Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قوارب صيد راسية على شاطئ لبناني | Source: MBN
قوارب صيد راسية على شاطئ لبناني | Source: MBN

حسن منيمنة

كان الغرض من الاستعانة بحالة "أحمد" في مقال سابق هو التمييز بين مستويين خاص وعام، في متابعة موضوع الهجرة، أو اللجوء أو "الغزو"، وذلك لإظهار أن القرارات الخاصة، والتي تحركها اعتبارات المعيشة والمستقبل والأولاد، ليست إجمالا معنية بالسجال السياسي والفكري والذي تبنى عليه المواقف العامة، أكانت مبدئية أو شعبوية أو وجودية.

على أن "أحمد" تحول، بفعل متابعة رحلته، من شأن جانبي، إلى الموضوع كلّه. "أحمد" عقد العزم على الرحيل من لبنان إلى بريطانيا، تصحبه زوجته "وصال"، وابنته الشابة "ياسمين" (١٧ سنة)، وابنه الطفل "شريف" (١١ سنة)، وابنته الطفلة "نادين" (٧ سنوات). ابنه "رائد"  (٢٠ سنة)، سبق الجميع إلى لندن، هروبا من أوكرانيا حيث كان يدرس (الأسماء هنا كلها مستعارة والأعمار تقريبية).

قبيل الرحيل، ربما كانت "نادين" الأكثر حماسا، إلا أن اعتماد الجميع كان على "أحمد"، وهو الذي اتّسم دوما بالحرص على متابعة أدق التفاصيل، في عمله كما لرعاية أسرته.

الرحلة، المدفوع أجرها مقدما، بدأت جوا إلى مصر، ومنها برا عبر الحدود الليبية إلى طرابلس، أي ما تطلب عبور خطوط التماس بين الفصائل المتقاتلة في ليبيا. لا بأس، فالمسهلون على علاقة نفعية متبادلة مع الجميع. وبالفعل تم اجتياز الحواجز ووصلت المجموعة بكاملها إلى دار الضيافة في طرابلس. كان "أحمد" وأسرته ذاهبون في مسعاهم بصحبة أقارب لهم عديدين، والهدف الاستقرار في المنفى الطوعي (القسري؟) بما يحفظ بعض أواصر القربى بعد أن تشتت معظمها نتيجة دمار الوطن.

في طرابلس الليبية، ظهرت بعض المصاعب. خلال مكالمة هاتفية مع أحد المقربين إليه في بيروت، كان الانفعال جليا في صوت "أحمد". يبدو بأن مسهلي العبور البحري لم يفوا بوعودهم. "أحمد" ومن معه يتوقون لاجتياز البحر وصولا إلى إيطاليا، ولكنهم يصرون على أن يكون المركب بالمواصفات الآمنة المتفق عليها.

ليس واضحا متى وكيف غير "أحمد" رأيه ورضي بما قدمه له المسهلون من قارب آخر بدلا عن ذاك الذي كان قد تعاقد معهم عليه على أساس الصورة والأمان. غير أنه كان ثمة مواساة من دون شك بأن الجميع يرتدي سترات النجاة، تحسبا للأسوأ.

أبحروا ليلا. لم يطل إبحار المركب طويلا. وعلى مسافة قصيرة من الساحل الليبي، حصل هذا الأسوأ الذي كان التحسب له. غرق المركب.

"أحمد" النشط، "أحمد" الرياضي، "أحمد" الزوج الوفي العاشق لزوجته إلى منتهى العشق، "أحمد" الأب المتفاني الباذل كل ما بوسعه كرامة لعيون أولاده. ماذا فعل في هذه الدقائق الحرجة؟ ماذا جرى يا "أحمد"؟

خفر السواحل، أو ما يقوم مقامه، وصله نداء الاستغاثة المرسل عبر الهاتف من المركب. أرسل الزوارق لانتشال المنكوبين. أنقذ منهم الكثيرين. الشابة "ياسمين" إحداهم، وشقيقتها الطفلة "نادين". والكثير من الأقارب. ولكن أين الوالد، أين الوالدة، أين الشقيق "شريف"؟ لا بأس أيتها العزيزتين، أعمال الإنقاذ تستمر أياما. حافظا على الرجاء والأمل وأكثرا من الدعاء. هيا إلى بر الأمان، اتصلا بمن تشاءان. طابت أيادي هؤلاء المنقذين.

الشابة وشقيقتها الطفلة، مع الأقارب، عند الشاطئ، تنتظران. تمر الساعات الطويلة. ثم يأتي الخبر الأول. "شريف"، الطفل المشاغب، لن يشاغب بعد اليوم. جثة عائمة انتُشلت من المياه. حال الكبار، من الأقارب المصدومين هنا، الترحم على روحه والرضا بالقضاء والقدر. ما حال "نادين"؟ معه كان ذهابها كل صباح إلى المدرسة، معه كان اللعب. هو الأقرب إليها سنا، هو وهي لم يعرفا من العالم إلا بيروت. هي اليوم، عند أول خروج لها منها، معه، دونه. من هول الصدمة، هل هي قادرة أن تميز بين حزنها وجلها ألمها على شقيقها صديقها رفيقها وبين قلقها رعبها خوفها على والديها؟ ماذا يدور في خاطرك أيتها الطفلة. أي ألم هذا الذي لم يعلمك لا والديك ولا مدرستك ولا مدينتك كيف تمسكين به؟

ثم يأتي الخبر الثاني. فرق الإنقاذ قد تمكنت من انتشال بعض الأحياء. اصبروا قليلا، لا بد من استجوابهم، لا بد من أخذ إفاداتهم. (لماذا؟).

"أحمد" بالتأكيد هو أحدهم. لا شك بأنه اندفع لإنقاذ "وصال" و"شريف". ربما أن التيار جرف "شريف" في الظلام. ولكن لا شك أن "أحمد"، وهو أقوى من كان على المركب رغم قصر قامته، قد نجا ومعه "وصال". كلها ساعات قليلة ويأتيان.

لا. الساعات مضت، ليأتي اليقين بأن "أحمد" و"وصال" ليسا من عداد آخر الناجين الذين انتشلهم فريق الإنقاذ. عندها تذكرت "ياسمين"...

قسما، قسما، رددت الشابة، رأيت سفينة سوداء كبيرة كانت خلفنا. هي أيضا سفينة عبور. لا شك بأن طاقمها وركابها قد رصدوا والدي ووالدتي وأنقذوهما من الغرق. لا شك بأن والدي ووالدتي هما الآن داخل نقطة الوصول عند الشواطئ الإيطالية. الإجراءات لا تسمح لهم بأن يتواصلوا مع أحد قبل أن يتم تسجيلهم، تدوين أسمائهم وتبين هوياتهم. هي إجراءات طويلة معقّدة. علينا الانتظار. ربما ساعات، بل أيام. علينا الانتظار.

انتظري أيتها الشابة الحسناء. عسى هذا الانتظار يسمح لك باستجماع العزم والقوة لتتمكني من مساعدة شقيقتك الطفلة. على البكاء. على النجاة.

تجري الترتيبات لإعادة "ياسمين" و"نادين" إلى بيروت. هكذا أفاد الأقرباء. كيف يكون ذلك، وفق أية مستندات؟ هل ما زالت الأوراق الثبوتية معهما، أم هل ضاعت في عداد ما ضاع في البحر؟ والعودة إلى بيروت، إلى أين تحديدا؟ "ياسمين" مخطوبة لشاب مقيم في بريطانيا، يقال إنه "نظامي"، أي مستوف لكل شروط الإقامة. كان بوسعها الانتظار إلى أن يستكمل خطيبها إجراءات الهجرة لها. ولكنها شاءت مصاحبة أهلها في رحلتهم، كي لا تبقى وحيدة في بيروت. هل تعود إلى بيروت؟ هل يصدق خطيبها؟ وهل ينجح باستقدامها إلى بريطانيا؟ وماذا تفعل عندها "نادين"؟ ما الذي ستفعله "نادين"؟ أي مستقبل لـ "نادين"؟

أين أنت يا "أحمد"؟ هل أنت في مركز استقبال إيطالي، ومعك "وصال" تنتظران إتمام اللازم من المعاملات ليسمح لكما الاتصال والاطمئنان إلى ابنتيكما؟ أم هل أنك، في تلك الدقائق الأخيرة، قد استمتّ لإنقاذ "وصال" و"ياسمين" و"شريف" و"نادين"، وكان ما كان؟

أنت الأدرى بصالح عائلتك يا "أحمد". ليس بوسع أحد أن يلومنّك ويقول لك حذرّتك من الغرق، حذرّتك من غدر المسهّلين، ومن غدر القدر. فأنت كنت على علم كامل بأن في الأمر مجازفة، مخاطرة، تهلكة. وساعة اخترت أن تخاطر، فلأنك وزنت أن في البقاء موت وفي الذهاب موت. وحقّ لك ما فعلت.

إنما اللوم على بلاد الظلام التي غادرتها يا "أحمد". في مسقط رأسك، يختال الطاغية متجولا في خراب بلاد سحقها ليبقى. رغم أنه هو المسحوق، يأتيه طاغية أكبر منه فلا يسمح له بالاقتراب من المنصة، أو يُجلسه، هو أو أحد أعوانه لا فرق، على كرسي أطفال. تباً له ولمن يعذره. الأمس واليوم وكل يوم.

وفي دارك، في بيتك، في لبنانك، يتناتش المتخمون حتى الفزر كل فتات يرسلها المشفقون للجياع. 

يحكى أن سفير بلاد بعيدة كانت سيداتها الفاضلات يأتين لبنان طلبا للعمل خادمات في المنازل، ويطالهن من الإهانات ما يستوجب الخجل، لا خجلهن هن بل عار من أهانهن، جاء هذا السفير إلى رئيس البلاد متألما لفاجعة تسبب بها الإهمال والجشع والتقصير والقصور، وهال لهولها العالم، فقدّم للمنكوبين فخر بلاده، أكياس من الشاي، عسى أن يتواسى من خسر الغالي أنه في العالم من يتذكره ويريد له الخير. فما كان من هذا الرئيس المحشو إلا أن وزّع المغانم على حاشيته. تباً له ولكل من يعتذر له.

لا يلومنّك أحد يا "أحمد" إن أنت تركت هذه البلاد بحثا عن الكرامة في غيرها. لا يلومنّك أحد إن أنت فضلت أن تبتلع ظلام هذا البحر على أن يذوق أولادك ظلم هؤلاء الناس.

من مكان ليس بعيد من مسقط رأسك يا "أحمد" عاش من دعانا يوما أن نخفّف الوطء إذ يظن أديم الأرض من أجساد من رحل. ربما صح أن نصغي للبحر يا "أحمد"، إذ كم من شريف يحمل رذاذ موج هذا البحر صدى أنفاسه.

تبقى "نادين" يا "أحمد". عُد لها يا رجل إن استطعت إليها سبيلا. وإن لم تفعل، فإنك تبقى و"وصال" فيها وفي إخوتها. عسى أن يكون لها ما يعوض بعض ما أصابها.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).