Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

رحيل الملكة إليزابيث الثانية، بعد سبعين عاما على العرش، أثار جدلا واسعا حول مستقبل "الملكية" في بريطانيا
رحيل الملكة إليزابيث الثانية أثار جدلا واسعا حول مستقبل "الملكية" في بريطانيا

عريب الرنتاوي

أطلق رحيل الملكة إليزابيث الثانية عن الحياة، بعد سبعين عاما قضتها على رأس العرش الذي كان "إمبراطوريا" ذات يوم، شرارة جدل ساخن حول مستقبل "الملكية" في بريطانيا، تولت "بي بي سي" نقل الكثير من فصوله ووقائعه تباعا خلال الأيام التي أعقبت الوفاة وسبقت الدفن، ليمتد النقاش إلى مساحة أوسع وأبعد، وليطاول "مستقبل "الكومونولث" والملكيات العربية"، ولتنخرط فيه تيارات واتجاهات مؤيدة ومعارضة للنظام الملكي، ولتعرض على منصّاته، مختلف الآراء، من أكثرها سذاجةً وتزلفاً إلى أشدها تطرفاً و"انقلابيةً".

في بريطانيا، الجدل حول مدى ملاءمة النظام الملكي وجدواه وكُلَفه، سابق لرحيل الملكة، وثمة تيار يمكن نعته بـ "الجمهوري" مبثوث بين مختلف الأحزاب والأوساط (من بينه زعيمة المحافظين ورئيسة الحكومة الحالية ليز تراس)، والمؤكد أن هذا الجدل سيستمر، وربما يحتدم، بعد رحيلها، وعندما تهدأ عاصفة المراسم والمشاعر، وتحلٌّ لحظة الحقيقة الفاصلة لجيلين أو أكثر من "الإنكليز".

إذ بات من المؤكد اليوم، وبعد كل ما رأيناه من على هامش مراسيم توديع إليزابيث الثانية، أن وجودها "الشخصي" على رأس العرش، بمؤهلاتها ومواهبها وخبراتها المتراكمة، هو ما أسهم في "لجم" السجالات حول مستقبل الملكية في بريطانيا طوال السنوات والعقود الفائتة، فيما باب التكهنات سيُفتح بعدها على مصراعيه، وسط شكوك متزايدة، بأن نجلها الأكبر، وخليفتها، سيجد صعوبة "ملء فراغها"، وهو أمر سيتلقفه "جمهوريو بريطانيا" بشغف، وسيجعل حياة أنصار الملكية، أصعب كثيراً.

أهل إنكلترا وويلز، لديهم تفضيلاتهم المختلفة حول مستقبل الملكية في بلادهم، وما إن كان يتعين عليهم الاستمرار في حفظ تراثها وتقاليدها المتوارثة لقرون، أم أنه بات عليهم الالتحاق بعصر الجمهوريات الديمقراطية الحديثة… لكن أهل اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، لديهم أسبابا إضافية، تدفعهم للتفكير ملياً وجدياً، لا بمستقبل علاقاتهم بـ"الملكية" كنظام حكم فحسب، بل وببقائهم في إطار المملكة المتحدة ذاتها كذلك، سيما وأن أنصار انفصال اسكتلندا باتوا اليوم يشكلون أغلبية السكان، فيما المسألة الإيرلندية، ستُبعث من جديد، بعد "البريكست"، وفي مناخات تبتعد بإيرلندا الشمالية عن إنكلترا وويلز، وتقربها من إيرلندا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.

والجدل الذي أطلقه رحيل الملكة، طاول بلدان الكومونولث، والمستعمرات السابقة، فثمة نقاش في نيوزيلندا وأستراليا حول البقاء تحت مظلة التاج البريطاني أو الخروج عنها، وثمة نقاش لا يقل احتداماً في مستعمرات سابقة من الكاريبي إلى القارة السوداء، أقل وزنا وحضوراً على ساحتي السياسة والاقتصاد الدوليتين.

وما لم يعمد الملك الجديد إلى استحداث ثورة في علاقات التاج البريطاني مع مستعمراته القديمة، والدول الدائرة في فلكه حالياً، من نوع "تقديم الاعتذار" عن الحقبة الكولونيالية الغابرة وما رافقها من جرائم وسلب للثروات ونهب للخيرات، مشفوعاً بالتعويضات المناسبة، وإن على شكل سداد الديون أو إسقاطها، فضلاً عن إعادة نظر جذرية في قواعد العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، فهيهات أن ينجح في حفظ عرش بلاده داخلها وفي مجالها الحيوي، وتلكم مهمة شاقة على أية حال، وليس الملك هو صاحب القرار الأول والأخير بشأنها.

مستقبل الملكيات العربية
في ندوة مغلقة، نظمها مركز القدس للدراسات السياسية قبل ست سنوات، في شمال إيطاليا (حيث تعذر إيجاد مكان آمن لعقدها في العالم العربي)، جرت مناقشة ثنائية الإصلاح والاستقرار في "نادي الملكيات العربية" الثمانية، جاء ذلك في ذروة انتفاضات "الربيع العربي" واحتجاجاته… ومما قيل في مداولات تلك الندوة، أن مستقبل هذه الملكيات يُقرره عاملان رئيسان (من بين عوامل أخرى)، يختلف وزنيهما باختلاف هذه الملكية عن تلك:

الأول؛ ويتعلق بقدرة هذه الملكيات على التكيف مع مندرجات "ملكية دستورية"، كأن يبدأ الملك بالتخلي شيئاً فشيئاً عن سلطاته وصلاحياته المطلقة، لصالح حكومات وبرلمانات منتخبة من الشعب وممثلة له، وفي ظل ملكية برلمانية، يملك فيها الملك ولا يحكم، أي على الطراز البريطاني، حتى وإن اقتضت العملية المرور في مسار انتقالي، يطول أو يقصر… وهنا انصب التركيز أولاً على المغرب والأردن، لافتقارهما للريع النفطي من جهة، ولقابلية النظامين الملكيين الأعلى على التكيف من جهة ثانية، ولم تستثنَ جميع الممالك والإمارات الخليجية من هذا المسار، بل جرت الإشارة للكويت وعُمان والبحرين، بالدرجة الثانية، بوصفها ملكيات قابلة للانخراط فيه.

والعامل الثاني؛ الاقتدار المالي لهذه الملكيات الريعية، وقدرتها على إدارة علاقة "زبائنية" بين الدولة ومواطنيها، واستمرار طاقتها على استيعاب وتلبية احتياجات الأجيال الشابة، للتعليم والصحة والعمل والرفاه، نظير تسليمها بحقوقها السياسية لـ"ولي الأمر والنعمة"... هنا انصب ترجيح المشاركين والمشاركات من الدول الثمانية، على أن نظام "البيعة" و"السمع والطاعة" المتوارث، رهن باستمرار تدفق الريع النفطي، وفي اللحظة التي سيعاد فيها ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس جديدة، ستجد الملكيات نفسها مطالبة بالتجديد والتغيير من قبل "دافعي الضرائب"، وسيكون أمامها خيارين اثنين، لا ثالث لهما: إما التكيف الصعب مع ضرورات "عقد اجتماعي" جديد، وصولاً لملكية دستورية مقيّدة، أو مواجهة سيناريوهات الثورة والفوضى والانقلاب.

وبالعودة إلى حوارات "بي بي سي" المفتوحة، فقد عقدت الدهشة ألسنة مواطنين من "نادي الملكية" شاركوا فيها، عندما علموا بأن رئيسة وزراء بريطانيا، زعيمة المحافظين، وآخر مسؤول سياسي (من خارج العائلة) تلتقيه الملكة قبل رحيلها بثلاثة أيام فقط، كانت من أشد المدافعين عن "المستقبل الجمهوري لبريطانيا"، ومن أكثر الساخرين من "الحق الإلهي" في تولي العرش، لمجرد أن "شخصاً ما" ولِدَ لعائلة ملكية… المواطنون المشار إليهم، يعرفون "سلسلة الحكم والوراثة" في بلدانهم، وهي لا تختلف كثيراً عن مثيلتها في بريطانيا، وهم يعرفون الفرق بين ملكيات دولهم والملكية البريطانية… لكنهم ما كانوا يتخيلون أن سيدة تناهض الملكية، وتدعو لاستبدالها بنظام جمهوري، يمكن أن تتقلد أعلى منصب تنفيذي في بلادها، من دون أن تتراجع عن أقوالها، ومن دون أن يُرمى بها وراء الشمس، هذا لا يحدث في "نادي ملكياتنا"، وإن كان من تاريخ "مُعارض" لمن يتولى الوظيفة العمومية في بلداننا، فعليه أن يتخلى عنه، ويعتذر، وأن يبرهن صبح مساء، بأنه كان ولداً عاقاً، وأنه "أسلم بعد جاهلية، وحَسُنَ إسلامه"، وبعد ذلك يمكن النظر بعين العطف لمستقبله الشخصي والسياسي. 

صحيح أن تجربة الملكيات في بلداننا كانت "على العموم"، أفضل من كثيرٍ من "الجمهوريات"، فالأولى، وإن لم تحمل على أكتافها الشعار القومي – التحرري المناهض للاستعمار والإمبريالية، إلا أنها حفظت على الأقل، الأمن والاستقرار وحققت قدراً من التنمية والرفاه، ساعدها أن معظمها نفطية وثرية، أما الثانية، فقد حملت هذه الشعارات وأخفقت في ترجمتها، وبعضها حباه الله ما حبا أغنى الملكيات من نعمة في باطن الأرض، فلم تستغلها في تحسين حياة مواطنيها وأهدرتها في مستنقعات الفساد والإفساد والحروب والمغامرات، فكانت كالمنبّت، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

لا يعني ذلك أن الفساد والإفساد والمغامرات والحروب و"تصدير النفوذ بدل الثورات" اقتصر على الجمهوريات "الثورية"، فبعض الملكيات تورط في كل هذه "الموبقات" من الرأس حتى أخمص القدمين، سيما في السنوات العشر الأخيرة، بل وذهب حتى نهاية الشوط، في كل ما يعاكس المشروع التحرري والقومي العربي، وانقلب رأساً على عقب، على كل ما تربت عليه أجيالٌ متعاقبة من المواطنين العرب… بؤس الجمهوريات وفشلها، لم يكن يوماً، ولن يكون، مبرراً للإسفاف والتهافت اللذين ميّزا سياسات بعض العواصم الملكية العربية.

في كل الأحوال، ضرب زلزال "الربيع العربي" الجمهوريات العربية بأعلى تدرجات "ريختر" التي نعرفها، واستثنى الملكيات، أو حلّ عليها خفيفاً: المغرب، الأردن، عُمان وبدرجة أعلى: البحرين… لكن ذلك لن يكون "بوليصة تأمين" للملكيات العربية، وهي اليوم، كما في الأمس، مطالبة بشق طرق الإصلاح المتدرج، على أن تضع نصب أعينها أن المستقبل الوسيط للملكيات الدستورية، فيما المستقبل البعيد، قد لا يكون فيه متسعاً للملكيات بمختلف أشكالها، وأن التغيير قادم، إن لم يكن الآن، فبعد سنوات أو بضعة عقود، ومن مصلحة الملكية والمواطنين، من مصلحة الدول والشعوب والمجتمعات العربية، أن تلج طريق الانتقال السلمي – المتدرج، بدل المقامرة بدخول مستنقعات الفوضى والثورة وحمامات الدماء، فزمن "البيعة" و"السمع والطاعة" و"الراعي والرعية" ولّى منذ زمن بعيد، ونحن متخلفون عن النهضة والأنوار و"العقد الاجتماعي" ثلاثة قرون، ورحيل الملكة إليزابيث الثانية وما أعقبه من جدل، وما سيترتب عليه من تداعيات، تذكير إن نفعت الذكرى.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).