Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قضية مريم أثارت ردود فعل واسعة في المغرب.. لقطة تعبيرية
قضية مريم أثارت ردود فعل واسعة في المغرب.. لقطة تعبيرية

سناء العاجي

ما القاسم المشترك بين أمينة الفيلالي ومريم التي لا نعرف حتى اسمها الكامل؟
لا شيء في الحقيقة، أو ربما كل شيء... أو لعلها تلك النهاية المأساوية للفتاتين، بسبب قوانين وتقاليد تقتل النساء، بكل الأشكال، تحت مسميات الحفاظ على الشرف.

سنة 2012، دفعت أمينة الفيلالي من حياتها حين تم تزويجها من مغتصبها بموجب قانون لم يتغير إلا بعد أن انتحرت.

هل كان يجب أن تعاني أمينة الفيلالي بعد أن تم تزويجها من مغتصبها، وأن تتعرض للعنف النفسي والجسدي من طرف مغتصِب يتحول فجأة إلى "فاعل خير" لأنه أنقذ "شرفها"، ثم تقرر شرب سم الفئران لتتخلص من عذابها...؟  هل كان يجب أن يحدث كل هذا لكي ينتفض الشارع ويتم تغيير القانون؟

أما كان يكفي سياسيي وسياسيات هذا البلد أن يعوا أنه من غير الإنساني ولا هو من العدل قبول تزويج ضحية لجلادها، حتى ينجو من العقاب؟

بالمناسبة، علينا أن نتوقف عن استعمال عبارات من قبيل "زواج من مغتصب" أو "زواج قاصرات". الأمر يتعلق بتزويج وليس بزواج، لأن كلمة زواج تحمل، ضمنيا، مفهوم القبول والرضى. فهل للقاصر أن "تقبل" زواجها؟ وهل تختار المغتصَبَة أمام أسرة ومجتمع يعتبرانها مذنبة بينما هي ضحية؟

عشر سنوات بعد ذلك، ستدفع طفلة أخرى ثمن قوانين متخلفة وظالمة. كانت مريم تبلغ من العمر 14 ربيعا... تحولت فجأة لبرد قارس موحش مظلم!

تعرضت مريم للاستغلال الجنسي عدة مرات إلى أن حدث الحمل. هل لنا أن نتخيل وجع التفاصيل؟ هل لنا أن نتوقف قليلا لنعيش في روح وجسد مريم في كل مرة تعرضت فيها للاعتداء الجنسي؟

الذي حدث بعد ذلك أنه، في مجتمع يعتبر الفتاة التي تحبل خارج الزواج عارا وفضيحة (حتى لو كانت ضحية لمعتدٍ جنسي)، يكون الحل الوحيد هو إجهاضها سرا (طبعا، مادام القانون في المغرب لا يسمح بالإجهاض... بل ويعاقب عليه في إطار القانوني الجنائي).

في غرفة غير مجهزة، اجتمعت قابلة شعبية وتقني بالمستشفى، مع المغتصب و... أم الضحية؛ ثم قرروا إجهاضها بمختلف الوسائل الشعبية...

لنحاول مجددا تخيل بشاعة المشهد. طفلة تصرخ من الألم وأشخاص يدخلون في جهازها التناسلي موادا حادة غير طبية لاقتلاع الجنين... ألم... صراخ... يمسكون فخديها ويغلقون فمها لكي لا يُسمَع صراخها. نزيف حاد... ومريم تلفظ آخر أنفاسها.

من قتل مريم؟ والدتها التي سمحت بهكذا بشاعة؟ مغتصبها لأكثر من مرة والذي سيجد له المجتمع أكثر من تبرير وظروف تخفيف؟ القابلة؟ المجتمع الذي لا يرحم النساء اللواتي يعشن علاقات جنسية رضائية ولا النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب؟ القوانين التي تتدثر بالأخلاق والقيم والتي تنتهي بتدمير حيوات أشخاص ذنبهم الوحيد أنهم أحبوا... أو أنهم تعرضوا للظلم والعنف الجنسي، ليتحولوا لمجرمين في نظر القانون وخطائين في نظر المجتمع وعار في نظر الأسرة؟

يمكننا طبعا أن نستمر في اعتبار القوانين الحالية تحمي المجتمع والأخلاق والدين والقيم... يمكننا أن نستمر في لعبة الكذب على الذات. يمكننا أن نرفض القبول بالتحولات السوسيولوجية الحقيقية التي يعيشها المجتمع والتي تجعل العلاقات الرضائية واقعا، والتي قد ينتج عنها حمل غير مرغوب فيه... في هذه الحالة، فالحل الأفضل يكون هو التوقيف الإرادي للحمل (بشكل قانوني يحمي حياة السيدة الحامل).

أما الوضع الحالي، فهو يجعل مئات عمليات التوقيف الإرادي تتم بشكل سري و\أو غير طبي يهدد حياة السيدات الحوامل اللواتي لا يرغبن في الاحتفاظ بالجنين، كما يجعلهن عرضة للابتزاز من طرف أطباء يجعلوهن يدفعن ثمن السرية والخطر. وماذا عن النساء اللواتي لا يتمكن من توقيف الحمل؟ هل يحميهن المجتمع والقانون الذي يمنعهن من حرية اتخاذ قرار الأمومة أو عدمها؟ هل يمنح لهن حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية حين يحتفظن بالجنين، أم أنه يلفظهن بعد ذلك كعالة على المجتمع؟ وماذا عن الطفل الذي يدافع الآلاف عن حقه في الحياة؟ هل يسمح له هؤلاء المدافعون، حين يولد، بحياة كريمة كطفل مولود خارج الزواج؟

هذا ونحن نتحدث عن العلاقات الرضائية... لكن ماذا عن مريم وأمثالها ممن يتعرضن للعنف الجنسي؟ أي قيم وأي أخلاق وأي دين يسمح بأن تعيش مريم ما عاشته من أشكال البشاعة والظلم والألم؟

لكن لا بأس... لتمت مريم ولتمت العشرات غيرها! لتعش أخريات بذل وفضيحة الحمل خارج الزواج حتى وهن ضحايا! الأهم من كل هذا أن تظل صورتنا في المرآة جميلة نتأملها بفخر: نحن مجتمع لا يجاهر بالمعصية ولا يسمح بالفساد. نحن مجتمع طاهر... طاهر حد قتل المختلفين والتمثيل بجثتهم!

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).