد الأشهب وعبد الرحمان فضلي ومحمد أديب السلاوي ومصطفى اليزناسني ومحمد بن الصديق وأبو بكر المنقاشي وعبد الله الستوكي وعبد القادر الجمالي... واللائحة مفتوحة على تراب المدافن والنسيان.

مرات أدندن في سري مع محمود درويش: "كان ما سوف يكون"، لكني في نفس الآن أستدرك.. "كان ما ينبغي ألا يكون"!

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف
تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف

د. عماد بوظو

في مثل هذا اليوم قبل إثني عشر عاما كان هناك شاب تونسي في السادسة والعشرين من عمره يرقد في المستشفى بعد أن أحرق نفسه احتجاجا على صفع شرطية له أمام عشرات الشهود ومصادرة عربة الفواكه التي تمثّل مصدر رزقه الوحيد، بكى حينها الشاب من شدة خجله، وقال للشرطية: لماذا تفعلين هذا بي، أنا إنسان بسيط لا أريد سوى أن أعمل، ثم حاول تقديم شكوى للبلدية دون نتيجة، فأضرم النار في نفسه، وتوفّي بعد عدة أيام، هذه هي قصة، محمد البوعزيزي، الذي كان موته الشرارة التي أشعلت عدة ثورات ضد أنظمة حكم ديكتاتورية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كانت تتعمد إهانة مواطنيها لقناعتها بأنها لا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا عبر زرع الخوف في قلوب الشعب. 

في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن إهانة هذا الشاب ستنهي حكم، زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، في الموجة الأولى، وحكم عمر البشير، وعبد العزيز بوتفليقة، في الموجة الثانية، بحيث لم يبقَ من تلك الأنظمة اليوم سوى سلطة شكليّة لبشار أسد على بلد منقوص السيادة، خصوصاً لأن جميع هؤلاء الرؤساء وبعد عقود من السلطة المطلقة توصّلوا إلى قناعة باستحالة تجرّؤ الشعب على الثورة ضدهم حتى بلغ الاستهتار عند بعضهم إلى حد محاولة تمهيد الطريق لتوريث الحكم لأولادهم. 

وقد أدت هذه الثورات إلى غرق الدول التي كانت مؤسسات الدولة فيها ضعيفة مثل ليبيا وسوريا واليمن في الفوضى حتى اليوم، بينما شهدت دول أخرى بدايات تحوّل نحو نظام ديمقراطي، ففي مصر تم إجراء أول انتخابات بعد الثورة فاز فيها بأغلبية بسيطة مرشح للإخوان المسلمين وسرعان ما ثار الشعب المصري على حكم هذا التنظيم وتمكّن من إسقاطه بعد عام واحد لأنه لا يملك برنامجاً للحكم. 

وأجريت انتخابات فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وكان من الممكن أن تتابع الأوضاع سيرها نحو التحوّل الديمقراطي لكن تعديلات "دستورية" تم إقرارها عام 2019 قضت على أي أمل بتحقيق ذلك، لأنها فتحت الباب لبقاء الرئيس السيسي في الحكم لستة عشر عاما متواصلة من عام 2014 حتى عام 2030، وترافقت هذه التعديلات مع استفراد مؤسسة الرئاسة بالسلطة وغياب دور أجهزة الدولة وتراجع غير مسبوق في هامش الحرّيات. 

وفي السودان انقلب المكوّن العسكري على المكوّن المدني في سعي للانفراد بالحكم رغم تواصل الاحتجاجات الشعبية ضده ورغم الرفض الدولي الواسع له، وفي الجزائر بعد عزل بوتفليقة وعائلته عام 2019 والتي كان من الممكن أن تشكّل بداية تحول سياسي حقيقي توفّي رئيس الأركان وقتها، قايد صالح، بأزمة قلبية مما أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاجات. 

وفي يوليو من عام 2021 اكتملت انتكاسات التحوّل الديمقراطي في تونس عندما قام الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة وحصر السلطة في يده تحت شعار إصلاح مسار الثورة بينما رأت فيه المعارضة والمنظمات الدولية إنقلابا على الثورة، وعندما أقال قيس سعيد 57 قاضيا بتهمة الفساد وحماية الإرهابيين ضمن ما أسماه تطهير القضاء عقّب الناطق باسم الخارجية الأميركية "بأن إجراءات التطهير تشير إلى نمط مُقلق من التصرفات التي تقوّض المؤسسات الديمقراطية المستقلة في تونس". 

وترافق انفراد قيس سعيد بالسلطة مع زيادة في إنهيار الوضع الإقتصادي والمعيشي تظاهر في عجز غير مسبوق في الميزان التجاري وارتفاع نسبة التضخّم وزيادة المديونيّة مع نقص السلع الغذائية الأساسية والوقود أدّت إلى زحام وفوضى في الأسواق وارتفاع في الهجرة غير الشرعية عبر القوارب إلى أوروبا وما رافقها من غرق عشرات الشباب. 

ولا يستطيع الرئيس قيس سعيد إلقاء اللوم في ما يحدث في تونس على أحد سواه، فهو صاحب السلطة المطلقة الذي قاد البلد إلى ما هي عليه اليوم ولذلك فقد تأييد أغلب القوى السياسية حتى تلك التي ساندته في البداية، وفي محاولة لإضفاء شرعية على حكمه دعا إلى إجراء انتخابات برلمانية، ولكن الشعب قاطعها وعلّقت وكالة رويترز، "لقد أظهر التونسيون اهتماما قليلا بالتصويت نتيجة النظرة إليها كتتويج لسعي شخص واحد للانفراد بالسلطة في بلد تخلّص من الديكتاتورية عام 2011"، وتراوحت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بين 8.8 في المئة كما قالت البيانات الرسمية في الأيام الأولى للانتخابات وبين 11.22 في المئة كما قالت في البيان النهائي، وهي في الحالتين نسبة مشاركة منخفضة بشكل قياسي. 

ولا تقتصر حالة الاستياء الشعبي في تونس على قيس سعيد وإجراءاته وقراراته غير المدروسة بل تشمل كذلك أحزاب المعارضة وخاصة الإسلامية ولذلك علّقت نسبة من التونسيين آمالها على الاتحاد العام للشغل الذي حافظ خلال الفترة الماضية على مواقف متوازنة، إلى أن أوضح أخيرا رفضه لهذه الانتخابات واصفاً إيّاها بأنها "بلا طعم أو لون وجاءت نتيجة دستور لم يكن تشاركياً ولا محل إجماع أو موافقة الأغلبية"، وبعد صدور النتائج قال الاتحاد إن "التدنّي الكبير في نسبة المشاركة يفقدها المصداقية والشرعية وأنه يعكس موقفاً شعبياً رافضاً لهذه الإجراءات وعزوفاً واعياً عن مسار متخبّط لم يجلب للبلاد سوى المزيد من المآسي والمآزق بدايةً من التغيير القسري للدستور باتجاه حكم رئاسي منغلق يشكّل تربة صالحة للاستبداد وحكم الفرد". 

ونسبة المشاركة المنخفضة هذه تذكّر بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر حيث قالت الأرقام الرسمية وقتها إن نسبة المشاركة فيها كانت 28 في المئة ورغم أن هذه النسبة منخفضة ولكن جورج إسحق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قال إنه "جرى تبديل أصوات وإضافة عشرات آلاف الأصوات لبعض المرشحين بما يذكّر بانتخابات عام 2010 والتي كانت من أسباب الثورة"، بما يوحي بأن النسبة الحقيقية للمشاركين في الانتخابات المصرية لا تختلف كثيراً عن نسبة المشاركين بالانتخابات التونسية الأخيرة نتيجة معرفة الشعب بأنها انتخابات صوريّة هدفها إضفاء شرعية على أنظمة حكم بعيدة عن الديمقراطية. 

والذريعة الرئيسية التي يقدّمها هؤلاء الرؤساء للانفراد بالسلطة هو الخطر المزعوم للإسلاميين مع أن شعبية الإسلاميين قد انخفضت بشدة خلال السنوات الأخيرة ففي تونس تراجعت مقاعدهم في البرلمان من 89 مقعدا في أول برلمان منتخب عام 2011 الى 52 مقعدا في آخر انتخابات عام 2019 لأنهم لا يملكون حلولاً لمشاكل البلد فهم مجرّد حزب مكانه الطبيعي في المعارضة حيث يردّد شعارات غامضة ليس لها أي معنى مثل الإسلام هو الحل ويعتاش في مقاعد المعارضة على الأكسجين الذي تزوّده به أنظمة الحكم الفردية من خلال فشلها وممارساتها القمعية. 

والتذكير اليوم بحادثة البوعزيزي قد ينبّه الرؤساء الذين يحاولون العودة ببلادهم إلى الحكم الديكتاتوري أن الشعوب اليوم تعرف قوتها، وأن سبب صبرها هو أنها أكثر وعياً من حكامها وتريد تجنّب الفوضى، لأن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية أصبحت أسوأ بما لا يقاس من أيام البوعزيزي، وأي انفجار يحدث في مثل هذه الظروف قد يحمل مخاطر جسيمة، وحتى لا يقع هذا الانفجار ربما من الأفضل لهؤلاء الحكّام الاستماع إلى ما قاله رئيس الاتحاد العام للشغل في تونس للرئيس قيس سعيد "لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في إدارة البلاد ويجب العمل على خارطة طريق للإنقاذ"، لأن هذه الجملة يمكن أن تُقال لهم جميعا لأن انفرادهم في السلطة وقراراتهم غير المدروسة لم تؤدي سوى إلى مآس وأزمات لم يسبق لها مثيل. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).