Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الطاهر بن جلّون أحد أعضاء لجنة تحكيم الغونكور
الطاهر بن جلّون أحد أعضاء لجنة تحكيم الغونكور

عبد الرحيم التوراني

عندما أصدر ديوانه "الفرح ليس مهنتي" في العام 1970، كتب الشاعر السوري محمد الماغوط: "أنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء". وكأنه كان يتنبأ بما سيحدث للمواطنين اللبنانيين اليوم، وهم يعيشون تحت وطأة أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متصاعدة ومترابطة كسلاسل قيود تطوق الكرامة وتهين الإنسانية، وتدفع إلى مكابدة مرارة الانكسار والاستسلام الكامل للهزيمة النفسية الداخلية، بدل التمرد على واقع التدجين والإذلال والخوف. 

لولا أن الفرح قيمة إنسانية ضرورية لبني البشر. إذ لا بد من تجاوز المزاج السيء والانفلات من التشاؤم وإنْ مؤقتا، من خلال استغلال مناسبات يتم فيها ابتكار طقوس الفرح الجماعي، والإعلان عن التشبث بالحياة وبكرامة العيش، ما يساعد على الانتصار على القهر وتجاوز التحديات. 

من هنا سعي الناس لالتقاط نسمة فرح، والتعبير عنها بمناسبة فوز المنتخب الرياضي لبلدهم مثلا، أو عند حصول مواطنٍ على امتياز عالمي أو قاري أو إقليمي، في مجال من المجالات الرياضية والفنية والثقافية والعلمية، وغيرها.  

بصدد الحالة اللبنانية، ووسط أسوء أزمة اقتصادية يتخبط حاليا في ذيولها وطن الأرز، بعد تدنّي العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، إذ لم تعد لأكوام أوراق الليرة اللبنانية قيمة تذكر، كدليل على ذلك أن المحلات التجارية، كالمقاهي والمطاعم، صارت تستعين بماكينة عد النقود التي تستعمل عادة في المؤسسات البنكية، بعد أن أصبح سعر الدولار يتراوح ما بين 38 ألف و40 ألف ليرة. هذا دون أن ننسى أزمة الكهرباء والماء وندرة الدواء، لا سيما أدوية المصابين بأمراض مزمنة كالسرطان. ومع استمرار حجز حسابات المودعين، لجأ اللبنانيون اليائسون من استرداد أموالهم إلى اقتحام البنوك للحصول على مدخراتهم. 

وسط هذا المشهد السوداوي، الذي لا يمت لأجواء الفرح والارتياح بِصِلَة، لا يتردد المواطنون اللبنانيون في الانفلات من أجواء المأساة الرازحة، بالهروب إلى ضفاف الفرح متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، كما حصل عند تأهيل منتخب لبنان لكرة السلة للإقصائيات النهائية لكأس العالم 2023، وقد ابتهجوا أيضا في مستهل هذه السنة، لما أحرز المنتخب ذاته لقب بطولة العرب. 

مرة أخرى، وقبل أيام نسي اللبنانيون أزماتهم المتناسلة، وتملكتهم موجة من فرح جماعي، وهم يتابعون فوز الفرقة اللبنانية الراقصة "ميّاس"، في واحد من أهم برامج المواهب العالمية، برنامج "أمريكان غات تالنت". 

 كأن المبادرات والنجاحات الرياضية والفنية التي تأتي من الشعب اللبناني، تساهم في تأخير ساعة الانهيار الشامل الذي يهدد البلاد منذ أعوام، كما ذهبت إلى ذلك الباحثة الاجتماعية د. دلال البزري. لكن "مسكن الأوجاع لا يشفي من مرض"، قالها المفكر فواز طرابلسي منذ عقود متحدثا عن أغاني المطربة أم كلثوم، التي اتهمها الشاعر بالفرنسية المغربي عبد اللطيف اللعبي بالتسبب في هزيمة العرب في حزيران 1967، وقد نشر اللعبي قصيدته الهجائية ضد كوكب الشرق في أحد أعداد مجلة "أنفاس" اليسارية التي كان يديرها، مصحوبة برسومات للتشكيلية والشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان. 

وتتواصل عملية "تأجيل الانهيار"، بهذا الحجم أو ذاك، وبصيغ ومستويات غير مبرمجة أو مخطط لها، فالمسيطرون على شؤون البلد لا يتحكمون في هذه العملية الإيجابية والتنفيسية، بقدر ما تبرمج سياساتهم لهندسة واقع التفقير ومراكمة اليأس وتمديد تغول الأزمة الاخطبوطية، بل إن "نسائم التأجيل" غالبا ما تهب بردا وسلاما من جهات خارجية، تهوِّن على الناس صراعهم اليومي مع تسونامي الغلاء. 

*** 

هذا الشهر، وصل نبأ ترشيح أكاديمية "غونكور" كاتباً لبناني الأصل للفوز بجائزتها التي تعد من أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا. وقد حظي بها من قبل الأديب اللبناني أمين معلوف (1993)، إلى جانب بضعة كتاب عرب آخرين، كان أولهم من المغرب الطاهر بن جلون (1987)، ثم ليلى السليماني (2016)، وفؤاد العروي الذي فاز بـ"غونكور" القصة" (2013)، والجزائري كمال داوود (2015). وكانت جائزة "غونكور" 2009 الخاصة بالشعر من نصيب عبد اللطيف اللعبي. 

شكَّل ترشيح سبيل غصوب (33 سنة) لجائزة "الغونكور" مفاجأة سعيدة للكاتب الشاب، ومعه اللبنانيون، بإدراج روايته "بيروت على نهر السين"، (صادرة عن منشورات "ستوك"، باريس، 2022). وهي الثالثة له، بعدما أحدثت روايته الأولى "الأنف اليهوديّ" ضجة داخل لبنان بعد زيارته لإسرائيل. أما روايته الثانية فحملت عنوان: "بيروت بين قوسين". 

تحدث سبيل غصوب أنه كتب رواية "بيروت على نهر السين" تحية لوالديه وانتقاما لهما من الحرب الأهلية اللبنانية. حيث أنه من مواليد 1988 في باريس لأبوين لبنانيّين، خططا لنزوح مؤقت من وطنهما إلى فرنسا سنة 1975 على أمل العودة، ولما طالت سنوات الحرب وجدا نفسيهما مقيمين بشكل دائم بالمهجر الفرنسي. وإنْ لم يعش ابنهما قساوة تلك الحرب المجنونة ومرارتها، التي امتدت خمسة عشر سنة، فإنه ورث أصداءها وعواقبها، ورأى ندوبها على ملامح من عاشوها، وفي مقدمتهم والديه. ولأنه سليل الهجرة طرحت عليه بقلق وجودي وعبثي حاد، أسئلة تتصل بالهوية واللغة والذاكرة والانتماء وخيبة الأمل والعلاقة مع الآخر. لذلك عمد سبيل غصوب إلى نسج حكاية عن "لبنان مختلف"، بناه في ذاكرته على أنقاض حكاية أبويه وقصة هجرتهما. وإن كان الكاتب يُقِرُّ بزيف الذاكرة التي يقدمها للقارئ، إلا أنه يتبناها: "إنها ذاكرة لبنان الخاصّ بي وحدي".  

كأنه ينخرط هنا، عن وعي أو غير وعي، في الجدل الوجودي لقيام كيان اسمه لبنان، الذي بالرغم من احتفاله بذكرى مائة سنة على تأسيسه، ما زالت تتجاذبه قوى إقليمية ودولية، تنازعه الحق في بناء التصور الخاص لتاريخ وحاضر ومستقبل البلد. 

وبما أن الحديث عن جائزة فرنسية، سنكتفي بِصِلَة فرنسا بلبنان.. في هذا الإطار ستشهد بيروت من 19 إلى 30 أكتوبر- تشرين الأول المقبل تنظيم فعالية أدبية فرنكفونية كبرى، تحت عنوان: "بيروت الكتب". وعلى هامش الحدث الثقافي ستجتمع لجنة تحكيم جائزة "غونكور"، المؤلّفة من 12 عضوًا، بينهم المغربيّ الطاهر بن جلّون، وذلك لاختيار القائمة النهائية، وتشمل أربعة متسابقين. 

ولن نبالغ إذا أفصحنا أنه لا يساورنا أدنى شك في أن سبيل غصوب سيكون من بين هؤلاء الأربعة، بل هناك توقعات عالية جدا بأنه هو من سيضاف إلى لائحة الفائزين بـ"غونكور"هذا العام، عندما سينادى باسمه ساعة الإعلان عن المتوج يوم الخميس 3 نوفمبر - تشرين الثاني 2022. 

بعيدا عن أي سوء نية للتنقيص من مُنجز الكاتب اللبناني المرشح هذه السنة، أو من الجائزة نفسها التي تساهم في تنشيط الحياة الثقافية، إلا أن "الغونكور" باتت في الأعوام الأخيرة محاطة بالانتقادات السلبية، لا سيما الموجهة إلى لجان تحكيمها، حيث ذهبت الجائزة مرات لأسماء معينة لاعتبارات غير أدبية، بل خضعت لترضيات "سياسية"، ولتدخلات ما يسمى بـ"لوبي دور النشر" الفرنسية. 

ولأن للبنان مكانة وجدانية خاصة لدى باريس والقادة الفرنسيين، وإيمانويل ماكرون لن يكون استثناء بينهم، إذ يحرص على إبقاء لبنان تحت المظلة الفرنكفونية بالمفهوم السياسي والجيوستراتيجي والتاريخي، وأن تكون اللغة الفرنسية جزءا وثيقا من الهوية اللبنانية. 

هكذا شاهدنا كيف سافر ماكرون إلى لبنان بعد يومين من حادث انفجار ميناء بيروت في صيف 2020، كان الرئيس الوحيد في العالم الذي هرع ليجتمع بساكن قصر بعبدا وأمراء الطوائف اللبنانية، بمن فيهم الثنائي الشيعي بزعامة حزب الله وحركة أمل. ما منح النخبة الحاكمة والطبقة السياسية المسيطرة في لبنان فرصة التقاط الأنفاس، وأضفى عليها شرعية الاستمرارية القائمة على المحاصصة الطائفية، وأفلتها من غضب المتظاهرين في "ثورة 17  تشرين"، الذين ووجهوا بقنابل مسيلة للدموع ورصاصات مطاطية وقاذفات من صناعة فرنسية، كما أكدت ذلك منظمة العفو الدولية. 

وبالرغم من فشل سياسة "الجزرة والعصا" الفرنسية مع لبنان، فإن استراتيجية باريس لم يطلها تغيير كبير حتى اليوم، ولا زالت تراوح تعثرها أمام الحضور الإيراني المتنامي في لبنان الذي يؤمنه سلاح حزب الله. 

هو ما يرجح تتويج سبيل غصوب بالجائزة الفرنسية الكبرى. غير أن الكاتب والصحفي المغربي المعطي قبَّال يشكك في حقيقة الوضع الفرنكوفوني بلبنان، واصفاً إياه بـ"وضع هجين، يفتقد إلى الوضوح. لبنان بلد فرانكفوني بالكاد، لكن بلا كتاب ولا ناشرين ولا صحافة فرنكفونية، ومع ذلك ولأسباب سياسية ترحل لجنة تحكيم "الغونكور" لبيروت للقيام بإعلان ربما لا يهم الغالبية العظمى من اللبنانيين، الذين تتلاحق عليهم الصدمات". ويعلق قبّال ساخرا إنه في حالة فوز غصوب "ستكتب الأكاديمية (غونكور) حكاية أخرى!". 

بانتظار إدخال الكرة الفرنكفونية في السلة اللبنانية المقعورة، (للإشارة فإن "الباسكيت" الرياضة الجماهيرية الأولى في بلد الأرز، رياضة أمريكية النشأة والأصل)... والتفرج على التواءات سياسة "الإيليزيه"، وهي تحاكي مرونة جسد لبناني جماعي في إيقاع مفرد (فرقة ميّاس)... مع متابعة دردشة عابرة بين عاشقين للغة الفرنسية من لبنان، على رصيف مقهى بشارع الحمرا أو "على ضفاف نهر السين"، ما دام سبيل غصوب نقل شوارع بيروت إلى باريس، فالمهم هو اللكنة البيروتية للغة الماكرونية. لنتساءل حول حقيقة ومغزى عبارة "اللغة الفرنسية غنيمة حرب" التي أطلقها ذات يوم الجزائري كاتب ياسين... أترى هي اللغة الفرنسية، أم لبنان بأكمله.. ("بلد بحاله" كما يقول المصريون!) 

ويستمر تأجيل المؤجل.. ولا ملاذ، تأكيدا أن الفرح اليوم ليس لبنانيا، وأن "الفرح ليس مهنة اللبنانيين"، وأن أحلامهم أخشاب تطافية على نهر زمن ميتافيزيقي.. إلى حين. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).